رؤى

الوحي والنبوة.. وملامح العلاقة بين الإنسان والقرءان

يشكّل كتاب “الوحي والقرآن والنبوة” للمفكر التونسي هشام جعيط، الصادر عن دار الطليعة في بيروت عام 1999، واحدا من أبرز الأعمال الفكرية العربية المعاصرة التي تناولت البدايات التأسيسية للإسلام بجرأة معرفية وبصرامة علمية. فالكتاب ليس مجرّد عمل وصفي، أو تكرار لما جاء في كتب التراث أو الدراسات الاستشراقية؛ بل، هو محاولة “فلسفية ـ تاريخية” عميقة لإعادة التفكير في اللحظة النبوية، وفي النص القرءاني، وفي مفهوم الوحي ذاته، بوصفها “ثلاثية” متداخلة شكّلت النواة الصلبة للحضارة الإسلامية.

يأتي الكتاب بوصفه الجزء الأول من ثلاثية جعيط، حول السيرة النبوية، التي ستتواصل لاحقا مع تاريخية الدعوة المحمدية ومسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام. غير أن هذا الجزء يظل الأكثر تأمليا وفلسفيا، لأنه يعالج السؤال المؤسس: كيف يمكن للعقل الحديث أن يفهم ظاهرة الوحي؟ وكيف يمكن أن نقرأ القرءان لا فقط باعتباره نصا مقدسا، وإنما أيضا باعتباره حدثا “لغويا ـ تاريخيا ـ روحيا” قَلَبَ موازين الثقافة العربية وأعاد تشكيلها جذريا؟

دلالة الوحي

ينطلق جعيط من ملاحظة مركزية، هي أن النقاشات التقليدية حول الوحي والنبوة غالبا ما تتأرجح بين قطبين متعارضين: الأول، يُغَلّب النظرة الإيمانية الصرفة، فيتعامل مع الوحي بوصفه حقيقةً “فوق ـ تاريخية” منزّهة عن أي تحليل بشري؛ والثاني، يذهب إلى التفسير الاختزالي المادي، فيردّ الظاهرة إلى أوهام نفسية أو حاجات اجتماعية. وبين هذين القطبين، يحاول جعيط أن يفتح طريقا ثالثا، يتأسس على الاعتراف بعمق التجربة النبوية وفرادتها؛ وفي الوقت نفسه، تحليلها ضمن سياقها التاريخي والثقافي.

من هنا، يبدأ بالتمييز بين ثلاثة مفاهيم: الوحي، بوصفه خبرةً روحيةً داخليةً عاشها النبي محمد عليه الصلاة والسلام؛ والقرءان بوصفه نصا متشكلا عبر مسار طويل من التلقي والإنشاد والتدوين، والنبوة، بوصفها وظيفةً اجتماعيةً وتاريخيةً قادت إلى تأسيس جماعة دينية وحضارة جديدة.

هذا التمييز يساعد على تفكيك الظاهرة دون إفقادها وحدتها الجوهرية؛ إذ يرى جعيط أن التجربة المحمدية كانت في آنٍ واحدٍ حدثا “ذاتيا – روحانيا”، و”نصا لغويا” ذا إيقاع خاص، و”مشروعا تاريخيا” كبيرا.

وفي تحليل الوحي ودلالته، يقف جعيط أمام اللحظة الأولى في غار حراء، كما نقلتها الروايات الإسلامية. لا يكتفي بتكرار ما ورد في كتب السيرة، بل يحاول أن يتساءل: ما معنى هذه التجربة من منظور علم النفس الحديث والأنثروبولوجيا الدينية؟

يرى جعيط أن ما عاشه محمد كان صدمة روحية عميقة، نوعا من الاقتحام الإلهي للوعي، وهو ما يفسّر الاضطراب الذي شعر به في البداية، والخوف من أن يكون أصابه مسّ أو جنون. غير أن استمرارية التجربة وتكاملها، ثم أثرها العميق في شخصيته وفي مجتمعه، يجعلها مختلفة جذريا عن الحالات المرضية أو “الهلوسية”. وهنا، يرفض جعيط التفسيرات الاختزالية لبعض المستشرقين، الذين شبّهوا الوحي بالصرع أو الاضطراب النفسي، مؤكّدا أن النبي كان شخصية متوازنة وفاعلة تاريخيا، وأن النبوة لا يمكن ردّها إلى اضطراب فردي.

القرءان والنبوة

أما بالنسبة إلى القرءان، فإن جعيط يعتبره المعجزة الكبرى؛ حيث يركّز على لغته وإيقاعه وبنيته الخطابية، التي جاءت قطيعة مع السائد في الشعر والخطابة الجاهلية. فالقرءان ليس استمرارا بسيطا للفن الشعري أو النثري العربي القديم؛ وإنما هو اختراق بلاغي، لغة جديدة لها إيقاعها الخاص وطرائقها في التصوير والتعبير. ومن هنا جاءت فرادته التي أذهلت معاصري النبي قبل غيرهم. لكنه – في الآن ذاته- نصّ تجلّى عبر مراحل متعددة، وارتبطت صياغته بظروف الدعوة وتطورها، ما يجعل دراسته التاريخية ممكنة وضرورية.

أما النبوة عند جعيط، فهي ليست مجرد صفة دينية أو كرامة شخصية؛ بل هي وظيفة تاريخية واجتماعية. فالنبي محمد لم يكن ناسكا منعزلا فحسب، بل صار قائدا ومشرّعا ومؤسسا لجماعة جديدة. من هنا يرى جعيط أن النبوة المحمدية تختلف عن النبوات السابقة، في كونها نجحت في الجمع بين الرؤية الروحية العميقة، والقيادة العملية التي أفضت إلى قيام حضارة. ففي حين انتهت دعوات أنبياء سابقين باضطهاد أو استشهاد أو بقاء محدود في نطاق ديني ضيّق، فإن النبوة المحمدية أحدثت انقلابا واسعا في مجرى التاريخ.

يخصّص جعيط أيضا، حيّزا لمقارنة التجربة المحمدية مع تجارب الأنبياء في الديانات السابقة، خصوصا في اليهودية والمسيحية. فيلاحظ أن ثمة سمات مشتركة، مثل الإحساس بالاصطفاء الإلهي، والاضطراب النفسي الأولي، ومواجهة المجتمع الرافض؛ لكن -في الوقت نفسه- يؤكد فرادة التجربة الإسلامية من حيث اتساع أثرها التاريخي، وتحوّلها إلى مشروع حضاري متكامل.

رؤية فلسفية

أحد الجوانب اللافتة في الكتاب هو منهج جعيط النقدي؛ فهو لا يقف عند حدود السرد التراثي، ولكن يستخدم المناهج الحديثة (علم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا) دون أن يقع في فخ الإسقاط أو التعسّف. وهو أيضا يوازن بين النقد والاستيعاب؛ فلا يرفض كليا الموروث الإسلامي، ولا يستسلم له دون مساءلة. ومن خلال هذه المنهجية يحاول أن يفتح أفقا جديدا للبحث في الإسلام المبكر، بعيدا عن السجالات الأيديولوجية بين الإيمان الأعمى والرفض الاستشراقي.

وفي خلفية الكتاب يظهر بوضوح هاجس جعيط الفلسفي. فهو لا يكتب فقط بوصفه مؤرخا، بل أيضا مفكرا يسعى إلى إعادة تعريف علاقة الإنسان بالوحي في زمننا. إذ ما معنى أن نتحدث عن وحي في عصر العقل والعلم؟ كيف يمكن أن نحافظ على الطابع الروحي العميق لهذه التجربة، دون أن نغلق الباب أمام التفكير النقدي؟ هذه الأسئلة تجعل الكتاب يتجاوز حدوده الأكاديمية، ليُصبح نصا يحاور القارئ المعاصر في قضايا الإيمان والعقل واللغة والتاريخ.

القيمة الأساسية لهذا العمل تكمن إذن في كونه يقدّم قراءة جديدة ومختلفة للنبوة المحمدية، قراءة تجمع بين العمق الروحي والتحليل العقلاني. وهو بذلك يضع القارئ أمام تجربة تأسيسية لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل تظل حاضرة في كل سؤال يطرحه المسلم المعاصر حول علاقته بالوحي وبالنص المقدس.

ولعل ذلك يتبدى بوضوح عبر ما يطرحه جعيط، حول: أهمية القرءان وشخصية النبي، وكذلك حول: مسألة الدين والدولة.

في ما يتعلق بـ”أهمية القرءان وشخصية النبي” يؤكد جعيط على أن الوحي والقرآن والنبوة هي أصل كل شيء في الحضارة الإسلامية وعمودها الفقري؛ ويشير إلى أن النبي محمد لعب دورا استثنائيا وفريدا في صياغة الإسلام، على عكس مؤسسي الأديان الأخرى، مثل المسيحية والبوذية والزرادشتية.

أما في ما يخص “مسألة الدولة والدين”؛ يرى جعيط أن الإسلام لم يكن يسعى إلى السلطة السياسية في أساسه، وأن جوهر الدين هو الذي بقي مسيطرا في آخر المطاف بفضل القرءان وشخصية النبي محمد، على عكس المسيحية التي شهدت جدلية معقدة بين الدولة والدين منذ بدايتها.

وختاما.. كتاب “الوحي والقرآن والنبوة” يُمثّل خطوة جريئة في الفكر العربي الحديث، لأنه يفتح النقاش حول مسألة طالما اعتُبرت محرّمة أو محصّنة ضد التحليل العقلي. وقد استطاع هشام جعيط أن يقدّم عملا يتسم بالعلمية والرصانة، دون أن يفقد الاحترام لجوهر التجربة النبوية. وبذلك يكون هذا الكتاب ليس فقط دراسة في السيرة أو في النص القرءاني، بل أيضا محاولة فلسفية لفهم العلاقة بين الإنسان والمقدّس، بين التاريخ والروح، بين اللغة والوحي.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى