في مسعى منها لتفعيل خارطة الطريق، التي طرحتها أمام مجلس الأمن الدولي في 21 أغسطس 2025، ناقشت هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، مع رئيس جهورية الكونغو دينيس ساسو نغيسو، في برازافيل الجمعة 19 سبتمبر 2025، أبعاد الأزمة الليبية و”مفاتيح الحل”، بالإضافة إلى ملف “المصالحة الوطنية” الذي تعطل كثيرا نتيجة الخلافات بين الأطراف الليبية.
ويأتي اجتماع تيتيه مع نغيسو، بصفته رئيس اللجنة رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأفريقي المعنية بليبيا، ليعكس إدراكا متزايدا بأن الأزمة الليبية لا يمكن حصرها في إطار أممي فقط؛ بل تستدعي تكامل الجهود الأممية مع نظيرتها الإقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي، الذي يتمتع بشرعية خاصة في القارة وقدرة على مخاطبة الأطراف الليبية بمنطق “البيت الأفريقي”.
لقاء “تيتيه – نغيسو” هذا ألقى الضوء على نقطتين أساسيتين: الأولى أن المصالحة الوطنية هي مفتاح كسر الجمود السياسي وحالة عدم الاستقرار التي تعيشها الساحة الليبية؛ والثانية أن تحرك الأمم المتحدة بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي يمثل محاولة لفتح نافذة جديدة، قد تعيد بعض الأمل في مسار التسوية للأزمة الليبية.
واللافت، أن استمرار وضعية “عدم الاستقرار” في ليبيا، لم تعد مجرد أزمة داخلية تخص الليبيين وحدهم، بل بات مصدر قلق إقليمي ودولي بالنظر إلى تداعياته على الأمن في منطقة الساحل والصحراء، وعلى أمن المتوسط والهجرة غير النظامية؛ فضلا عن تأثيراته المباشرة على استقرار دول الجوار، لا سيما تونس ومصر والجزائر. فما العوامل الهيكلية الكامنة وراء وضعية عدم الاستقرار هذه؟
أسباب داخلية
تتعدد أسباب وضعية عدم الاستقرار في ليبيا إلى عديد من الأسباب الداخلية.. لعل من أهمها:
1– المؤسسات الليبية وأزمة الشرعية:
فمن الأسباب الجوهرية لاستمرار الاضطراب أن كل المؤسسات السياسية في ليبيا تعاني من أزمة شرعية. فمجلس النواب، المنتخب في 2014، لا يحظى باعتراف شامل، والمجلس الأعلى للدولة يفتقر إلى قاعدة جماهيرية واسعة، وحكومة الوحدة الوطنية التي جاءت عبر مسار الحوار السياسي الليبي في جنيف، عام 2021، باتت موضع خلاف بعد انتهاء ولايتها المفترضة. هذا الفراغ في الشرعية، يجعل أي حكومة أو مؤسسة عرضة للطعن والرفض، ويدفع الأطراف المتنازعة إلى الاعتماد على القوة العسكرية والميليشياوية.
2– التشظي السياسي وانقسام السلطة:
وهو العامل الأكثر وضوحا في استمرار الأزمة الليبية؛ إذ يبدو الانقسام السياسي بين سلطتين متنافستين، إحداهما في الشرق ممثلة بمجلس النواب وحكومة موازية، والأخرى في الغرب ممثلة بالمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية. هذا الانقسام يعكس فشل كل المبادرات الأممية والإقليمية في توحيد المؤسسات، خصوصا المؤسسة العسكرية والمالية. فالبرلمان في طبرق، والبنك المركزي في طرابلس، يجسدان الانقسام المزدوج، الذي يؤدي إلى إرباك أي جهد لإعادة بناء الدولة.
هذا “التشظي السياسي” والمؤسساتي، لم يعد مجرد خلاف في الرؤى؛ بل تحوّل إلى منظومة مصالح متشابكة، حيث يرتبط قادة محليون وقبليون بشبكات اقتصادية قائمة على التهريب والنفط والتحالفات العسكرية. وبالتالي، يصبح الحفاظ على الوضع الحالي أكثر نفعا لبعض الأطراف من الدخول في عملية توحيد حقيقية قد تهدد مكاسبهم.
3– غياب المنظومة العسكرية والأمنية:
من بين أبرز أسباب استمرار عدم الاستقرار أيضا، أن ليبيا لم تنجح حتى الآن في بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة. فالجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، يسيطر على الشرق والجنوب بدرجات متفاوتة؛ بينما تعج العاصمة طرابلس والغرب الليبي بتشكيلات مسلحة متنافرة، بعضها مندمج شكليا في وزارتي الدفاع والداخلية، لكنها في الحقيقة تحتفظ باستقلالها وولاءاتها.
غياب جيش وطني جامع وقوة شرطة قادرة على فرض القانون، جعل الأمن رهينة التوازنات بين الميليشيات. وبالتالي، حتى مع وجود تعاون أمني مع قوى كبرى، فإن الداخل يفتقر إلى العمود الفقري الذي يقوم عليه الاستقرار.
أبعاد مجتمعية
إضافة إلى الأسباب الداخلية، توجد أبعاد مجتمعية (اجتماعية واقتصادية.. وليست سياسية) تُساهم في استمرار وضعية عدم الاستقرار.. في مقدمتها:
1– البنية القبلية والاجتماعية الليبية:
المجتمع الليبي، بطبيعته التاريخية والجغرافية، يقوم على قاعدة قبلية متجذّرة؛ إذ لعبت القبيلة دور الدولة قبل وجود الدولة الحديثة، وكانت الإطار الأساسي للتنظيم الاجتماعي والسياسي. وفي ظل غياب مؤسسات قوية في فترة ما بعد الاستقلال، ظل الولاء القبلي حاضرا إلى جانب الولاء الوطني، إلى أن جاء نظام القذافي الذي سعى إلى إعادة إنتاج الشرعية السياسية عبر القبيلة، مستخدما سياسة “التمييز القبلي”، حيث أعطى امتيازات لقبائل معينة، وهمّش أخرى.
بعد سقوط النظام، عام 2011، انفجر الموروث القبلي بكل ثقله. ومع انهيار السلطة المركزية، عادت القبيلة لتكون الملجأ الأساسي لليبيين؛ ليس فقط من الناحية الاجتماعية، بل بوصفها فاعلا سياسيا وعسكريا مباشرا؛ حيث تشكلت كتائب وميليشيات تستند إلى الروابط القبلية، وأصبحت القبائل لاعبا يمتلك القدرة على إغلاق حقول النفط أو السيطرة على موانئ استراتيجية.
“الجنوب الليبي” مثال حي على هذا التشابك؛ إذ إن النزاعات بين قبائل التبو وأولاد سليمان والطوارق لا ترتبط فقط بالثروات والطرق الحدودية، بل تعكس أيضا غياب سلطة الدولة.
أما في “الشرق”، فقد استفاد حفتر من تحالفه مع بعض القبائل الكبرى لترسيخ سلطته. وفي “الغرب”، تسيطر قبائل مثل مصراتة والزاوية والزنتان على معادلات القوة، وتدخل أحيانا في تحالفات متقلبة.
2– الانقسامات الأيديولوجية والإسلام السياسي:
إلى جانب الانقسام القبلي، يظل البعد الأيديولوجي أحد أهم العوامل المعيقة للاستقرار في ليبيا. فالمشهد الليبي، منذ 2011، شهد بروز تيارات متباينة، من الإسلام السياسي ممثلا في جماعة “الإخوان”، إلى جماعات سلفية جهادية (داعش والقاعدة) مرورا بالتيار السلفي المدعوم من بعض القوى الإقليمية.
في السنوات الأولى، بعد 2011، سعت جماعة الإخوان إلى لعب دور سياسي منظم عبر حزب “العدالة والبناء”، لكنها اصطدمت بمعارضة شرسة من قوى مدنية وعسكرية ترى في الإسلام السياسي تهديدا لمشروع الدولة الوطنية. هذه المواجهة أخذت بُعدا مسلحا، خاصةً في ظل دخول تركيا على خط الدعم للإسلاميين في “الغرب”، مقابل دعم مصر لمعسكر حفتر المناهض لهم في “الشرق”.
أما الجماعات “المتطرفة”، فقد وجدت في الفوضى الليبية بيئة خصبة للتمدد، خصوصا في سرت ودرنة، قبل أن تُهزم عسكريا على يد قوات محلية مدعومة دوليا. ورغم تراجع قوتها، فإن خطر عودتها قائم، خاصة في “الجنوب” حيث الحدود مفتوحة مع تشاد ومالي والنيجر.
التيار السلفي “المدخلي” يمثل حالةً خاصةً؛ إذ لا ينخرط في السياسة بشكل مباشر، لكنه يملك تأثيرا دينيا واجتماعيا واسعا، كما أن بعض كتائبه المسلحة لعبت أدوارا حاسمةً في القتال، أحيانا لصالح حفتر، وأحيانا بالتنسيق مع قوى في الغرب. وهذا يعكس أن الانقسام الأيديولوجي لا يقوم فقط على ثنائية “إسلامي/مدني”، بل يتوزع داخل الطيف الإسلامي ذاته.
في هذا الإطار.. يثور التساؤل حول: الأسباب الخارجية وراء استمرار الأزمة الليبية؛ والتداعيات الجيوسياسية الناتجة عن استمرار الأزمة، خاصة في المحيط الجغرافي الليبي؟








