رؤى

“الجغرا – روحانية” القرءانية.. وثنائية المكان والزمان (1-2)

تمثل ثنائية المكان والزمان في القرءان الكريم أحد الأبعاد الجوهرية في بنية التصور الإسلامي للوجود؛ إذ، لا يمكن فهم الفعل الإنساني، في بعده التعبدي والشعائري، بمعزل عن إدراك العلاقة الجدلية بين هذين البعدين. فالقرءان لا يقدّم المكان والزمان بوصفهما إطارين محايدين تتحرك فيهما الحياة، ولكن عنصرين مفعمين بالمعنى، يتحددان باعتبارهما مجالين لتجلي القداسة الإلهية، ولتحقّق الطاعة، ولتشكّل الوعي الديني القائم على الانتظام والانضباط. ويتجلّى ذلك بصورة دقيقة في الشعائر الإسلامية الكبرى: الحج، الصلاة، الصيام، فضلا عن مسألة القبلة؛ حيث يلتقي المكان والزمان في وحدة رمزية، تؤسس لفهمٍ روحيٍّ عميق للعبادة.

منذ اللحظة الأولى لنزول الوحي، ارتبط الخطاب القرءاني بالمكان والزمان في وعي الإنسان المسلم. فالمكان المقدّس هو وعاء للتجلي، والزمان المحدّد هو لحظة للتكليف. والإنسان، في وسط هذه الثنائية، ليس كائنا عابرا في فضاء وزمن فارغين، بل هو مكلَّف بأن يجعل وجوده ذاته فعلا تعبديّا يربط الأرض بالسماء. ومن ثم، لنا أن نتأمل قول الله سبحانه وتعالى: “إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ” [آل عمران: 190]. فالاختلاف الزماني والمكاني هو مظهر من مظاهر الآيات الإلهية الكونية التي تُوقظ الوعي وتدعو إلى التفكر.

وإذا كنا، في أحاديث سابقة، قد أشرنا إلى علاقة المكان بالشعائر، مثل الصلاة والمساجد والدلالة التعبدية.. إلا أننا هنا سنتناول العلاقة بين ثنائية المكان والزمان، وبين البعد الشعائري والتعبدي في الإسلام.

أولا: الحج.. الزمان المؤسس والمكان المقدس

يُمثّل الحج النموذج الأوضح لتداخل المكان والزمان في بعد شعائري واحد. فالشريعة الإسلامية ربطت أداء هذه الفريضة بمكان محدد وزمان معيّن. يقول سبحانه: “ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ…” [البقرة: 197].. ويقول تعالى: “وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٭ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا…” [الحج: 26-27]. في هاتين الآيتين يلتقي الزمان بالمكان في نظام تعبّدي فريد: فـ”أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ”، تشير إلى تحديد زمني صارم، بينما “مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ” هو تعيين مكاني مُقدّس.

لا يمكن أداء الحج إلا ضمن هذا الإطار المزدوج، لأن جوهر الفريضة يقوم على التحوّل الوجودي للإنسان في الزمان والمكان معا؛ فهو يرحل عن موطنه، فيتحرك مكانيّا نحو مركز التوحيد، ويتجرد زمانيّا من شواغل الدنيا ليعيش “الوقت المقدّس” حيث تلتقي البشرية في حضرة الله. ولا نغالي إذا قلنا: إن هذه هي الدلالة اللسانية لمصطلح “حج”.

هذا البعد “المكاني ـ الزماني” لا يحمل طابعا ماديّا صرفا، بل دلالته رمزية وروحية؛ فالكعبة ليست مجرد بناء حجري، بل هي “محور الكون” وموضع التوجّه، والزمان ليس مجرد تقويم موسمي بل هو “لحظة القداسة” التي تعيد الإنسان إلى معنى الوجود. لذا، كان الحج تذكيرا دائما بأن العبادة ليست مجرّد فعل تعبدي، بل هي سفر في الزمان نحو الأصل وعودة في المكان إلى المركز. ومن هنا، جاءت المناسك مرتبطة بأماكن محددة: عرفة، مزدلفة، منى؛ وكلٌّ منها يحمل قيمة رمزية خاصة، تعيد الإنسان إلى لحظة العهد الإبراهيمي الأول..

ومن ثم، يأتي قوله عزَّ وجل: “وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٭ رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا…” [البقرة: 127-128]. فالحج إذن ليس عبادة زمانية فقط، ولا مكانية فقط، بل “تحقُّق للبعدين معًا في وحدة الشعيرة”، حيث يصبح المكان تذكيرًا بالتوحيد، والزمان استدعاءً للميثاق الأول بين الإنسان وربه.

ثانيا: الصلاة.. انتظام الزمان واستحضار المكان

في الصلاة، يتجلّى انتظام الزمان والمكان في أدقّ صوره. فهي أول العبادات التي فُرضت على المسلم، وقد جاءت مقرونة بتحديد زماني صارم ومكان رمزي دقيق. يقول عزَّ من قائل: “أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا” [الإسراء: 78]. هنا، يربط التنزيل الحكيم بين الظواهر الكونية “ِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ”، “غَسَقِ ٱلَّيۡلِ”، “ٱلۡفَجۡرِ” وبين انتظام العباد في “ٱلصَّلَوٰةَ”، فيصبح الزمن الكوني جزءا من النظام التعبدي.

فـ”ٱلصَّلَوٰةَ” تقسيمٌ للزمن اليومي وتذكيرٌ بدورته، بحيث يتحول الوقت نفسه إلى عبادة، ويصبح التقويم الزماني تقويما روحيا؛ كما يدل على ذلك قوله تبارك وتعالى: “إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا” [النساء: 103].

وهنا، لنا أن نُشير إلى خاتمة الآية الكريمة “إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا”؛ ومن ثم، نتساءل: لماذا “قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ”؟

ومع تقديرنا لجهود مفسرين كبار، من الزمان الماضي؛ فإننا نعتقد أن المقصود بـ”قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ”، ليس آيات الذكر الحكيم التي تُتلى قبل صلاة الفجر، ولكن لها دلالة أخرى. وبشكل موجز جدًا، إلى أن يأتي الوقت الذي نُفصل فيه رؤيتنا هذه، نقول: إن “قُرۡءَانَ” هو مصطلح يتكون من مقطعين “قرء + قرن”؛ وإن “مَشۡهُودٗا” تؤشر إلى كونه “مُشخصًا” و”مرئيًا”.. كما في قوله سبحانه: ﴿وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ﴾ [البروج: 3]؛ وكما في قوله تعالى: ﴿وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ﴾ [هود: 103]. وبالتالي، تأتي خاتمة الآية الكريمة “إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا”، بوصفها تعبيرا عن اقتران الليل والنهار معا، وهما أمران مرئيان ومشخصان و”مقروءان” (قرء + قرن).

وهنا، نؤكد على اتفاقنا التام مع أطروحة المفكر السوري رضوان دوابي، في أن الشمس تبدأ بزوغها وفجرها لتُعلن دخول النهار على الليل، وأن هذا الاقتران مشهود مرئي من قبل الكائنات الحية عامة، والناس بصفة خاصة، لذلك “إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا”. وكما في قوله عزَّ وجل: “حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ…” [البقرة: 187]؛ يأتي التعبير القرءاني “حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ” ليدل على أمر مشخص ومرئي، بمعنى أن توقيتها “كَانَ مَشۡهُودٗا”، أي أول اقتران النهار بالليل، وتباين “ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ” (المُشاهد) “مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ”.. وهو توقيت لكل أهل الأرض لإقامة “صلوة الفجر”.

هذا عن الزمان.. فماذا عن المكان؟

يتمثل المكان في موضع السجود، وفي اتجاه القبلة التي تحدد وجهة العابد. فالإنسان في صلاته يستحضر الكعبة، “ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ”، رمزًا للمركز الكوني، فيلتقي الجميع في وحدة الاتجاه رغم تفرّق الأمكنة. يقول سبحانه: “فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ…” [البقرة: 144].

إن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، مثّل لحظة رمزية كبرى في تطور الوعي الإسلامي بالمكان؛ فالمسلم لم يعد يتجه نحو مكان تاريخي بعينه فحسب، بل نحو “المكان المؤسِّس” للهوية التوحيدية. وبهذا التحول، أصبح المكان عنصرا من عناصر الانتماء الإيماني، وأصبح الاتجاه المكاني فعلا تعبديا يعبّر عن الولاء لله وحده. وفي كل صلاة، يلتقي الزمان المحدّد بالمكان الموحّد، فيتحقق معنى الطاعة ضمن دورة يومية تنظم حياة المسلم الروحية والزمنية معا.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن إن ربط العبادات بالمكان والزمان يكشف عن فلسفة قرءانية عميقة، ترى أن الإنسان لا يتعبد لله في فراغ، بل في فضاء مكاني وزماني يجسد حضوره بوصفه كائنا يعيش في العالم.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى