مختارات

ثائق بريطانية تكشف: المملكة المتحدة نصحت المعارضين الإيرانيين في المنفى باستخدام “القضية الكردية” لكسب الدعم لإسقاط الخميني

بقلم: عامر سلطان

كشفت وثائق بريطانية رفعت عنها السرية مؤخراً أن المملكة المتحدة نصحت جماعات المعارضة الإيرانية في المنفى بوعد الأكراد بإنشاء دولة فدرالية داخل إيران من أجل كسب دعمهم لأي خطة تهدف لإسقاط حكومة آية الله الخميني الثورية.

في عام 1981، أي بعد عام من اندلاع الحرب بين العراق وإيران، تواصلت عدة جماعات معارضة إيرانية في المنفى وشخصيات من نظام الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي مع الحكومة البريطانية، طلباً للدعم السياسي والعسكري لإزاحة النظام الثوري في طهران.

وتُظهر وثائق من وزارة الخارجية البريطانية (FCO) أن بريطانيا رفضت المشاركة في أي محاولات لزعزعة استقرار حكومة الخميني، لكنها اعتبرت أن جماعات المعارضة في المنفى لا تملك فرصاً كبيرة للتأثير داخل إيران ما لم تكسب دعم الأقليات، وخاصة الأكراد.

في نوفمبر 1981، التقى “جون غراهام”، نائب وكيل الوزارة في الخارجية البريطانية، بـ”مهدي سميعي”، الحاكم السابق للبنك المركزي الإيراني، بناءً على طلب الأخير. ناقش الطرفان شخصيات بديلة يمكن أن توحد المعارضة ضد النظام.

نصح غراهام بأن أي مجموعة معارضة في المنفى تسعى لتنظيم مقاومة داخل إيران يجب أن “تبحث عن حليف له قاعدة قوة محلية، ويملك الوصول إلى مقاتلين، وله روابط واسعة في البلاد”. وأشار إلى أن الأكراد هم الخيار الأرجح، مضيفاً أن أفضل طريقة لـ”شراء” دعم الأكراد ستكون من خلال “الوعد بدولة فدرالية”. وقد وافق سميعي، قائلاً إن الفدرالية في إيران بعد تغيير النظام ستكون ضرورية بالتأكيد.

في تلك الفترة، كان اللورد “جورج براون” — وزير الخارجية البريطاني بين عامي 1966 و1968 — يدفع باتجاه استراتيجية لاستعادة النفوذ البريطاني في العالم العربي وحماية المصالح الاقتصادية والجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وخلال اجتماع مع غراهام، نوقشت إمكانية عودة جماعات المعارضة في المنفى إلى إيران وبسط نفوذها. وأكد المسؤول البريطاني أن على تلك الجماعات “بناء علاقات مع الأكراد عبر عرض دولة فدرالية” داخل إيران، مشيراً إلى أن عروضاً مشابهة يجب تقديمها لأقليات أخرى أيضاً. وحذّر اللورد براون، العائد حديثاً من جولة في الشرق الأوسط، من أن إشراك الأكراد قد يسبب مشكلات لكل من العراق وربما تركيا.

كما أشار غراهام إلى صعوبة إيجاد قاعدة خارجية مناسبة تنطلق منها المعارضة. فردّ براون قائلاً إن تركيا “قد تكون طريقاً ممكناً إلى داخل إيران”.

وفي تقريره لوزير الخارجية وإدارة الشرق الأوسط، ذكر غراهام أن لقاءه مع اللورد براون جعله يعتقد أن العراق ما زال يبحث عن جماعة معارضة إيرانية يمكنه استخدامها لزعزعة نظام الخميني، مشيراً إلى احتمال أن يكون براون يساهم في هذا الجهد، وكتب: “من المحتمل أن له يداً في الأمر”.

قبل ذلك بعدة أشهر، أبلغ الجنرال غلام علي أويسي، رئيس أركان الجيش الإيراني في عهد الشاه، بريطانيا بأنه لا يزال يحتفظ بعلاقات شخصية مع زعماء قبائل كردية، وأن له نفوذاً كبيراً بينهم. لكنه حذّر من أن الأكراد الإيرانيين “قد يقبلون في نهاية المطاف بأي وجود خارجي يمنحهم الحكم الذاتي، بما في ذلك الاتحاد السوفيتي”.

وكشفت وثائق أخرى أن الحكومة البريطانية رفضت دعوات من مؤيدي الأكراد في المملكة المتحدة للتدخل في الصراع المسلح بين الأكراد والحكومة الإيرانية، والذي اندلع بعد ثورة 1979 بعدة أشهر.

فبعد سقوط نظام الشاه في فبراير 1979، بسط المتمردون الأكراد في محافظة أذربيجان الغربية بإيران سيطرتهم الفعلية على عدة مدن رئيسية. ولكن بحلول أغسطس، استعاد الجيش الإيراني السيطرة، مما دفع الأكراد للانسحاب إلى الجبال وإعلان بدء حرب عصابات ضد الحكومة المركزية.

وبعد قمع التمرد، لم تستبعد وزارة الخارجية البريطانية إمكانية تدخل خارجي في الصراع الكردي — باستثناء بريطانيا. وفي تقرير عن الوضع، أشارت إلى أن من بين الداعمين المحتملين للأكراد كل من العراق وإسرائيل.

وفي أوائل سبتمبر، أرسلت مجموعة ضغط كردية رسالة إلى الخارجية البريطانية تسأل عن “آراء ونوايا بريطانيا تجاه جهود الأكراد لتحقيق الاستقلال”. ووصفت الرسالة الأكراد بأنهم “أصدقاء تقليديون لبريطانيا”، وادّعت أن هناك مؤشرات على أن بريطانيا تنظر في إرسال بعثة عسكرية إلى محافظة كردستان — المعقل الرئيسي للأكراد المجاور لأذربيجان الغربية — لدراسة طرق دعم النضال الكردي.

وردّت الخارجية البريطانية بالتأكيد على أن المملكة المتحدة لا يمكنها دعم كردستان مستقلة، نظراً لأنها تعترف بحدود إيران والعراق وتركيا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وأوضحت الردود أن الحكومة البريطانية تراقب عن كثب البنود المتعلقة بالأقليات في مشروع الدستور الإيراني الجديد، لكنها أكدت أنها لا تنظر في إرسال بعثة عسكرية أو تقديم دعم عسكري للأكراد في إيران.

تلقى اللورد “بيتر كارينغتون”، وزير الخارجية البريطاني حينها، عريضة أخرى تطالب بريطانيا بأن تبذل كل ما بوسعها لمساعدة الأكراد — سواء في إيران أو العراق أو تركيا. ووصفت العريضة أنه “من الفظيع أن يقف شعب متحضّر مثل البريطانيين مكتوفي الأيدي وهم يشاهدون ما نراه هنا سلوكاً من القرون الوسطى”، وزعمت أن “أساليب غير إنسانية” تُستخدم لقمع الرغبة الطبيعية لدى الأكراد في الحفاظ على لغتهم وحقوقهم التعليمية.

وفي رد أرسلته إدارة الشرق الأوسط بالنيابة عن كارينغتون، أوضحت الخارجية البريطانية أن قادة إيران، بمن فيهم الخميني، أكدوا على مساواة جميع الجماعات العرقية. كما أوضحوا أن الإجراءات الحكومية كانت موجّهة ضد المتمردين في “الحزب الديمقراطي الكردستاني” (PDKI)، الذين يُزعم أنهم يتلقون دعماً من قوى أجنبية. وحذّر كارينغتون من أن تدخل بريطانيا لصالح الأكراد “قد يُفسَّر كدليل” على وجود صلة بين الأكراد والقوى الأجنبية، “وقد يؤدي ذلك إلى تفاقم الوضع”.

ينص الدستور الإيراني الجديد، الذي أُقر في أوائل ديسمبر 1979، على حقوق جميع الجماعات العرقية في إيران. ويؤكد أن شعب إيران، بغض النظر عن العرق أو القبيلة، يتمتع بحقوق متساوية، وأن الفوارق في اللون أو العرق أو اللغة أو ما شابه لا تمنح أي امتيازات خاصة.

كما ينص الدستور على أن الجمهورية الإسلامية في إيران تدعم نضال المظلومين ضد الظالمين حول العالم من أجل نيل العدالة والحقوق

زر الذهاب إلى الأعلى