تأتي تصريحات المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، في 20 أكتوبر 2025، بشأن استعداد روسيا لتوسيع التعاون مع إيران في “جميع المجالات”، لتعيد إلى الواجهة طبيعة العلاقة المعقدة والمركبة بين موسكو وطهران؛ تلك العلاقة التي تتأرجح بين التحالف التكتيكي والمصلحة الإستراتيجية. ويكتسب هذا الموقف الروسي دلالته من التوقيت والمضمون معا: فهو يأتي في ظل تقارب نسبي بين موسكو وواشنطن، بعد سلسلة تفاهمات جزئية حول ملفات الطاقة والحد من التصعيد في أوكرانيا؛ لكنه يتزامن أيضا، مع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، حول الملف النووي ومسائل النفوذ الإقليمي.
ومن ثم، فإن دعوة الكرملين لتوسيع التعاون مع طهران، لا يمكن قراءتها باعتبارها تصريحا بروتوكوليا فحسب، بل جزءا من توجُّه روسي متصاعد نحو بناء توازن جديد في الشرق الأوسط، وإعادة تعريف موقع روسيا في النظام الدولي الذي يتشكل بعد حرب أوكرانيا.
دوافع متعددة
تبدو الدوافع الروسية وراء تعزيز التعاون مع إيران معقدة ومتشابكة، تجمع بين الاعتبارات الجغراسياسية والاقتصادية والأمنية؛ وهي دوافع تتجاوز مجرد الرغبة في إثارة القلق للغرب، إلى أن تعكس رؤية استراتيجية أعمق، تسعى موسكو من خلالها لتحقيق مصالحها في منطقة الشرق الأوسط وساحة العلاقات الدولية.
واللافت، أن روسيا، التي تواجه قيودا غربية وعقوبات اقتصادية قاسية منذ غزو أوكرانيا، تسعى إلى بناء شبكة من الشركاء الإقليميين القادرين على تأمين منافذ اقتصادية وسياسية بديلة. وإيران، التي تواجه بدورها عزلة أمريكية، تمثل نموذجا طبيعيا لحليف يُشارك موسكو المنطق ذاته في مواجهة النظام الغربي. هذا التلاقي في “عقلية المحاصرة” يولّد دافعا مشتركا لتوسيع التعاون في مجالات متعددة، مثل الطاقة والنقل والتكنولوجيا الدفاعية.
ومن هنا، على الصعيد الجغراسياسي، تسعى روسيا لتعزيز نفوذها الإقليمي من خلال بناء شبكة من التحالفات والشراكات، التي تمكنها من مواجهة النفوذ الغربي، خاصة الأمريكي، في مناطق تقليدية ذات أهمية استراتيجية. وتأتي إيران في صلب هذه الاستراتيجية، فهي تمثل قوة إقليمية رئيسة في منطقة الشرق الأوسط، وقادرة على التأثير في مجريات الأحداث من سوريا إلى العراق واليمن. ومن خلال التحالف مع طهران، تستطيع موسكو تعزيز موقفها التفاوضي مع واشنطن، وإظهار نفسها فاعلا رئيسا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية إقليمية.
أما على المستوى الاقتصادي، فإيران تمثل سوقا واعدة للسلاح والتكنولوجيا العسكرية الروسية، خاصةً في ظل استمرار العقوبات الغربية التي تحد من قدرة طهران على الشراء من الأسواق التقليدية. كما أن التعاون في مجال الطاقة يعد محورا مُهمّا، حيث تمتلك كل من روسيا وإيران احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي. ورغم وجود تنافس بينهما في أسواق الطاقة، إلا أن هناك إمكانية للتعاون في تنسيق السياسات والإنتاج، للحفاظ على استقرار الأسعار في السوق العالمية. بالإضافة إلى ذلك، تبحث موسكو عن فرص استثمارية في البنية التحتية الإيرانية، خاصةً في مجال النقل والطاقة النووية، حيث تساهم روسيا بالفعل في بناء محطات نووية إيرانية.
وفي المجال الأمني، تتشارك روسيا وإيران المصالح في مكافحة ما تعتبرانه تهديدات للاستقرار الإقليمي، خاصةً تنظيمات الإسلام السياسي المتطرفة. وقد تجلّى هذا التعاون الأمني بشكل واضح في سوريا، حيث دعم البلدان نظام بشار الأسد عسكريا وسياسيا، ما ساهم في تغيير موازين القوة لصالحه، طوال سنوات. هذا التعاون العسكري المشترك لا يقتصر على سوريا فقط، بل يمتد إلى مجالات التدريب المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ما يعمِّق الثقة بين المؤسستين العسكريتين في البلدين.
التفاعلات الدولية
لا يمكن فصل التوجه الروسي نحو إيران عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، عام 2022، أخذت ملامح “نظام متعدد الأقطاب” في التشكل، تقوده قوى مثل الصين والهند وروسيا، في مواجهة الهيمنة الأمريكية. وفي هذا الإطار، إطار المحاولات من هذه القوى، تعتبر إيران أحد “المفاتيح الجغراسياسية” في مشروع روسيا لبناء هذا النظام المتعدد؛ نظرا لموقعها الحيوي بين آسيا الوسطى والخليج، ولانضمامها إلى تكتلات مثل “منظمة شنغهاي للتعاون” و”البريكس +”.
وفي ضوء هذا، فإن موسكو ترى في طهران شريكا طبيعيا في صياغة توازن دولي جديد، يقوم على مبدأ “الاستقلال عن الغرب”. كما أن روسيا تسعى إلى توظيف خبرتها في العلاقات مع الصين والهند، لتوسيع التعاون الثلاثي مع إيران، بما يضمن بناء “محور اقتصادي آسيوي” يمتد من سانت بطرسبورغ إلى مومباي مرورا بطهران. هذا المحور، إذا اكتمل، يمكن أن يشكّل تحديا فعليا للهيمنة الغربية على حركة التجارة والطاقة.
والملاحظ، هنا، أنه يبدو من المفارقة أن تستمر موسكو في تعزيز شراكتها مع طهران، في وقت تشهد فيه علاقاتها مع واشنطن تحسنا ملحوظا؛ لكن هذه المفارقة تبدو ظاهرية فقط عند التحليل الدقيق للسياسة الخارجية الروسية..
أولا، تتبع روسيا سياسة خارجية مستقلة تقوم على مبدأ “تعددية الأقطاب”، وترفض أن تكون مجرد تابع للغرب. لذا حتى مع تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، تحرص موسكو على الحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية مع دول مثل إيران والصين، لتجنب الوقوع في التبعية لأي قطب دولي واحد. فوجود تحالفات متعددة يمكِّن موسكو من المناورة الدبلوماسية ويعزز من قدرتها التفاوضية.
ثانيا، ترى القيادة الروسية أن تحسين العلاقات مع واشنطن لا يجب أن يكون على حساب مصالحها الإقليمية؛ فإيران تمثل شريكا استراتيجيا في منطقة حيوية مثل الشرق الأوسط، والتخلي عن هذا التحالف سيعني تراجع النفوذ الروسي في المنطقة، وهو ثمن لا ترغب موسكو في دفعه حتى من أجل تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.
ثالثا، تدرك موسكو أن التحسن في العلاقات مع واشنطن قد يكون مؤقتا وهشا، خاصة مع تقلبات السياسة الأمريكية وتغير الإدارات. لذا، تفضل روسيا الاعتماد على شراكات استراتيجية أكثر استقرارا ويمكن التنبؤ بمواقفها، مثل التحالف مع إيران، بدلا من الاعتماد الكلي على علاقة متقلبة مع واشنطن.
رابعا، يمكن لروسيا استخدام علاقتها مع إيران كورقة ضغط، في المفاوضات مع الولايات المتحدة حول قضايا أخرى، مثل ملف أوكرانيا أو التسلح النووي. فوجود قناة اتصال مؤثرة مع طهران، يمنح موسكو دورا وسيطًا محتملا في أي مفاوضات مستقبلية حول البرنامج النووي الإيراني، أو غيرها من الملفات الشائكة.
وعليه، فإن روسيا لا ترى في التقارب المؤقت مع الولايات المتحدة مبررا لتغيير تحالفاتها الشرق أوسطية؛ بل، على العكس، تعتبر أن الحفاظ على علاقات قوية مع إيران هو نوع من “التأمين الإستراتيجي” ضد أي انتكاسة في العلاقات مع الغرب. ومن ثمّ، فإن موسكو تتبع سياسة “المرونة المحسوبة”: فهي تنفتح على واشنطن حين يخدمها ذلك، لكنها لا تفرّط في شراكاتها مع خصومها، مثل طهران، ما دامت تحقق توازنا في ميزان القوى الدولي.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن إعلان الكرملين استعداده لتوسيع التعاون مع إيران في جميع المجالات، لا يعكس مجرد رغبة اقتصادية أو موقفًا سياسيا طارئا؛ بل، يمثل امتدادا لنهج روسي يسعى إلى بناء شبكة من التحالفات غير الغربية، في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. فروسيا، التي اختبرت حدود المواجهة مع الغرب في أوكرانيا، تدرك أن ضمان أمنها الاستراتيجي واقتصادها العالمي يمرّ عبر تعزيز علاقاتها مع القوى الإقليمية المستقلة، وإيران في مقدمتها.
وفي المقابل، فإن طهران ترى في موسكو مظلة دولية تساعدها على مقاومة الضغوط الأمريكية، وعلى توسيع نفوذها في الإقليم دون أن تُتهم بالانضواء تحت محور غربي أو شرقي بعينه. وبين حسابات روسيا الكبرى، وطموحات إيران الإقليمية، سيبقى التعاون بين البلدين محكوما بمبدأ “الواقعية الباردة”: لا تحالف أيديولوجيًا مطلقا، ولا قطيعة استراتيجية، بل شبكة مصالح متبادلة تتحرك في فضاء سياسي مضطرب، تُعيد من خلاله موسكو وطهران رسم خرائط القوة في عالم ما بعد أوكرانيا.. في الشرق الأوسط.








