رؤى

نزع سلاح المقاومة .. والفريضة المكتوبة

يضرب الناس المثل بالجدل البيزنطي في طول اللجاجة والثرثرة ويصفون ذلك بقولهم (جدل بيزنطي) أي نقاش ليس له أي قيمة في إدراك (الحقيقة)، هذا بالطبع لمن يريد الحقيقة حقا وصدقا وفعلا، لكن التاريخ سيقول لنا أن بنى إسرائيل سبقوا البيزنطيين في هذه المجادلات السخيفة، المليئة بالباطل والبغضاء والمشاحنة.

والسيد المسيح عليه السلام حين جاء، وجد منهم طائفة تُعرف بالكتبة والفريسيين، لا عمل لهم إلا اصطناع الحيل والفخاخ، لاقتناص الناس بمغالطات الألفاظ والحذلقة والمماحكة، وتهديدهم وترويعهم، يقولون أن السيد المسيح لم يؤذ فردا واحدا من بنى إسرائيل، ولكنه أذاها كلها مجتمعه، بكشفهم وتعرية أخطائهم.

لذلك سنجد أن أصحاب التفكير الموضوعي الهادف يضعون فارقا هاما بين(الجدل) و(المنطق)، حتى لا تتداخل المصطلحات.

المنطق هو بحث عن الحقيقة عن طريق النظر المستقيم والتمييز الصحيح، وابن تيمية رحمه الله يصفه بأنه طبيعة إنسانية في التفكير، لا يهتم بها الذكي ولا تفيد البليد.

أما الجدل فهو بحث عن الغلبة والإفحام في الكلام، وإلزام الطرف الآخر بالتسليم، حتى وإن كان صاحب حق! في الثقافة الإسلامية. دائما ما يصحب الجدل صفة هامة جدا، وهى (الحُسنى) أو (التي هي أحسن) تحسبا واحتياطا لأى تطور سلبى ومؤذٍ في النقاش.

وهذه هي طبيعة الإسلام في التعامل مع الأمور التي تعكس واقع الدنيا والناس على الأرض.

فسنجده يعمل على التقليل من أضرارها بقدر استطاعة الناس، وسنجده أيضا يضعها في هامش الواقع، فلا تكن في صلبه وأساسه.

وإذا كان عقل الإنسان شغوفا بالجدل (بالنص القرآني) فقلب هذا الإنسان أكثر شغفا بـ (الحقيقة).

وصاحب (القلب السليم) له استثناء بالغ الأهمية، في تصنيف الناس يوم القيامة كما أخبرنا الوحي (إلا من أتى الله بقلب سليم).

وكثير من الناس لا يدركون ذلك، وسنجد التساؤل القرآني بالغ القوة في علمهم أو عدم علمهم، بأن الله يرى: (ألم يعلم بأن الله يرى).

وهو سؤال يتعلق بحقيقة هامة، وهى معرفة الإنسان بنفسه ووجوده ومصيره.

لم نبتعد كثيرا عن موضوعنا.. ففي كتاب (إسرائيل من الداخل) يطلعنا الأستاذ ضياء الحاجرى، على التركيبة العقلية والنفسية لهؤلاء الناس الذي يعتبرون أنفسهم (شعب الله المختار) فهل يعلمون بأن الله يرى؟!

في حقيقة الأمر هم في حالة أخلاقية بائسة جدا، تكاد تكون لا دينية، ولا علاقة لها بالإيمان، بل لا علاقة لها بفكرة (المشروع الصهيوني) التي يُفترض في خطابها للعالم ولليهود، بأنها ترتكز على مفاهيم دينية.. وبالتالي أخلاقية.. وقد سمعنا نتنياهو يتحدث كثير.. كثيرا، عن جيشهم، بأنه الجيش الأكثر أخلاقية في العالم!

لذلك كان الدكتور عبد الوهاب المسيري منهجيا للغاية، حين أطلق على الموسوعة التي أفنى فيها عمره، وذهب إلى الله وبين يديه هذا العمل العظيم عن بني إسرائيل، وأسماه موسوعة (اليهود/ اليهودية / الصهيونية)، تماما كما ذهب الحاج يحيي وأصحابه إلى الله وبين يديهم (طوفان الأقصى).

ما أعظم أن يمضي العمر في عمل عظيم! ثم ينتهي هذا العمر، وتذهب بهذا العمل إلى الله.

رحم الله كل من ألقى على صفحات حياتنا ألوف العلامات المضيئة.

الحاصل أن (طوفان الأقصى) أثبتت عمليا وميدانيا، صحة ودقة العنوان المميز الذى اختاره الدكتور المسيري للموسوعة فقد ثبت بالفعل أن الصهيونية لا علاقة لها باليهودية، وأن اليهود لا علاقة لهم بالصهيونية.

والغريب أن كل هذه المفاهيم لم يكن بينها -قبل طوفان الأقصى- أي تمييز عند الرأي العام في الغرب والشرق على السواء.

وإذ فجأة.. أصبحت الصهيونية موضع اهتمام ونقاش، ثم ما لبثت أن أصبحت موضع اتهام خطير، ودهشة غاضبة.

فقد سحبها طوفان الأقصى الى (المواجهة الضرورة) مع المجتمع الإنساني كله، وكان ما رأيناه ورآه العالم كله طوال سنتين من الشراسة والضراوة والبشاعة التي جاوزت كل ما الأعراف والأخلاق والأديان.

المقاومة من جهة، وأهل الصبر والأنوار في غزة من جهة أخرى، دفعوا ثمنا كبيرا، من كل ما هو غالٍ وعزيز، مصحوبا بألف ألم وألم، لمحو ما بذل الغرب الصهيوني عشرات السنين وعشرات المليارات في سبيل تأكيده وتحويله إلى يقين.

الآن.. لا يمكن تخيل أن حال العالم العربي (المشطور) نصفين بالدولة الصهيونية من القرن الماضي.. أنه سيكون هو نفس العالم العربي قبل (طوفان الأقصى).

والأعمال العظيمة عادة ما تتوالد إلى عشرات العظائم من الأمور، عبر أيام الزمن ولياليه خاصة إذا كانت تتحرك بين الأيادي الطاهرة والقلوب السليمة.. وهو ما بدا أمامنا وأمام التاريخ في أنصع صوره وأشرقها في غزة مجللا بكل أنواع البذل السخي الصادق الشريف للدم والروح والعمر.. والحياة كلها.

سنجد أن التفاعل النفسي والاجتماعي والتاريخي مع قصة (فلسطين) يبلغ أضعافا مضاعفة، ولا أتصور أن المقاومة ستحتاج إلى جولة أخرى في تلك المواجهة الضرورة.

ولا أتصور أن الحديث عن (نزع السلاح) يدور حول منع جولة مواجهة جديدة بحجم (طوفان الأقصى)، والغرب الصهيوني ودولة الاحتلال يعلمون ذلك جيدا.

وينطبق على المقاومة في فلسطين ما ينطبق على المقاومة في لبنان، واليمن والعراق.

والحديث المتكرر عن (نزع السلاح) ليس مقصودا به المفهوم الميداني والعملي للجملة، بل مقصود به (المفهوم) الإسلامي والتاريخي لها.

كيف…؟

الوحى ذكر لنا أننا أمة كُتب عليها القتال.. نعم كما كُتب عليها الصيام.. وكما كتبت عليها الصلاة والزكاة.. هذا ليس اكتشافا جديدا، بل هو نص قرآني..

والحديث المفعم بالأماني البهيجة عن (السلام) لا علاقة له بالحقيقة، بل لا علاقة له بحقائق الحياة على الأرض، ولا علاقة له أصلا بالتاريخ والواقع، وإنسان هذا التاريخ وهذا الواقع..

السلام ليس غاية كما يرددون، (العدل) هو الغاية أيها الناس.

وتنشئة الأجيال على مفهوم السلام الغامض، في المناهج والإعلام خطر كبير على المستقبل الأكثر غموضا، فكيف إذن، وهم لا يكفون عن طرح مفهوم (السلام بالقوة)..السلام بالقهر والتغلب؟

والجملة على ما فيها من استفزاز، تشمئز منه النفوس الكريمة، وتذكرنا بسطور أول المقال عن الجدل السقيم وإغراق الواقع بمصطلحات متناقضة لا معنى لها بين يدى الحق والحقيقة.

وأتصور أن كل المحاولات التي بذلت ولا زالت تبذل من(السبعينيات) بخروج مظاهر وظواهر لا علاقة لها البتة، لا بحقيقة الإسلام، ولا بحقيقة المفاهيم الأصيلة التاريخية التي قامت عليها حركات الإصلاح والمقاومة والتحرير.

فما كانت هذه المحاولات اللئيمة إلا لتجريد معنى(القتال) من مفهومه الإسلامي الصحيح (وقاتلوا الذين يقاتلونكم…) وترحيله إلى مساحات الإرهاب والإجرام وكل ما اخترعوه من حديث وأحداث تحقق لهم هدفهم.. والمؤامرة في ذلك كانت هائلة وواسعة الحركة والتأثير..!

وعقدت حولها وعليها مئات العُقد و(العقود)! وكان (الاختراق) فيها بالأفكار العليلة والأشخاص المعتلة بطول وعرض الكرة الأرضية.

لكن طوفان الأقصى كانت الماحقة الماحية، الماسحة الكاسحة لكل هذه (المستنقعات).

وظهر مفهوم (القتال) في إطار النضال والعدل والتحرر في أشرف وأكرم صوره.

ورحم الله أمير الشعراء القائل: قف دون رأيك في الحياة مجاهدا ** إن الحياة عقيدة وجهاد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى