رؤى

غزَّة لا تهضم خطة ترامب.. والخطة المصرية الأكثر قبولا

في فبراير الماضي تقدمت مصر بخطة لحل الوضع المتأزم في القطاع بعد تفاقم المأساة الإنسانية في غزّة جراء الحرب الإجرامية التي شنها جيش الاحتلال عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، تتلخص الخطة المصرية في المحاور الأساسية التالية: وقف الحرب فورا والرفض القاطع لترحيل الغزاويين، مع سرعة تفعيل خطة إعادة الإعمار متعددة المراحل والتي ستمتد من ثلاث إلى خمس سنوات.

تشمل المرحلة الأولى: الاسترداد المبكر ويستمر لمدة 6 أشهر، لإزالة الأنقاض، وإصلاح البنى التحتية الحيوية، وتوفير مساكن مؤقتة.

المراحل التالية تتضمن: إعادة بناء موسّعة، إطلاق مؤتمر دولي للمانحين، ثم مرحلة سياسية مرتبطة بمدّ عملية الدولة الفلسطينية.

إنشاء إدارة فلسطينية مستقلة مؤقتا: الخطة اقترحت تشكيل وكالة فلسطينية مستقلة لإدارة إعادة الإعمار والحوكمة مؤقتا في غزة، بعيدا عن سيطرة حماس أو السلطة الفلسطينية. ذُكر أيضا ما يُشير إلى لجنة أو هيئة تضم تكنوقراط محليين، مع استبعاد وجود ممثّلين لحماس أو السلطة في البداية. تخصيص مناطق آمنة مؤقتة داخل غزة، مع ربط عملية الإعمار بتسوية سياسية أوسع وحلّ الدولتين.

مصر أكّدت أن الخطة تأتي في إطار حل سياسي شامل، وأن إعادة الإعمار يجب أن تجري في سياق دعم خيار “الدولة الفلسطينية” ضمن حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

يرى الكاتب تسيفي بارئيل في مقال له نشر اليوم في صحيفة هآرتس، أن الخطة المصرية آخذة في التطور لتصبح الغلاف الفعلي الذي ستتشكل أجهزة إدارة قطاع غزة وفق معطياته.

كان الخميس الماضي قد شهد اجتماعا للفصائل الفلسطينية بالقاهرة، تضمّن الاتفاق على نقل إدارة قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط، تشكّل من أبناء قطاع غزة.

وزير الخارجية المصري صرّح قبل أسبوعين أن اتفاقا بخصوص قائمة تضم 15 شخصية فلسطينية يشكلون مجلسا للإدارة المدنية، بعد التشاور مع الفصائل الفلسطينية، ومن بينها حماس بمشاركة حسين الشيخ، نائب محمود عباس، وماجد فرج رئيس المخابرات الفلسطينية، ممثلين عن السلطة الفلسطينية.

فور أن يبدأ العمل على الأرض من جانب لجنة التكنوقراط، سيتبلور على نحو أوضح الدور المصري، ليس بوصفه وسيطا أو ضامنا فقط، بل العنصر الأهم الذي تعوّل عليه كافة الأطراف، بدءا من الولايات المتحدة التي لم تبد ممانعة في إزاحة خطة ترامب -ولو مرحليا- لحساب الخطة المصرية، ودولة الاحتلال التي لم تعد قادرة على تحمل وضع دولي خطير يترصدها بسبب جرائمها في القطاع، وحركة المقاومة الإسلامية وفصائل المقاومة الأخرى التي ترى مصر أن استبعادها كليا من المشهد أمر غير مقبول، وغير ممكن فعليا.

الدور المصري في القطاع يتعدد ويتمدد بفعل عوامل كثيرة، ووفق رؤية الأمن القومي المصري لا يجب التسرع بشأن تواجد قوات متعددة الجنسيات في غزّة، فهذا أمر بالغ الحساسية بالنسبة لمصر، ولدولة الاحتلال أيضا.. فالأكيد أن هذه القوات ستكون بقيادة مصرية لتكون بمثابة صمام أمان، وضابط للوضع الأمني بالتعاون مع العناصر الشرطية الفلسطينية التي تتلقى تدريباتها الآن في مصر والأردن.. ولا شك أن الدول المشاركة يجب أن تحظى بموافقة مصرية.. ومصر قادرة على النهوض بهذا الدور، لما تحظى به من مكانة لدى الشعب الفلسطيني في القطاع، ولدى قادة الفصائل الفلسطينية.. بالإضافة إلى ملف الإعمار الذي يجب أن تكون مصر صاحبة النصيب الأكبر فيه باعتبارات الجوار، وسهولة انتقال شركات البناء بمعداتها الثقيلة لإزاحة الركام الهائل المقدر بنحو من 50 مليون طن.. قبل بدء المرحلة الأولى من إعادة الإعمار والتي تتضمن إصلاح البنية التحتية.

ولا شك أن الأيام القادمة ستكشف عن كثير من الجهود المصرية التي كان من شأنها إنهاء الوضع المأساوي في القطاع، وإحباط المخططات الصهيونية المدعومة أمريكيا لتفريغ القطاع من مواطنيه.. تلك الجهود التي فرضت واقعا جديدا تعي مصر جيدا كافة معطياته، ولديها أفضل السبل للتعامل معه، في ظل تراجع كافة الأطراف لأسباب لا تتعلق فقط بالحجم الحقيقي لكل طرف، بقدر ما تتعلق بحجم الدور المصري الفعلي، وهو الأكبر والأهم والأكثر قابلية لتقديم الحلول القابلة للتنفيذ.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى