تمثل التصريحات الأخيرة للقائد العام للقوات المسلحة الليبية، المشير خليفة حفتر، الأحد 26 أكتوبر الجاري، والتي أكد فيها أن أي مخرج للأزمة الليبية يجب أن ينبع من الإرادة الشعبية، وأن القبائل تمثل الركيزة الأساسية لأي تسوية وطنية حقيقية، محاولة لـ”جسّ النبض”، واستعادة المبادرة في مشهد سياسي وعسكري بالغ التعقيد. وهذه التصريحات لا تنفصل عن الدعوات المتصاعدة من أنصاره ومن بعض القبائل لتوسيع صلاحياته، أو حتى تفويضه “لحسم الموقف وقيادة البلاد”.
واللافت، أن الدعوات المطالبة بتفويض المشير خليفة حفتر، لقيادة البلاد في المرحلة المقبلة، تتجدد في ليبيا في ظل انسداد سياسي متواصل، وتنازع للشرعيات بين حكومتين متوازيتين ومؤسسات متناحرة. هذا الطرح يعيد إلى الواجهة سؤال الشرعية الشعبية والإرادة الوطنية، في مواجهة التعقيدات التي أفرزتها التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية؛ كما يفتح الباب على مصراعيه أمام مواقف القوى الدولية والإقليمية، من احتمال تولي حفتر زمام القيادة السياسية إلى جانب موقعه العسكري.
خطاب القبيلة
تطرح تصريحات حفتر مفهوم “الإرادة الشعبية” بوصفها حَكَما وضامنا لشرعية أي حل سياسي. وهذا الموقف -من الناحية النظرية- يبدو متسقا مع المبادئ الديمقراطية التي يفترض أن تكون أساس أي نظام حكم. لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا، هو: كيف تُعبر هذه الإرادة عن نفسها في واقع ليبيا المنقسمة؟ هل عبر صناديق الاقتراع في انتخابات عامة ونزيهة؟؛ أم عبر تمثيل النخب السياسية في المدن؟ أم عبر مؤسسات الدولة الرسمية، وإن كانت منهكة ومختلفا على شرعيتها؟
لعل الإجابة التي يقدمها خطاب حفتر تحمل بعدا تقليديا عميق الجذور في التركيبة الاجتماعية الليبية: “القبيلة”؛ بتأكيده على أن “القبائل تمثل الركيزة الأساسية لأي تسوية وطنية حقيقية”. إذ، يحاول حفتر أن يضع يده على أحد الأعصاب الحساسة في الجسم السياسي الليبي؛ فالقبيلة كانت -وما تزال- فاعلا اجتماعيا وسياسيا مُهمّا. فهي، أي القبيلة، تمتلك شبكات ولاء وتماسكا داخليا وقدرة على الحشد، تفوق في كثير من الأحيان قدرة الأحزاب السياسية الحديثة. في هذا الإطار، يمكن قراءة الدعوات القبلية المتكررة لتكليف حفتر على أنها تعبير عن “إرادة شعبية” من نوع خاص، تنبع من قلب البنية الاجتماعية التقليدية، وتتجاوز النخب السياسية في طرابلس التي يتهمها أنصاره بالانغلاق والتبعية للخارج.
غير أن هذه الرؤية تتعارض مع تصورات أخرى للإرادة الشعبية، ترى أن القبيلة، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون البديل عن الإرادة الفردية للمواطن كما تتجلى في الانتخابات الحرة، أو عن الإرادة الجماعية للمجتمع المدني والمؤسسات التمثيلية الحديثة. كما أن اختزال “الشعب” في “القبائل” يتجاهل التحولات الديمغرافية والاجتماعية الهائلة التي شهدتها ليبيا، خاصة مع نمو المدن وظهور أجيال جديدة قد لا يكون انتماؤها الأول للقبيلة بالضرورة.
تفويض حفتر
يدفع أنصار فكرة “تفويض” المشير حفتر بحجة رئيسة مفادها أن ليبيا تعيش حالة استثنائية، وتتطلب من ثم حلا استثنائيا. فالدولة منهكة، والمؤسسات منقسمة، والميليشيات المسلحة تتحكم في مقدرات العاصمة، والتهريب والجريمة المنظمة يعبران الحدود بسهولة. في هذا المشهد الكارثي، يبدو “الحسم العسكري”، أو “القائد القوي” هو الخيار الوحيد القادر، من وجهة النظر هذه، على استعادة الأمن وإعادة بناء الدولة وقطع الطريق على الفوضى والميليشيات.
هذه الحجة، تجد صدى لدى قطاع عريض من الليبيين، الذين أنهكهم العنف وعدم الاستقرار، وباتوا على استعداد للتضحية بـ”الحريات” من أجل الأمن. كما أنها تستند إلى سردية يروجها أنصار حفتر عنه بوصفه “بطلا قوميا” قاد حملات عسكرية ناجحة ضد التنظيمات الإرهابية في شرق البلاد وجنوبها، ويتمتع بعلاقات قوية مع القبائل التي تشكل عمقا اجتماعيا مُهمّا لأي حكم مركزي.
لكن المعارضين لهذا التوجه، يرون فيه مخاطرة كبرى؛ فـ”التفويض” يعني، في واقع الأمر، إضفاء الشرعية على حكم الفرد، وإجهاض لأي أمل في انتقال ديمقراطي، وإعادة إنتاج لنموذج “الزعيم الملهم” الذي عانت منه ليبيا لعقود تحت حكم القذافي. كما أنهم يشككون في قدرة حفتر على “حسم” الأمر عسكريا، مستذكرين فشل هجومه على طرابلس (بين عامي 2019-2020)، والذي أدى فقط إلى تعميق الانقسام وإطالة أمد الحرب. والأخطر، من وجهة النظر هذه، أن أي محاولة لحسم الأمر عسكريا، حتى لو نجحت، ستكون مكلفة للغاية بشريا، وستخلق حالة من الاحتقان والرغبة في الانتقام قد تؤجج حربا أهلية لسنوات قادمة.
تحديات التفويض
يشكل العامل القبلي في ليبيا عنصرا مركزيا في المعادلة السياسية. فمنذ ما قبل الاستقلال، كانت القبائل هي المرجعية التي توازن بين الولاءات والمصالح، وظلت فاعلا مؤثرا حتى في زمن القذافي، الذي سعى إلى توظيفها ضمن ما سماه “الشرعية الثورية”. اليوم، ومع غياب المؤسسات الوطنية الجامعة، عادت القبيلة لتكون مظلة للشرعية الاجتماعية والسياسية.
وفي هذا السياق، يرى حفتر أن التفويض لا يمكن أن يكتسب شرعية حقيقية إلا إذا جاء من “القبائل الليبية الكبرى”، التي تمثل النسيج الوطني الجامع، وليس من قوى حزبية أو ميليشياوية. فهو يسعى إلى بناء “مشروع وطني” يستند إلى الإرادة الشعبية، “القبلية”، وليس إلى الدعم الخارجي، مستفيدا من حالة التذمر الشعبي من الأجسام السياسية، التي فشلت في تحقيق الاستقرار أو توحيد المؤسسات المالية والعسكرية.
رغم ذلك، أو رغم الشعبية التي يحظى بها حفتر في الشرق والجنوب، الليبيين، فإن التفويض الشعبي ما يزال يواجه تحديات كبيرة على مستوى القبول الداخلي والدولي. داخليا، تبقى ليبيا منقسمة بين معسكرين رئيسين، ولا يمكن لأي طرف أن يحكم بمفرده دون توافق وطني شامل. كما أن البنية الاقتصادية والمؤسساتية للدولة ما تزال هشة، ما يجعل أي مسار أحادي محفوفا بالمخاطر.
أما خارجيا، فإن القوى الدولية الفاعلة لن تسمح – على الأرجح – بقيام سلطة جديدة خارج الأطر التي ترعاها الأمم المتحدة، خوفا من فقدان السيطرة على المسار الليبي، أو من تحول البلاد إلى ساحة تنافس جديدة بين الشرق والغرب. ومن هنا، فإن التفويض الشعبي – حتى وإن تحقق على نطاق واسع – يحتاج إلى غطاء قانوني وسياسي دولي ليكتسب الشرعية الكاملة.
في هذا الإطار.. تبقى المعادلة الليبية محصورة بين خيارين مرّين: فخ العودة إلى حكم الفرد المطلق تحت شعار “الحسم والأمن”، ومأزق استمرار الفوضى والانقسام تحت شعار “الشرعية والديمقراطية”. تصريحات المشير حفتر عن “الإرادة الشعبية” و”القبائل” هو محاولة ذكية لاختراق هذه المعادلة، من خلال تقديم نفسه كممثل للإرادة “الحقيقية” للشعب، المتجسدة في القبائل، وكبديل عن “الإرادة الشكلية” التي تمثلها المؤسسات المنقسمة.
غير أن نجاح هذا المشروع مرهون بعوامل عدة: قدرته على تحقيق انتصار عسكري حاسم، وهو أمر يبدو مستبعدا في الأمد المنظور؛ ومدى تجاوب القبائل مع مشروعه بشكل موحد.. والأهم من ذلك، موقف القوى الدولية والإقليمية التي تمتلك مفاتيح الحل والربط. فدعم بعض القوى الإقليمية العربية قد يبقيه قويا، لكن معارضة تركيا وتردد الغرب ستحول دون حسمه للمشهد لصالحه.








