رؤى

نزع سلاح المقاومة في غزة.. بين الحقائق والأوهام

يكثر الحديث في الوقت الحالي عن نزع سلاح المقاومة في غزة، بوصفه الجزء الأهم من خطة ترامب في مرحلتها الثانية، بعد تسليم المحتجزين الأحياء، والدخول في مرحلة تسليم الجثث.

الحديث من معظم الأطراف -في هذا الصدد- كما يقول مذيعو الطقس في نشرات الأخبار “غائم جزئيا” ويحتاج إلى كثير من الإيضاح.. يزعم ترامب أن نزع سلاح المقاومة أمر لا تراجع عنه، ويرسل في سبيل إنجاز ذلك إلى الأرض المحتلة كلا من: نائبه جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوثَين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. ويردد نتنياهو بمناسبة وبدون مناسبة عبارات عن وعود ترامب بإنهاء الأمر في أقرب فرصة. على الأرض لا يبدو ذلك ممكنا؛ ولدينا سابقة.. فقد فشلت الولايات المتحدة فشلا ذريعا على مدى ثمانية أشهر في نزع سلاح حزب الله؛ إنفاذا لقرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي دعا لذلك بواسطة الرئيس اللبناني وحكومته وجيشه.. ورغم وضع خطة لذلك إلا أن الوضع على الأرض لم يتحرك قيد أنملة للأمام.. لأن الإقدام على ذلك سيعني اندلاع الحرب الأهلية في لبنان مجددا.. والمؤكد أن حزب الله بدأ في تطوير إمكاناته العسكرية على نحو أكثر ذاتية، بعد سقوط النظام البعثي في سوريا، وتراجع الدعم الإيراني للحزب.

المقاومة الفلسطينية في القطاع، لم تُضع وقتا أيضا، فمنذ بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار- سعت إلى تصفية الحسابات مع عملاء العدو، واستغلال الوقت المتاح في إعادة بناء قدراتها العسكرية؛ تحسبا لما قد يُقدِم عليه العدو من خرق للاتفاق -كما فعل دائما- مع الاستفادة القصوى من تجربة الحرب الأخيرة.

دبلوماسيا يتحرك مبعوثو ترامب، إقليميا وعربيا للضغط على عدد من الدول في المنطقة؛ لإقناع حماس بتسليم سلاحها.. وبالطبع فإن تلك الضغوط الدبلوماسية غير كافية.. وتبدو في كثير من الأحيان غير مجدية.. لكن ترامب ما زال يردد أنه قادر على إرغام المقاومة على تسليم سلاحها؛ إذا لم تسلمه طواعية- كما في تصريح له قبل أسبوعين، أثناء لقائه الرئيس الأرجنتيني في البيت الأبيض.

لا يملك ترامب خطة واضحة معلنة لتنفيذ هذا الإرغام المزعوم، وبالطبع لا تمتلك دولة الاحتلال الإمكانية لذلك؛ ومع هذا لا يتوقف ترامب ونتنياهو عن الحديث في هذا الأمر على نحو يثير الدهشة.. فحتى لو نجح الطرف الأمريكي في تشكيل قوة مسلحة دولية قوامها قوات عربية وإسلامية إلى جانب قوات من دول أخرى؛ هل تستطيع تلك القوة إجبار المقاومة على نزع سلاحها؟

داخل الكيان المؤقت.. يدور الحديث بين المسئولين الأمنيين عن احتمال ضئيل جدا في إنفاذ الأمر.. وهم يتوقعون عدة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول أن تطلب حماس هدنة طويلة الأمد تمتد من ثلاثة إلى خمسة أعوام، من دون التخلي عن سلاحها، وفي هذه الأثناء، تعيد بناء قدراتها العسكرية باستخدام الإمدادات التي ستدخل إلى القطاع لإعادة الإعمار.

السيناريو الثاني أن توافق حماس بشكل ظاهري على تسليم سلاحها الثقيل لمصر بصفة وديعة، مع استمرارها في الاحتفاظ بأسلحة خفيفة، وإنتاج وسائل قتالية جديدة في الأنفاق سرا.

بهذا الخصوص نشر الدكتور أحمد يوسف، أحد قياديي حماس، والمستشار السابق لإسماعيل هنية، مقالا في صحيفة القدس الصادرة في القدس الشرقية بتاريخ 20 أكتوبر الجاري- جاء فيه أن حماس لن تتخلى عن سلاحها، قبل التوصل إلى ترتيبات تضمن أمن قادتها ومقاتليها، تحت إشراف جهاز أمني تشرف عليه دول عربية وإسلامية، كان لها تأثير في دفع حماس إلى توقيع الاتفاق الأمريكي.

وأضاف الدكتور يوسف، أن نزع السلاح لن يكون أبدا ضمن عملية فورية، بل عبر مسار سياسي وأمني معقّد قد يستغرق وقتا طويلا، ويتوقف على جدية الجهود الدولية وتقدُّم عملية السلام، وصوغ حلّ سياسي يزيل أسباب المقاومة، ويفتح أفق الأمل أمام الشعب الفلسطيني.

كما اقترح يوسف، الاستفادة من تجربة إيرلندا الشمالية واتفاق “الجمعة العظيمة” في سنة 1998، والذي أنهى العنف بين الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) والجيش البريطاني، حيث تقرر في الاتفاق نزع السلاح في سنة 2005، بعد سنوات من المفاوضات.

واقترح الرجل أن تتولى السلطة الفلسطينية مهمة نزع سلاح حماس، ضمن ترتيبات تحفظ كرامتها الوطنية، بشرط أن تتقدم دولة الاحتلال بخطوات ملموسة، نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

أما الدكتور خليل الحية فقد صرّح السبت الماضي، أنه “عندما ينتهي الاحتلال “الإسرائيلي” سنسلّم سلاحنا للدولة الفلسطينية”.

دولة الاحتلال توقن أن المقاومة في لبنان وفي غزة لن تسلم سلاحها أبدا.. لأن ذلك يعني فناءها، كما توقن أن الهدنة وإن طالت ستنتهي، ومن الوارد جدا أن تتلافى المقاومة كثيرا من أخطائها في المرة القادمة.. فالصراع ممتد وقائم وباق ما بقي الاحتلال.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى