رؤى

الصعود الصيني.. والصراع الأمريكي على “الدولرة”

في ساحة المعركة الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، لم تعد الدبابات والطائرات هي الأسلحة الوحيدة؛ بل أصبحت العملات والنظم المالية أدوات رئيسة للصراع. في هذا الإطار، تتحرك الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تحركا لا يعتبر ردة فعل آنية فحسب، بل جزءا من استراتيجية أوسع، لتعزيز مكانة الدولار الأمريكي بوصفه عملة مهيمنة على الساحة الدولية. هذه التحركات، تأتي ردا مباشرا وحاسما على الحملة الشاملة التي تقودها الصين، والهادفة إلى تقليص هيمنة العملة الأمريكية في المعاملات العالمية، عبر حثّ الدول والأسواق الناشئة على تقليل استخدام الدولار في التسويات التجارية والاحتياطيات النقدية.

وكما يبدو، هذا الصراع ليس مجرد منافسة اقتصادية، وإنما هو معركة على قيادة النظام المالي العالمي، وتشكيل هندسة القوة في القرن الحادي والعشرين. فما الذي يدفع الإدارة الأمريكية إلى الدفع بهذه الهِيمنة؟ وما الذي تحاول الصين فعله لخفضها؟ وما سيناريوهات المستقبل المحتملة؟

دوافع أمريكية

من أبرز مظاهر “الدولرة”، أي تحول الدولار الأمريكي من عملة وطنية أمريكية، إلى عملة مُعتمدة في التجارة الدولية، احتياطيّا لدى البنوك المركزية، ووحدة تسوية عبر الحدود.. (من أبرزها) التعامل بالنفط بالدولار (نظام البترودولار)، الذي عزّز مكانة الدولار في أسواق الطاقة العالمية. هذا الواقع منح الولايات المتحدة “ميزة” اقتصادية كبرى، كأنها تستفيد من كون عملتها محورية، فتتمكن من الاقتراض بسعر أقل، ولها قدرة أكبر على استخدام العقوبات المالية دوليا.. وغيرها.

لكن، رغم هذه الهيمنة ظهرت تحدّيات عديدة منذ سنوات، لا سيّما مع صعود بقية الاقتصادات وظهور أدوات مالية وتقنيات جديدة، ما فتح الباب أمام التساؤلات حول دوام تفوّق الدولار.

في هذا الإطار، تتجلى دوافع الإدارة الأمريكية، خاصة في عهد ترامب، لتأكيد وتعزيز الهيمنة النقدية للدولار في عدة محاور:

أولا، الاقتصاد والسيطرة المالية.. حين تكون عملة الدولة هي المرجعية في التجارة والاحتياطيات، فإنها تحصل على تدفقات طلب مستمرة على هذه العملة؛ ما يدعم مكانتها ويقلل تكلفة الاقتراض للحكومة الأمريكية. هذا يعزّز قدرة الولايات المتحدة على ممارسة السياسة النقدية والمالية دون فقدان كبير للثقة.

ثانيا، البعد الجيوسياسي.. هيمنة الدولار تُمكّن الولايات المتحدة من توجيه تأثير مالي واقتصادي دوليا عبر العقوبات، تجميد الأصول، وفرض معيار النفاذ إلى النظام المالي الأمريكي؛ بالشكل الذي يجعل الولايات المتحدة “تملك تأثيرا غير متناسب عبر النظام المالي الدولي بسبب هيمنة الدولار”.

ثالثا، مواجهة الخصوم. بوجود الدولار (عملة مركزية) يمكن للولايات المتحدة أن تحافظ على نفوذها، رغم ما قد تواجهه من تراجع نسبي في قوتها الصناعية أو التجارية. في سياق ترامب تحديدا، كان هناك توجه لتعزيز المزايا الأمريكية في الاقتصاد الدولي وإعادة التوازن، لكن من دون التخلي عن ميزة العملة. لذا، فإن تشجيع الدول الأخرى على التبني أو الحفاظ على الدولار عملة رئيسة، يأتي جزءا من استراتيجية أكبر لضمان الزعامة النقدية.

وعبر هذا المنطق، فإن المبادرات الأمريكية لتوسيع شبكة الشراكات المالية، الترويج لاستخدام الدولار في الصفقات الدولية، وضمان سيولة الدولارات خارج الولايات المتحدة، جميعها تأتي ضمن رؤية للحفاظ على هيمنة مميزة.

استراتيجية الصين

من جانبها، لا تأتي جهود الصين من فراغ؛ بل هي مدفوعة بمجموعة من العوامل الاستراتيجية العميقة، لمواجهة وتحدي الهيمنة الدولارية:

أولا، الخطر الوجودي وتجنب العقوبات الأمريكية.. فقد شكّلت العقوبات الأمريكية على شركات وأفراد صينيين، والتهديدات المتكررة بعقوبات أوسع، جرس إنذار للقادة في بكين. فهم يدركون أن اعتمادهم على النظام المالي القائم على الدولار يجعلهم في حالة انكشاف بشكل خطير؛ لذلك فإن بناء بدائل يعد مسألة أمن قومي.

ثانيا، تكريس المكانة العالمية للصين.. إذ إن قوة اليوان تعكس قوة الصين؛ ولا يمكن لبكين أن تطالب بموقع القيادة العالمية وهي لا تمتلك عملة قوية ومقبولة دوليا. ومن ثم فإن تحويل اليوان إلى عملة احتياطية رئيسة هو امتداد طبيعي لمشروع “الحلم الصيني” في الزحف تجاه القمة الدولية.

ثالثا، تعزيز الكفاءة وإضعاف الخصم الاستراتيجي.. حيث إن تسوية التجارة الدولية باليوان مباشرة، يوفر على الشركات الصينية تكاليف تحويل العملات، ويحميها من تقلبات سعر صرف الدولار، ما يعزز كفاءتها وقدرتها التنافسية؛ خاصة أن الصين تعلم جيدا أن إضعاف هيمنة الدولار هو -في جوهره- إضعاف للولايات المتحدة. فكلما قل الاعتماد على الدولار، تراجعت فاعلية العقوبات الأمريكية وقلّ “الامتياز” الذي تتمتع به واشنطن.

احتمالات مستقبلية

حين ننظر إلى العلاقة بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، فإننا لا ننظر فقط إلى تنافس تجاري أو تكنولوجي؛ بل إلى تنافس هيكلي حول السلطة النقدية: من يحدد كلّ قواعد اللعبة؟ من يملك النفاذ إلى النظام المالي العالمي؟

هنا، لنا أن نُلاحظ أن الحرب النقدية، المحتملة بين الجانبين، ليست مجرد مقايضة تجارية، وإنما معركة حول هيكل النظام المالي العالمي الذي بني منذ عقود. وفي هذا السياق، فإن إدارة ترامب بالتأكيد تعلم أنّ فقدان هيمنة الدولار يعني تقليل النفوذ الأمريكي الاقتصادي والعالمي؛ لذا فإن أيّ خطوة لتعزيز موقع الدولار تُعدّ من الحوافز الجوهرية لسياساتها.

وعندما ننظر إلى ما يمكن أن يحدث، فهناك عدة مسارات محتملة بين قوة الولايات المتحدة، وتطلّع الصين، والتغيّرات الخارجية (تكنولوجية، جيوسياسية، اقتصادية).. أهمها ما يلي:

أولا، استمرار هيمنة الدولار مع تغيرات تدريجية

في هذا السيناريو، يظل الدولار العملة المهيمنة في العالم لسنوات، ولكن مع تغيّرات تدريجية في الاستخدام: بعض الدول تُنوّع احتياطياتها، الصين تُوسّع دور اليوان، لكنّ الحاجز كبير أمام تبديل سريع. وكما يبدو، فإن الهيمنة الدولارية مستمرة بسبب شبكة الشبكات والمعايير والبنى التحتية القائمة.

ومن ثم، قد تواصل الإدارة الأميركية تعزيز الأطر التي تدعم الطلب على الدولار؛ مثل تحفيز الدول على التعامل بالدولار، توقيع اتفاقيات نقدية، أو تقديم حوافز. وفي المقابل، تتقدّم الصين بخطوات لكن بوتيرة بطيئة. في ظل هذا التصور، الصراع يصبح سباقا طويل الأمد.

ثانيًا، تراجع تدريجي للدولار وارتفاع عملات بديلة

قد تشهد الفترة المقبلة ما يُسمّى بـ”تراجع الدولرة”، أي تراجع نسبته في التسوية الدولية والاحتياطات، وارتفاع دور العملات البديلة؛ خاصة أن هناك مؤشرات على أن هذا التراجع قد بدأ فعليا، على الأقل بالنسبة إلى القوى الآسيوية الكبرى. في هذا السيناريو، الصين تستفيد من ركود الثقة في النظام الأمريكي، مثلا في ظل العقوبات الأمريكية أو أزمات مالية عالمية، وتقدم خيارا بديلا، سواء باليوان أو عملات “شريكة” أو حتى نظام نقدي جديد.

في مثل هذه الحالة، الولايات المتحدة ستواجه ضغطا إضافيا للحفاظ على موقع الدولار، وربما تتخذ سياسات أكثر عدوانية للحفاظ على السيطرة النقدية، مثل توسيع استخدام العقوبات، تعزيز تحالفات نقدية، أو الابتكار في العملات الرقمية الأمريكية. لكن هذا السيناريو ليس مضمونا، لأن هناك عقبات أمام الصين: السيولة العالمية لليوان أقل، الأسواق المفتوحة أقل مقارنة بالدولار، والتحرّر من الدولار يتطلّب تغيّرا هيكليّا ضخما.

ثالثًا، تحول مفاجئ/تكنولوجي يُعيد تشكيل النظام

هناك احتمال ثالث أقلّ شيوعا لكنه واقعيا: ظهور عامل خارجي يُغيّر قواعد اللعبة، مثل عملة رقمية مركزية عالمية، أو نظام متعدد العملات يُطلقه تحالف دولي، أو انهيار “اقتصادي/مالي” كبير يقوّض الثقة في الدولار فجأة. هذا السيناريو يجمع بين التكنولوجي والسياسي. على سبيل المثال، تطوير عملة رقمية حكومية عالمية قد يقلّل الاعتماد على الدولار.

في مثل هذه البيئة، الولايات المتحدة والصين، كلاهما، سيحتاجان إلى التكيف السريع، وقد تُصبح المنافسة

حول من يقدّم النظام الجديد، ومن يسيطر على بنية الدفع العالمية.

هذا المسار يحتّم أن يكون كلا الطرفين مستعدّين للتغيُّر، وأن ليس الانتصار مضمونا لأحدهما وحده.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن صراع “الدولرة” بين الولايات المتحدة والصين ليس مجرّد تصادم اقتصادي؛ بل هو معركة حول من يهيمن على النظام النقدي العالمي، وما آليات النفوذ في المرحلة الحالية والمستقبلية. في عهد ترامب، يبدو أن الإدارة الأمريكية قد قرّرت تحفيز الموقع النقدي الأميركي عبر العملة – ليس مجرد التجارة أو التكنولوجيا فقط – بوصفه جزءا من استراتيجية أكبر لإعادة التأكيد على الزعامة.

من جهةٍ أخرى، تصعيد الصين في المسار النقدي، يعكس اعترافها بأن الاعتماد المطلق على النظام الأمريكي يشكّل نقطة ضعف جيوسياسية؛ لذا فإن البناء التدريجي لنظام بديل أو مساهم قوي في النظام سيظل هدفا استراتيجيا. لكن الأمر ليس “فوزا أو خسارة سريعة” بالضرورة، وإنما احتمال طويل الأمد يشمل التراكُم، التحوّلات التدريجية، والتكنولوجيا.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى