رؤى

سؤال العنف.. بين الفهم “الائتماني” والحوار

يشكّل كتاب “سؤال العنف.. بين الائتمانية والحوارية” أحد أهم مؤلفات الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في مشروعه الأخلاقي والفلسفي؛ إذ يواصل فيه بناء نظرية “الفلسفة الائتمانية” التي أسسها منذ تسعينات القرن العشرين الماضي، محاولا من خلالها تجديد الفكر الإسلامي المعاصر، عبر مدخل أخلاقي وتواصلي يقوم على الأمانة والمسؤولية والائتمان.

في هذا الكتاب، الصادر في عام 2017، عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، في بيروت، بلبنان، ينفتح عبد الرحمن على سؤال بالغ الحساسية في الفكر الإنساني والسياسي المعاصر، هو سؤال العنف: ما هو؟ كيف نفهمه؟، وكيف يمكن تجاوزه؟؛ وهل من الممكن إقامة بديل قيمي وأخلاقي للفكر الغربي، الذي أنتج مفاهيم العنف باسم العقل والحرية والحقوق؟

منذ المقدمة، يبيّن عبد الرحمن أن مشروعه لا يروم معالجة العنف بوصفه ظاهرة سياسية أو اجتماعية فحسب، بل باعتباره قضية “إنسانية” و”روحية” تمسّ كيان الإنسان في صميم علاقته بنفسه وبالآخر وبالخالق. فالعنف عنده ليس مجرد سلوك أو حدث، بل هو “اختلال” في العلاقة الائتمانية التي تربط الإنسان بخالقه وبسائر المخلوقات. بهذا المعنى، يقترح عبد الرحمن أن فهم العنف لا يكون عبر أدوات التحليل السياسي أو النفسي وحدها، بل عبر تفكيك جذوره “الأنطولوجية” والأخلاقية، في ضوء “الفلسفة الائتمانية” التي تؤسس العلاقة الإنسانية على مبدأ الأمانة التي حملها الإنسان؛ كما في قوله سبحانه: “إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا” [الأحزاب: 72].

أسسٍ العنف

يطرح عبد الرحمن سؤاله المركزي: كيف نفهم واقع العنف؟؛ ويرى أن هذا السؤال يستدعي أولا نقد الفهم الغربي السائد للعنف، لأنه الفهم الذي تهيمن مفاهيمه على الفكر الإنساني المعاصر. فالحداثة الغربية، كما يقول، قد أقامت فهمها للعنف على أسس “عقلانية مادية”، نزعت القداسة عن الوجود، وأخرجت الفعل الإنساني من دائرة الأخلاق إلى دائرة المصلحة والسيطرة. ولذلك، فإن كل معالجة للعنف داخل هذا الإطار، ستظل، في نظره، “عنفا مضاعفا”، لأنها تبرّر العنف باسم مقاومته.

ويقوم المؤلف بتحليل أنواع العنف، فيميز بين: العنف المادي، الذي يتمثل في الاعتداء الجسدي أو المادي المباشر.. والعنف المعنوي، المتمثل في الإهانة والإقصاء والتهميش والتحقير.. والعنف الرمزي، الذي يمارَس من خلال اللغة والخطاب والمفاهيم، كما في فرض نمط ثقافي أو معرفي على الآخرين.

لكن هذه الأنواع كلها، رغم اختلاف مظاهرها، تشترك في “أصل واحد” هو نسيان “الأمانة الإلهية”، أي قطع الصلة بين الإنسان وربه، وتحويل الإنسان إلى كائن مكتفٍ بذاته، يمارس فعله بلا وازع أخلاقي أو روحاني. هنا يستعمل عبد الرحمن مصطلحا محوريا هو “العنف الائتماني”، أي العنف الذي ينشأ من “خيانة الأمانة”، لأن الإنسان حين يسيء استعمال الحرية التي وُهِبت له، يعتدي على معنى الأمانة نفسها، ومن ثم يقع في العنف.

الفهم الائتماني

هنا، يقدّم عبد الرحمن ما يسميه “الفهم الائتماني للعنف”، وهو الفهم الذي يجعل الإنسان مسؤولا عن فعله، لا بوصفه فاعلا حرا فقط، بل بوصفه “مؤتمنا” على حرية منحت له من الله. فالحرية هنا ليست امتلاكا بل تكليفا؛ ومن ثم، فإن أي استعمال للحرية دون مراعاة للأمانة يتحول إلى عنف، لأن الحرية تتحول إلى أداة تسلّط بدل أن تكون مجالا للتزكية. وهكذا، تصبح جذور العنف، في نظره، “روحية” و”أخلاقية” أكثر منها سياسية أو اجتماعية.

ولأن الفهم الائتماني يقوم على “المسئولية قبل الفعل”، فهو يجعل كل إنسان محاسبا على نيته قبل سلوكه، وعلى علاقته بالمطلق قبل علاقته بالغير. ولذلك، لا يمكن الحد من العنف إلا بإحياء البعد الائتماني في الإنسان، أي بإعادة بناء الضمير الأخلاقي الذي يربط الفعل بمصدره المتعالي.

ويخلص عبد الرحمن إلى أن المجتمعات المعاصرة، بما فيها المجتمعات الإسلامية، لم تسلم من هذا الانحراف، لأنها تبنّت أدوات الحداثة الغربية دون أن تستبطن روحها الأخلاقية؛ فاستفحلت فيها أنماط جديدة من العنف، عنف سياسي باسم الاستقرار، وعنف اقتصادي باسم التنمية، وعنف ديني باسم الهوية. وكلها وجوه لعنف واحد هو “نسيان الأمانة”، وانفصال الإنسان عن مصدره الوجودي.

الممارسة الحوارية

ينتقل طه عبد الرحمن إلى الوجه المقابل للعنف، وهو “الحوار”.. فكما أن العنف يدمّر العلاقة بين الإنسان وربه والآخرين، فإن الحوار يعيد بناءها. غير أن الحوار، في المنظور الائتماني، ليس مجرد تبادل الكلام أو تفاوض المصالح، بل هو “ممارسة” أخلاقية وروحية أساسها الأمانة والمسئولية.

ينتقد المؤلف الفهم السائد للحوار في الفكر المعاصر، الذي غالبا ما يقوم على “النفعية”، أو “البراغماتية”، حيث يُنظر إلى الحوار باعتباره وسيلة لتدبير الاختلاف أو حل النزاعات. هذا الفهم، في نظره، “اختزال” للعلاقة الحوارية، لأنه يتجاهل بعدها القيمي، ويجعلها مجرد أداة لتحقيق التفاهم الأدنى أو المصلحة المشتركة. أما الفهم الائتماني، فينظر إلى الحوار بوصفه “عبادةً قولية”، أي فعلا يتقرب به الإنسان إلى الله من خلال التواصل الصادق والمسئول مع غيره.

ويضع طه عبد الرحمن أسسا ثلاثة لـ”الممارسة” الحوارية الائتمانية:

– المسئولية؛ أي أن يكون المتحاور مسؤولا عن قوله، مدركا أن الكلمة أمانة، وأن الله سائله عنها. ومن هنا، يتأسس الحوار على الصدق والنية الصالحة، لا على الجدال والغلبة. يقول عبد الرحمن “إن المتكلم في الممارسة الحوارية لا يسعى إلى إقناع الآخر فقط، بل إلى تزكية نفسه عبر القول الحق”، حسب تعبيره.

– الأمانة؛ وهي المبدأ الذي يمنع تحويل الحوار إلى وسيلة للتسلط أو الإقصاء. فالمتحاور الأمين لا يزيف المعاني، ولا يخفي ما يراه حقا، ولا يستغل جهل الآخر، لأن غايته ليست الغلبة؛ وإنما الهداية. فالأمانة تحفظ الحوار من الانحراف إلى العنف الرمزي أو اللغوي.

– الرحمة؛ وهي روح الحوار، لأن التواصل الصادق لا يكون إلا في ظل تعاطف ومحبة. ولذلك، يرى عبد الرحمن أن الحوار الحقيقي هو الذي “يُؤنسن الإنسان”، أي يخرجه من عزلته الوجودية، ويعيده إلى دائرة الرحمة التي بها قامت السموات والأرض.

العنف والحوار

في هذا السياق، ينتقد عبد الرحمن بشدة ما يسميه “الحوار المبتور”، الذي تمارسه المؤسسات الدولية أو بعض التيارات الفكرية؛ إذ تحوّل الحوار إلى تقنية سياسية أو دبلوماسية، خالية من البعد الأخلاقي. ويقول إن “الحوار الذي لا يتأسس على المسؤولية والأمانة، يتحول إلى نوع من العنف المقنّع، لأنه يفرض الرأي باسم التفاهم، أو يخفي التسلط باسم التسامح”. فالحوار، إن لم يكن قائمًا على الائتمان، يصبح أداة جديدة من أدوات الهيمنة.

ويؤكد عبد الرحمن أن العلاقة بين “العنف” و”الحوار” ليست تضادا بسيطا، بل علاقة عميقة: فكل حوار خالٍ من الأمانة ينتهي إلى عنف، وكل عنف يجد علاجه في الحوار المؤتمن. ولذلك، فإن بناء عالم خالٍ من العنف لا يتحقق إلا ببناء “إنسان مؤتمن”، يتعامل مع الآخر بوصفه شريكًا في الأمانة، لا خصما في الصراع. وهذا ما يسميه طه بـ”التحول من الممارسة الجدلية إلى الممارسة الحوارية”، أي من منطق الغلبة إلى منطق الأمانة.

وفي تأمل بليغ، يرى عبد الرحمن أن أصل الحوار في الوجود هو “الحوار الإلهي”: حوار الله مع ملائكته، ومع أنبيائه، ومع الإنسان؛ ويستشهد المؤلف بقوله سبحانه وتعالى: “وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ” [البقرة: 30]؛ مؤكدًا أنه في هذه الآية يرد النموذج الأعلى للحوار: فالله، وهو العليم، يخاطب ملائكته بالحجة والبيان، لا بالإكراه. من هنا، يتأسس الحوار الائتماني على الاعتراف بكرامة المتلقي، وعلى رحمة المتكلم، فيكون الفعل اللغوي مجالًا للتطهر لا للمنازعة.

وختاما، يضع طه عبد الرحمن أمام القارئ مشروعا فلسفيا متكاملا، يرى أن خلاص الإنسان المعاصر، من دوائر العنف المادي والرمزي، لن يتحقق إلا ببعث روح الحوار الائتماني، القائم على الأمانة والمسئولية. فالعنف -في جوهره- ليس قدرا بشريا، بل هو انحراف عن الائتمان الإلهي؛ والحوار -في أصله- ليس مجرد تواصل لغوي، بل هو “تجسيد للعبودية الصادقة” التي تجعل من القول فعلا أخلاقيا، ومن الحرية تكليفا، ومن الاختلاف رحمة.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى