إذا كان الأساس في “العَرشِ” لسانيا هو الأمر؛ فإن الأساس في “ٱستَوَىٰ” هو الاستقرار والتحكم؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: “هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ” [الحديد: 4].
بهذا الفهم، ينقل السياق القرءاني مفهوم “ٱلۡعَرۡشِ”، من المعنى “الحسي” إلى الدلالة “الكونية”.
وبهذا الفهم، يمكن تدبر قوله تبارك وتعالى: “ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2]. هنا، نرى ترتيبا دلاليا: الخلق أولا، ثم الاستواء والتسخير وتدبير الأمر وتفصيل الآيات؛ أي بعد إيجاد المكان المخلوق (السموات)، يظهر الرمز المعنوي المتعالي (العرش)، بوصفه رمز السيادة التي تُنظم وتتحكم في قوانين المكان المخلوق (الاستواء على العرش).
وبهذا الفهم، يكون “الاستواء على العرش”، هو الإشراف الكلي على الوجود، لا داخل الكون ولا خارجه؛ بل “مُحايثٌ” له في تدبيره ومُتعالٍ عنه في ذاته؛ كما في دلالات قوله عزَّ وجل: “ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا” [الفرقان: 59].. وقوله عزَّ من قائل: “ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ” [السجدة: 4]. فماذا إذن عن الكرسي؟
العرش والكرسي
إذا كانت السموات (والأرض)، تمثل اتساع المكان المخلوق، فإن العرش يمثل اتساع المكان الإلهي الرمزي “المكان المتخيل”، الذي لا يُحدّ بجهة ولا يُقاس بمقدار. ومن هنا، تأتي صفة “العظيم”، فالعظمة هنا ليست في الحجم بل في الهيمنة والسيادة. يقول تعالى: “فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ” [التوبة: 129].
ولنا أن نُلاحظ أن لفظ “حَسۡبِيَ” يؤشر إلى الكفاية، وكفاية الله سبحانه نابعة من إحاطته بخلقه، التي يُمثل “ٱلۡعَرۡشِ” أعلى رمز لها. بل إن هذا التعالي يرتبط قطعا، بكونه سبحانه “ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ”، كما في قوله عزَّ وجل: “فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ” [المؤمنون: 116]؛ أي الذي لا يزحزحه عن ملكه أحد، أو يسلبه منه شيء. وبالرغم من ذلك، أو بالرغم من أنه سبحانه بذلك، يتصرف في ملكه كيف يشاء؛ إلا أن خاتمة الآية الكريمة تأتي لتوضح أنه تعالى “رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ”، بما يؤكد أن ملْك الله عزَّ وجل ليس تسلطا وقهرا، وإنما هو ملْك لصالح الناس.. فـ”ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ” هو أشرف غايات الملْك.
وهكذا.. فإن “ٱلۡعَرۡشِ”، في ضوء هاتين الآيتين الكريمتين، هو رمز “الملكية المطلقة”؛ وإن ذكره مقترنا بمقام الربوبية يؤشر إلى أن السلطة الإلهية ليست عرضا؛ بل جوهرا في طبيعة الخلق.
أما “الكرسي”، فقد ورد في موضع واحد في آيات التنزيل الحكيم، في آية واحدة سميت باسم “آية الكرسي”؛ وذلك في قوله عزَّ من قائل: “ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ” [البقرة: 255].
دلالات الكرسي
وكما يبدو، من تأمل الآية الكريمة، فإنها تتضمن عددا من المفاهيم التوحيدية التي تتصل بقدرة الله وعلمه وسلطانه. فالكرسي لسانا، من الكِرْس، أي التجميع والتكثيف؛ ومنه الكراسة، أي عدد من الأوراق المجمعة التي تستند إليها كتابة شيء ما. فمادة “الكرسي”، (الكاف والراء والسين)، تدل على تجميع الأساس الذي يُبنى عليه الشيء، أو تُثبت عليه الأشياء؛ لذلك يقولون أن “الكرسي” هو “موضع القدمين للملك”. لكنه في الخطاب القرءاني يتجاوز المعنى الحسي إلى “رمزية الإحاطة الكاملة”. وبكلمة، فإن الكرسي يُمثل “نظام التقدير الإلهي” الذي يُدبّر به الله الكون؛ فالكرسي إذن ليس مكانا، ولكن “مقام الإحاطة”.
– الكرسي.. رمز الإحاطة والملك
بهذا المعنى، يشكل “الكرسي” الفضاء المعرفي الإلهي، الذي يشمل كل ما في السموات والأرض. فالآية الكريمة، آية الكرسي، تُبرز أن الإحاطة ليست مادية؛ بل إحاطة وجودية علمية.. إذ إن “وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ”، أي شملها بعلمه وسلطانه؛ والعبارة القرءانية “وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ”، تدل على سهولة “تدبير الخلق” بالنسبة لله تبارك وتعالى، فـ”لا تعب ولا نقصان في قدرته”. فـ”الكرسي” هنا، يمثل المجال الذي يشمل جميع الخلائق، وهو دليل على عظمة الخالق.
– الكرسي.. سعة العلم والقدرة
لقد جاء وصف سعة الكرسي “وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ”، في سياق آية جمعت صفات الله العليا: “ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ”، و”لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ”، و”وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ” إلا باستثناء وحيد “إِلَّا بِمَا شَآءَۚ”. هذا السياق، يربط مباشرة بين سعة الكرسي وسعة العلم الإلهي؛ فكما أن الكرسي وسع السموات والأرض مكانيا، فإن علم الله وسع كل شيء علميا، “يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ”. كما أن حفظهما لا يعجزه، سبحانه، “وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ”. فـ”الكرسي” هو رمز لإحاطة القدرة والعلم والحفظ الإلهي بجميع أجزاء الكون.
– الكرسي.. امتداد العرش الإلهي
إن الكرسي في البنية القرءانية هو امتداد للعرش في بعده العملي: “العرش” يُمثل “مركز السلطة”، وهو المرتبة العليا للهيمنة؛ و”الكرسي” يُعبر عن “مجال تدبيرها”، وهو مجال الإحاطة والتنفيذ. ومن هنا، فإن العلاقة بين العرش والكرسي علاقة “تراتب رمزي” بين الكمال الذاتي لله في علوّه، والكمال الفعلي في تدبيره للخلق.
ويؤكد القرءان الكريم هذا الترابط؛ في قوله سبحانه: “قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٭ سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ” [المؤمنون: 86-87]؛ وفي قوله تعالى: “ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ” [النمل: 26]. فالعرش، إذ يُذكر مقرونا بمقام الربوبية، يُشير إلى “المكان المتخيل” الأعلى في نظام الخلق؛ بينما الكرسي، إذ يُذكر مقرونا بالسموات والأرض، يُشير إلى نظام التدبير داخل نظام الخلق.
هذه الإضافة الدلالية تتعلق، بالتأكيد -كما قلنا من قبل، ونقول الآن، وسنظل نقول دائما- بوجوب أن نأخذ كل شيء منسوب إلى الله سبحانه وتعالى في إطار: “لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ” [الشورى: 11]. ومن حيث إن المكان ليس مستقلا عن المعنى، في الرؤية القرءانية؛ بل، السلطة الإلهية تتجلى في المكان بوصفه رمزا للهيمنة والتدبير.. لذا، فـ”العرش” يمثل مركز السلطة، و”الكرسي” يمثل مجال نفوذها وتدبيرها.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن القرءان الكريم يقدم من خلال مفهومي “العرش” و”الكرسي” أعلى تصور للمكان المتخيل، بوصفه تجليا للسلطة الإلهية المطلقة. فالعرش يمثل ذروة السيادة ومستقر الربوبية، بينما يمثل الكرسي سعة العلم والقدرة والملك التي تدبر السموات والأرض؛ وهما معا ليسا مكانين ماديين محدودين، بل هما رمزان لعظمة الله وإحاطته، يشكلان المركز الذي تدور حوله كل المخلوقات، وينبثق منه نظام الكون.
لذلك، يُصبح الإيمان بالعرش وعظمته وكرمه، والكرسي ووسعه، ركنا أساسيا في تصور المؤمن لعظمة خالقه، وتذكيرا دائما بأن “ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ”، وأن كل سلطان في الكون مستمد من سلطانه، وكل ملك زائل إلا ملكه.
وللحديث بقية.








