عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2803 بقبول المشروع الأمريكي، وتنفيذ خطة ترامب، بشأن قطاع غزّة فجر الثلاثاء الماضي- بادر جيش الاحتلال أول من أمس الأربعاء بشن غارات استهدفت عددا من المواقع، ادعى العدو أنها لحركة حماس.. أسفرت الغارات عن استشهاد 18 فلسطينيا، كما ادعى العدو أن الغارات كانت ردا على إطلاق نار من قبل مسلحين استهدف قواته في خان يونس.
الانتهاك المتكرر لاتفاق وقف إطلاق النار من قِبل جيش الاحتلال -خاصّة بعد صدور قرار مجلس الأمن- يأتي ضم سياسات العربدة الصهيونية التي يمارسها العدو بغية فرض معادلة الأمن المطلق في القطاع، وهو ما يعلّق عليه الكاتب حسن عصفور في مقاله اليوم على موقع مركز الناطور للدراسات والأبحاث بأنه “ليس مسألة مهنية، أو جانب يتعلق بتنفيذ مسار مرتبط بتهديد هنا أو هناك، بل هو انعكاس لجوهر رؤية دولة الاحتلال، حول مستقبل قطاع غزة ومصيره الذي سيكون مرتبطا برؤيتها الخاصة، بعدما منحها قرار مجلس الأمن “حقا انتقاليا” في تحديد ذلك”.
ويذهب عصفور إلى أن الانتهاك الأخير يدخل في ما يسمى بمبدأ المطاردة الساخنة الذي تنفذه دولة الاحتلال ويرمي إلى إيصال رسالة مفادها أن جيش الاحتلال هو المنوط “وحده” بتحديد مسار جوهر البعد الأمني الشامل في القطاع، لحين تشكيل “قوة الاستقرار الدولية”، اعتمادا على صيغة ملتبسة في القرار جاء فيها “تعمل القوة الدولية مع إسرائيل ومصر.. إلى جانب قوة الشرطة الفلسطينية.. للمساعدة في تحقيق استقرار البيئة الأمنية في غزة من خلال ضمان عملية إخلاء قطاع غزة من السلاح، بما في ذلك تدمير ومنع إعادة بناء البنية التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية في القطاع، وكذلك سحب أسلحة الجماعات المسلحة غير الحكومية من الخدمة بشكل دائم”.
يعني ذلك أن العدو – رغم إعلانه أن غاراته تأتي ردا على استهداف قواته في القطاع- يأخذ لنفسه – وبشكل منفرد- أحقية تفكيك البنية التحتية للمقاومة المسلحة في القطاع، والعمل على عدم إعادة بنائها، كما ورد في نص القرار.. وهو ما يعني إعادة احتلال القطاع من جانب جيش الاحتلال برعاية أممية.
لقد سارعت الفصائل الفلسطينية في غزة إلى إعلان معارضتها لقرار مجلس الأمن، رغم ترحيبها من قبل بالخطة الأميركية، إلا أن رفض القرار الذي تحدث بلغة مبهمة عن مسار مجهول لقيام دولة فلسطينية- بدا منطقيا إذ لم يكن في مجمله إلا مكافأة للاحتلال وترسيخا لوجوده، وإطلاقا ليده في القضاء على المقاومة.. وهو ما يجب التحرك حياله من جانب الدول العربية -خاصة مصر التي ورد اسمها في القرار- باستيضاح بعض البنود المبهمة، واستعجال اللائحة التنفيذية الملزمة لجميع الأطراف؛ قبل أن يفرض جيش الاحتلال واقعا جديدا بعد سيطرته على ما يزيد على نصف أراضي القطاع.
على مدى عمر دولة الاحتلال “القصير” استطاع هذا الكيان المؤقت أن يحصل من خلال الاتفاقيات، على أضعاف المكاسب التي يحصل عليها بالحرب، وذلك بمعاونة الولايات المتحدة والمنظمات الدولية “المتواطئة” وعملائه في الأنظمة العربية.. وقد استطاع العدو من خلال سيطرة اليمين المتطرف على دفع مجتمعه المنقسم إلى الصمود في حرب طويلة لأول مرة في تاريخه، كما بدت دولة الاحتلال لأول مرة منذ وجودها أكثر تقبلا وتحملا لخسائر بشرية كبيرة، وهو ما يعني تغييرا بالغا في بنية الوعي الصهيوني، يجب أن يوضع في الاعتبار.
القرار 2803 الذي يعتبره نتنياهو انتصارا له، بعد كل ما ارتكبه من جرائم في حق الإنسانية- كما اعتبره البعض المسمار الأخير في نعش المقاومة فكرة وواقعا- لا يمكن أن يكون نهاية المطاف.. فحتى إذا بدا الأمر الآن محبطا – بل شديد الإحباط- فإن غض النظر عن العديد من العوامل الداخلية والخارجية، ومنها الموقف الدولي -حكومات وشعوب- من دولة الاحتلال، وامتناع كل من الصين وروسيا عن التصويت لصالح القرار، ما يمكن اعتباره إعلانا أن القرار لا يتفق ومصالحهما في المنطقة.. ومراجعة إيران لوضعها بعد تداعيات الحرب الأخيرة.. بالإضافة إلى الانتخابات القريبة في الكيان والتي يكتفنها الكثير من الغموض- يبدو أمر غير منطقي.
ومازال البعض يُصر على أن حرب طوفان الأقصى، كانت بمثابة انتحار للمقاومة، متناسين أن كثير من الدلائل تشير إلى أن الاحتلال كان يدفع الأمور دفعا إلى الاشتعال قبل السابع من أكتوبر 2023، وأن فصائل المقاومة اتخذت القرار ببدء الحرب وفق معطيات كثيرة، لم يكن من الممكن إغفالها.. ومن غير المستبعد أن تُحسن المقاومة التعامل مع الوضع الراهن، والخروج بنتائج مغايرة، رغم صعوبة ذلك عمليا.








