رؤى

معادن المستقبل.. على طاولة صراع القوى الكبرى

وسط مقاطعة أمريكية، انعقدت قمة مجموعة العشرين، التي تضم أكبر اقتصادات العالم، في جوهانسبرج، بجنوب أفريقيا، أمس السبت 22 من نوفمبر الجاري، لمحاولة التوصل إلى اتفاق حول مسودة إعلان أُعدت دون مشاركة واشنطن. ورغم أن هذه القمة تُعد الأولى التي تُعقد في القارة السمراء، إلا أنها شهدت المناقشات حول ملف حماية المعادن النادرة، وهو من أكثر الملفات إثارة للجدل؛ حيث طالبت الدول الكبرى بتعزيز حماية هذه المعادن من الإجراءات التجارية أحادية الجانب.

وتبدو هذه إشارة واضحة إلى القيود الشاملة التي فرضتها الصين على صادراتها، من هذه المعادن، إبان الحرب التجارية مع الولايات المتحدة. هذا التصعيد لم يعد مجرد مناوشات تجارية تقليدية، بل تحول إلى معركة استراتيجية تمس أمن الدول الصناعية ومستقبلها التكنولوجي؛ إذ من المعروف أن المعادن النادرة، أو كما يُطلق عليها “المعادن الحرجة”، تُعد العمود الفقري للصناعات التكنولوجية والدفاعية والطاقة النظيفة.

المعادن النادرة

لا يمكن المبالغة في أهمية المعادن النادرة في العصر الحديث، حيث إنها -دون ما مبالغة- “شريان حضارة التكنولوجيا”. فهذه العناصر التي تشمل اللانثانم، النيوديميوم، البراسيوديميوم، والديسبروسيوم، أصبحت عصب الصناعات التكنولوجية المتقدمة؛ من الهواتف الذكية إلى توربينات الرياح، ومن السيارات الكهربائية إلى أنظمة التسليح المتطورة؛ إذ تمثل هذه المعادن المكون الأساس الذي لا غنى عنه في صناعة المغناطيسات الدائمة فائقة القوة، والبطاريات عالية الكفاءة والإلكترونيات الدقيقة.

وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، إلى أن الصين تنتج حاليا ما يزيد عن 60% من الإنتاج العالمي من المعادن النادرة، وتسيطر على حوالي 85% من قدرات المعالجة والتكرير العالمية. هذا التفوق لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة استثمارات استراتيجية طويلة الأمد، بدأت منذ تسعينات القرن العشرين الماضي، عندما أدركت القيادة الصينية أن هذه الثروة الطبيعية يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط جغراسياسية بالغة الأهمية.

وخلال ذروة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، لم تتردد بكين في استخدام ورقة المعادن النادرة كسلاح استراتيجي. ففي عام 2019، هددت الصين علنا بتقييد صادرات المعادن النادرة للولايات المتحدة، مما أثار حالة من الذعر في الأوساط الصناعية والتكنولوجية الأمريكية. وبالرغم من أن التهديد لم يتحول إلى حظر كامل، إلا أن الإجراءات الإدارية المعقدة وتباطؤ عمليات التصدير كانت كافية لإثبات جدية التهديد.

بالطبع، لم تكن هذه الخطوة الصينية مفاجئة. ففي عام 2010، أثناء نزاع حدودي مع اليابان، أوقفت الصين تصدير المعادن النادرة لليابان بشكل مؤقت، ما تسبب بـ”صدمة” للصناعات اليابانية وأدى إلى ارتفاع الأسعار العالمية بنسبة تصل إلى 600% لبعض هذه المعادن. هذه السابقة جعلت الدول الصناعية تدرك مدى هشاشة سلاسل التوريد الخاصة بها.

تفاعلات دولية

في مواجهة التهديد الصيني المستمر، لم تكتف دول مجموعة العشرين بالبيانات الدبلوماسية المعتادة؛ بل بدأت في التحضير لردود فعل أكثر حسما. وقد تقدمت المجموعة الأوروبية في هذا المجال بتلويحها باستخدام ما أسمته سلاح “البازوكا” الاقتصادي، في إشارة إلى أدوات العقوبات التجارية المضادة، التي يمكن أن تطلقها في حال استمرار الصين في فرض قيودها على صادرات هذه المعادن.

هذا التصعيد الأوروبي يمثل تحولا استراتيجيا في التعامل مع الصين، التي تعتبر الشريك التجاري الأول للاتحاد الأوروبي. فـ”بازوكا” العقوبات الأوروبية قد تشمل فرض رسوم جمركية عالية على منتجات صينية استراتيجية، أو تقييد استثمارات الشركات الصينية في القطاعات الحساسة بأوروبا، أو حتى اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية لفرض عقوبات مشروعة.

والواقع، أنه بين تقليل الاعتماد وتنويع المصادر، تواجه الدول الصناعية خيارات صعبة في التعامل مع أزمة الاعتماد على المعادن النادرة الصينية.

أول هذه الاستراتيجيات، تتمثل في محاولة تقليل الاعتماد من خلال تطوير بدائل تكنولوجية؛ فمعامل الأبحاث في أوروبا والولايات المتحدة، تعمل بشكل مكثف على تطوير أنواع جديدة من المغناطيسات الخالية من المعادن النادرة، أو التي تعتمد على معادن أكثر توفرا، كما تجري أبحاثا مكثفة لتحسين عمليات إعادة التدوير لاستخراج هذه المعادن من النفايات الإلكترونية.

ثاني الاستراتيجيات، هي تنويع مصادر التوريد. فقد عادت الولايات المتحدة إلى تشغيل منجم “ماونتن باس” في كاليفورنيا، وهو أحد أهم مناجم المعادن النادرة خارج الصين. كما تستثمر الشركات الغربية في مناجم جديدة في أستراليا وكندا وأفريقيا. لكن المشكلة أن تطوير منجم جديد واستحداث مرافق المعالجة يحتاج إلى سنوات طويلة واستثمارات ضخمة، ناهيك عن التحديات البيئية المرتبطة بتعدين هذه المعادن.

أما الاستراتيجية الثالثة فهي الدبلوماسية متعددة الأطراف؛ فمجموعة العشرين تسعى لإنشاء تحالف دولي لضمان تدفق حر للمعادن النادرة، مشابه لتحالفات أمن الطاقة. وقد بدأت بعض الدول في توقيع اتفاقيات ثنائية لضمان إمدادات مستقرة من هذه المواد الاستراتيجية.

ملامح مستقبلية

واللافت، أن الصين تواجه معضلة حقيقية.. فمن ناحية، تمنحها السيطرة على المعادن النادرة قوة جغراسياسية هائلة؛ لكن من ناحية أخرى، فإن الإفراط في استخدام هذا السلاح قد يدفع العالم إلى التسريع في البحث عن بدائل، مما يقوض مكانة الصين على المدى الطويل.

كما أن القيود على الصادرات تنتهك، في كثير من الأحيان، قواعد منظمة التجارة العالمية، ما يعرض الصين لدعاوى قضائية وعقوبات تجارية. وقد بدأت هذه الضغوط تظهر نتائجها، حيث اضطرت الصين، في بعض الأحيان، للتراجع عن إجراءات تقييدية بعد ضغوط دولية مكثفة.

وبالتالي، تشير التطورات الحالية إلى أن العالم يتجه نحو تأسيس نظام جديد لإدارة الموارد الاستراتيجية، يشبه نظام أمن الطاقة ولكن بخصائص أكثر تعقيدًا. فالمعادن النادرة تختلف عن النفط في أن مصادرها أكثر تركيزا، وعمليات استخراجها أكثر تلويثًا للبيئة، وسلاسل توريدها أكثر تعقيدا.

وكما يبدو، في المستقبل القريب، سنشهد على الأرجح تشكيل تحالفات جديدة بين الدول المنتجة والمستهلكة للمعادن النادرة، ووضع معايير دولية جديدة لتجارة هذه المواد، واستثمارات ضخمة في البحث عن بدائل تكنولوجية.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن معركة المعادن النادرة تمثل نموذجا مصغرا للصراع الجغراسياسي في القرن الحادي والعشرين، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الاستراتيجيات السياسية والتحديات التكنولوجية. إن تهديد أوروبا باستخدام “البازوكا” الاقتصادية ليس مجرد مناورة تفاوضية؛ بل يعكس إدراكا متزايدا بأن الاعتماد المفرط على مصدر واحد للموارد الحيوية يمثل ثغرة أمنية قومية. في المقابل، فإن تمسك الصين بحقها في تنظيم صادراتها يعكس رؤية جديدة للسيادة الاقتصادية في عصر العولمة.

في النهاية، قد تكون أزمة المعادن النادرة بمثابة جرس إنذار للعالم، يذكره بأن طريق التحول الرقمي والطاقة النظيفة لن يكون مفروشا بالورود، بل سيكون محفوفا بصراعات “جغراقتصادية” جديدة، سوف نشهد ملامحها وتداعياتها على المدى القرييب.

 

 

 

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى