يشهد العراق في السنوات الأخيرة تحوّلا لافتا في تموضعه الإقليمي والدولي، مدفوعا برغبة واضحة في إعادة صياغة دوره بعد عقود من الاضطراب السياسي والاقتصادي. فالدولة التي ظلت تعتمد بشكل شبه كامل على صادرات النفط، تتطلع اليوم إلى تنويع اقتصادها عبر مشروعات بنية تحتية كبرى، تعيد وصلها بالجوار الإقليمي وبالاقتصاد العالمي.
ويأتي مشروع “طريق التنمية” ليشكل أبرز تجليات هذه الرؤية الجديدة؛ فهو ليس مجرد ممر لوجستي يربط الخليج بأوروبا عبر العراق وتركيا، وإنما مشروع متعدد الطبقات، يحمل أبعادا اقتصادية وجغراسياسية واستراتيجية، وقد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة. ولذا تُطرح التساؤلات بحدة: هل طريق التنمية مجرد مبادرة اقتصادية؟ أم أنه مشروع سياسي قد يجر العراق إلى قلب تفاعلات الشرق الأوسط؟ وما الدور الذي تلعبه كل من إيران وتركيا في هندسة مستقبل هذا الطريق؟
الدور العراقي
يبدأ مشروع طريق التنمية من ميناء الفاو الكبير في أقصى جنوب العراق، وينتهي عند الحدود التركية شمالا، حيث يتصل بشبكات السكك الأوروبية، ويمتد لمسافة تتجاوز 1200 كيلومتر، تشمل سككا حديدية، وطرقا سريعة، ومنشآت لوجستية، ومناطق اقتصادية خاصة. ويهدف المشروع إلى تحويل العراق إلى محور ترانزيت عالمي، ينافس الممرات التقليدية مثل قناة السويس والممرات البحرية عبر الخليج والبحر الأحمر.
لكن أهمية الطريق لا تكمن في بنيته المادية فحسب؛ وإنما في الدور الذي يسعى العراق إلى لعبه من خلاله. إذ، لطالما كان العراق حاضرا في جغرافيته، وغائبا عن دوره. وبالرغم من موقعه الحيوي الذي يربط آسيا بأوروبا، وامتلاكه احتياطيات نفطية هائلة، فإن سنوات الحرب والعقوبات والاضطرابات الأمنية حرمته من الاستفادة من مكانته الطبيعية.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تسارعا في محاولات بغداد للعودة إلى الإقليم، ليس عبر الصراع؛ بل عبر الاندماج الاقتصادي. من هذه الزاوية، يبدو طريق التنمية جزءا من رؤية عراقية جديدة قائمة على عددٍ من الأسس الاقتصادية والجغراسياسية. منها، تنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط عبر قطاع النقل والخدمات. ومنها، تحويل العراق إلى مركز لوجيستي، مستفيدا في ذلك من موقعه بين الخليج وتركيا. ومن ثم، يتركز البعد الاقتصادي للمشروع (الطريق) في جذب الاستثمارات الأجنبية، عبر إنشاء مناطق اقتصادية حديثة.
ومن اللافت، أن طريق التنمية العراقي يساهم في دمج المحافظات الوسطى مع المحافظات الشمالية والجنوبية، ضمن مشروع موحد، بما يساهم في استقرار داخلي نسبي. هذه الرؤية، تعكس وعيا عراقيا بأن الاستقرار الداخلي يبدأ من التشابك الاقتصادي للمناطق العراقية المختلفة. أضف إلى ذلك، إدراك أن الاعتماد الأحادي على النفط يعرض البلاد للخطر في ظل التقلبات العالمية، وأن المسار الأمثل نحو الاستقرار الاقتصادي يبدأ من البنية التحتية العابرة للحدود.
لكن رغم ذلك الواقع أكثر تعقيدا؛ فالعراق ليس دولة منعزلة عن محيطه. وكل خطوة اقتصادية كبرى تحمل بالضرورة أبعادا سياسية وجغراسياسيتة مهمة؛ وخاصة إذا كانت ذات طبيعة استراتيجية تُغير مسارات التجارة الإقليمية.
قد يبدو المشروع للوهلة الأولى اقتصاديا بحتا؛ ممر نقل جديد يعزز التجارة بين الخليج وأوروبا. لكن القراءة المتعمقة تكشف أن طريق التنمية هو “أداة سياسية” أيضا، وربما هذا ما يجعل المشروع محط اهتمام دول إقليمية مثل إيران وتركيا والسعودية والإمارات، وكذلك القوى الدولية. ومن ثم، لا نُغالي إذا قلنا إن المشروع يُمثل منصة عراقية لإعادة تدوير العلاقات الإقليمية، بين العراق وجواره الجغرافي.
أدوار خارجية
تتنوع الأدوار الإقليمية، والدولية، بالنسبة إلى طريق التنمية العراقي، في دول الجوار الجغرافي للعراق؛ وخاصة تركيا وإيران.
أولا: الدور التركي.. المستفيد الأكبر
تبدو تركيا الطرف الأكثر استجابة للمشروع ودعما له. فهي ترى في طريق التنمية فرصة لتعزيز موقعها باعتبارها جسرا تجاريا بين آسيا وأوروبا، إضافة إلى مكاسب سياسية واقتصادية متعددة:
فمن جانب، تعزيز مكانتها وتقوية نفوذها في شمال العراق؛ إذ يمتد الطريق إلى العمق التركي حيث يتصل بالشبكات الأوروبية. وهذا يعزّز موقع تركيا بوصفها معبرا رئيسا للتجارة القادمة من الخليج؛ وهو دور تسعى أنقرة إليه منذ سنوات عبر خط “باكو – تبليسي – قارص” وممر “زانجيزور”. هذا فضلا عن محاولة أنقرة تقوية النفوذ التركي في شمال العراق؛ حيث تمتلك أنقرة نفوذا اقتصاديا كبيرا في الإقليم الكردي؛ لذا يعزز المشروع فرصها في المحافظات العربية أيضًا، ما يجعلها واحدة من أهم المستثمرين المحتملين في طريق التنمية.
من جانب آخر، تقليل الاعتماد التركي على الطرق البحرية؛ فتركيا تدرك أن الاعتماد على البحر الأسود والبحر المتوسط يجعلها عرضة للتقلبات العسكرية والجغراسياسية؛ المحور البري الجديد يفتح أمامها شريانا بديلا. هذا، بالإضافة إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية التركية مع دول الخليج العربية؛ فدول الخليج، التي تستثمر بقوة في طريق التنمية، ترى في تركيا منفذا نهائيا إلى أوروبا. وهذا يفتح الباب لتعاون اقتصادي “تركي – خليجي” واسع قد يعزز مكانة أنقرة الاستراتيجية.
وبالتالي، فإن تركيا ليست مجرد شريك عابر؛ بل لاعب مركزي قد يحدد نجاح المشروع أو تعثره.
ثانيا: الدور الإيراني.. إزدواجية الموقف
على الضفة الأخرى تقف إيران من المشروع؛ وبالرغم من أنها لا تعارضه علنا، فإن موقفها معقد ومزدوج، يقوم على حسابات دقيقة:
فمن جهة، منافسة الطريق للممرات الإيرانية؛ فإيران تسعى منذ سنوات لطرح نفسها بوصفها جسرا بين آسيا الوسطى والخليج والبحر المتوسط، عبر مشروع “الممر الشمالي – الجنوبي” الذي يربط الهند بروسيا عبر الأراضي الإيرانية. وطريق التنمية يهدد جزءا من هذا الدور، لأنه يوفر بديلا بريا يمر عبر العراق وتركيا بدل إيران. رغم ذلك، تدرك إيران أن استقرار العراق الاقتصادي يخدمها سياسيا وأمنيا؛ فالعراق المزدهر اقتصاديا قد يصبح شريكا تجاريا أكبر، ما يفتح لإيران منفذًا لتصدير منتجاتها، خاصة في ظل العقوبات.
من جهة أخرى، التخوف من تزايد النفوذ التركي؛ إذ، كلما زادت الاستثمارات الخليجية والتركية في المشروع، تراجعت مساحة النفوذ الاقتصادي الإيراني في العراق. ورغم أن نفوذها السياسي والأمني في العراق ما زال كبيرًا، فإن المشروع يقلّل من قدرة طهران على التحكم في مسارات التجارة العراقية. وبالتالي، تحاول طهران أن تروّج لاحتمال ربط ممراتها شرقا بطريق التنمية غربا، لتصبح جزءا من شبكة إقليمية أكبر. وهذا يتيح لها الاستفادة دون أن تفقد مكانتها تماما.
ومن هنا، يمكن القول إن الموقف الإيراني ليس رفضا كاملا، ولا قبولا كاملا؛ بل موازنة بين الحاجة إلى العراق اقتصاديا، والرغبة في عدم خسارة أدوارها الإقليمية.
ثالثا: الدور الدولي..
لا يغيب عن الأذهان أن “طريق التنمية” هو جزء من صورة أكبر، تتضمن مشاريع كبرى مثل مبادرة “الحزام والطريق” الصينية؛ فالصين، التي تبحث عن طرق بديلة وآمنة لنقل بضائعها إلى أوروبا، قد ترى في العراق ممرا واعدا، خاصة مع علاقاتها الاقتصادية المتينة مع دول الخليج. إلا أنه، من ناحية أخرى، قد تنظر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى المشروع بتقدير حذر، فرغم أنه يعزز استقرار العراق (وهو هدف غربي)، إلا أنه قد يعزز أيضا النفوذ الصيني أو يغير موازين القوى في منطقة حيوية لمصالحهم.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن “طريق التنمية” هو أكثر من مجرد خط حديدي؛ إنه اختبار لإرادة العراق في استعادة قدرته على الفعل الاستراتيجي المستقل؛ إنه رهان على أن المستقبل يمكن أن يُبنى ليس على أنقاض الماضي فحسب، ولكن على أسس جديدة من التعاون والمنفعة المتبادلة.
وبكلمة، إن مشروع طريق التنمية ليس مجرد طريق؛ بل رؤية عراقية لإعادة بناء الدولة، واستعادة الموقع الجغراسياسي، والتحول من دولة متلقية إلى دولة فاعلة. فهو، إذن مشروع اقتصادي في ظاهره، لكنه في عمقه مشروع لإعادة تموضع العراق بين تركيا وإيران والخليج، وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.








