مرت المقاومة الفلسطينية على مدى العقود الثمانية الماضية بمنعطفات عديدة، تباينت فيها أحوالها بين التوهُّج والانطفاء.. ربما على نحوٍ رأى معه البعض أن المقاومة قد انتهت بالفعل.. لكنها كانت تعود كطائر الفينيق الذي يُبعث من الرماد كما تقول الأسطورة.. حتى أيقن كثيرون أن المقاومة عصية على الفناء، مهما مر بها من محن.. وما أكثرها!
لقد شكّلت حرب طوفان الأقصى بكل أحداثها وعيا جديدا على كل الأصعدة.. تبدلت نظرة العالم للقضية، انكشفت حقيقة الكيان الغاصب، وسقطت كل أكاذيبه.. حتى إنه يعيش لحظة من النبذ لم يعرفها من قبل.. سقطت الأكاذيب داخليا أيضا- ربما على نحوٍ أفدح- وما زالت الحقائق توالي ظهورها؛ محدثة حالة من الذهول في أوساط المستوطنين.. سقطت نظرية الأمن الصهيوني، والحدود الآمنة والحروب القصيرة التي يستطيع العدو من خلالها تحقيق أهدافه التكتيكية؛ لتحدث أكبر هجرة عكسية في تاريخ دولة الاحتلال منذ قيامها.
أسقطت أيضا حرب طوفان الأقصى.. مخططات التطبيع التي سعى إليها النظام العربي الرسمي، بكل ما أوتي من قوة.. وتسارعت الخطوات في سبيل ذلك؛ حتى ظن البعض أن التطبيع شرٌ لا بد منه.. فإذا به اليوم وصمة يسعى الجميع للهروب منها.. وعادت بعض الأنظمة للتطبيع السري.. بعد أن كانت قد جهرت به كخطيئة علنية.
ومع إبرام وقف إطلاق النار الذي لا يتوقف العدو عن خرقه بدعاوى عديدة- بدأت القضية تتراجع رويدا رويدا في دوائر الاهتمام عربيا؛ وانصرف المهتمون بالحرب على غزة إلى حال سبيلهم؛ وكأن الأمر قد سوّيَّ على أفضل ما يكون.. لكن هذا الوعي الذي صنعه طوفان الأقصى، فعل فعله في دول وشعوب، رأت في القضية الفلسطينية قضية الإنسانية في عصرنا الحالي، بدأت دولة جنوب إفريقيا المسيرة برفع دعوى أمام الجنائية الدولة متهمة قادة الكيان الغاصب بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ثم توالت التحركات الدولية وكانت إسبانيا في مقدمة تلك الدول التي اتخذت إجراءات رادعة بشأن الإجرام الصهيوني.. وتحت ضغط المظاهرات الشعبية في معظم العواصم الأوروبية اضطرت الدول الأوروبية -في معظمها- إلى تبني فكرة قيام الدولة الفلسطينية، وعاد الحديث مجددا عن حل الدولتين، وأمور أخرى تتعلق بالقضية الفلسطينية مثل قضية الأسرى والتهجير والحصار وغيرها.
والحقيقة أن القضية الفلسطينية لم تعرف منذ النكبة هذه الحالة من الوعي بها في أنحاء العالم- مثل ما نراه اليوم، وليس أدل على ذلك من تلك الحالة التي ظهر عليها طلاب الجامعات في أمريكا وأوروبا، فلم ير العالم مظاهرات طلابية بهذا الزخم منذ ستينات القرن الماضي، خاصة في جامعات النخبة التي تخرّج للغرب قادته ومنظروه في عالم السياسة.
لم يقف الأمر عند هذا الحد.. بل اندفعت بعض الدول لاتخاذ كافت الإجراءات التي من شأنها التوقف عند جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها دولة الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني؛ وقد تبنت دولة تشيلي مشروعا يقضي بطرد دولة الكيان الغاصب من الأمم المتحدة؛ نظرا لانتهاكاتها المستمرة للقانون الدولي؛ استنادا إلى المادة 6 من ميثاق الأمم المتحدة.
لقد أزاحت حرب طوفان الأقصى جزءا يسيرا من عبء القضية عن كاهل الشعب الفلسطيني، وجعلت العالم بشعوبه الحرة وبعض الحكومات غير التابعة يتحمل جزءا من المسئولية الأخلاقية التي تحتم عليه الدفاع عن أصحاب الحق في مواجهة كيان لا أخلاقي لا يتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم، وتبريرها بتبجح وانحطاط لم ير العالم له مثيلا.. وسنرى ذلك في الأيام القادمة
بتحريك دعاوى قضائية في عدد من العواصم الأوروبية لمحاكمة المشاركين في الحرب على غزة من الجنود الصهاينة. ورغم فداحة الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني في حرب طوفان الأقصى- إلا أنه برهن للعالم على قدرته على الصمود، وتعويض تلك التضحيات التي قدمها مؤمنا بعدالة قضيته، بعيدا عن دعاوى المبطلين الذين يحاولون تصوير المقاومة بمجنون قاد شعبه إلى المذبح.. دون النظر إلى دلائل عديدة تشير إلى تخطيط نتنياهو لإشعال هذه الحرب؛ من أجل إعادة رسم خريطة القطاع بعد تنفيذ التهجير الذي أصبح مستحيلا بحرب طوفان الأقصى.
لقد رأى كثيرون قرار مجلس الأمن 2803، بمثابة النهاية للمقاومة.. وهو في النهاية قرار مثل غيره من القرارات؛ لا يستطيع أن يوجد واقعا لا معطيات له على الأرض.. وقد تلقّف العدو القرار، وبدأ في سلسلة من العمليات العسكرية؛ بغية تحقيق أكبر قدر من المكاسب قبل دخول القوات متعددة الجنسيات، وما زال أمر تشكيل تلك القوات يواجه صعوبات عديدة.. ربما تجعل تكوينها أمرا بعيد المنال في الوقت الراهن.. بينما تلتزم فصائل المقاومة الصمت تجاه ما يجري على الأرض بعد إعلان اعتراضها على القرار الأممي.
في لحظة يبدو فيها النظام العربي في أشد حالات تراجعه ونكوصه عما يجب عليه فعله، تجاه القضية الفلسطينية، وفي ظل حالة الصلف والغرور التي يعيشها نتنياهو، مع استمرار الدعم الأمريكي لمخططاته- تحتاج المقاومة الفلسطينية إلى استيلاد أمل من هذا الواقع المرير.. ربما يأتي هذا الأمل من الضفة الغربية التي تشهد تصعيدا خطيرا في تلك الفترة؛ بسبب الممارسات الاستيطانية الصهيونية، من تهجير قسري وإتلاف مزروعات وملاحقات أمنية واعتقالات، بالإضافة إلى العنف المتصاعد من جانب المستوطنين في ظل وقوف السلطة الفلسطينية موقف المتفرج.. فهل تنطلق شرارة المقاومة مجددا من الضفة هذه المرة؟ ربما تكفيرا عن الصمت والخذلان على مدار عامين من الحرب على القطاع!







