رؤى

انقلابات غرب أفريقيا.. وأزمة الاستقرار الداخلي

تشهد منطقة غرب أفريقيا في الآونة الأخيرة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني المتصاعد، تجلت بشكل صارخ في الأحداث الأخيرة التي شهدتها غينيا بيساو وبنين. ففي الوقت الذي شهدت فيه غينيا بيساو انقلابا عسكريا “ناجحا” أدى إلى الإطاحة بالحكومة المنتخبة، واجهت بنين محاولة انقلابية فاشلة في 7 ديسمبر 2025. هذان الحدثان، رغم اختلاف نتائجهما، يكشفان عن مخاض عميق تعيشه دول المنطقة، حيث تتداخل العوامل الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، ما يهدد المسار الديمقراطي الهش في غرب أفريقيا.

انقلاب غينيا

غينيا بيساو، الدولة الصغيرة الواقعة على ساحل المحيط الأطلسي، لها تاريخ طويل مع الانقلابات العسكرية، حيث شهدت أربعة انقلابات “ناجحة” منذ استقلالها عن البرتغال، في عام 1974؛ بالإضافة إلى عشرات المحاولات الفاشلة. يعود هذا الإرث من عدم الاستقرار إلى ضعف المؤسسات الديمقراطية، والفقر المتفشي، وسيطرة النخب العسكرية على مفاصل الدولة. الانقلاب الأخير، الذي حدث قبل أيام قليلة، جاء في سياق أزمة سياسية مستمرة بين الرئيس والحكومة من جهة، والجيش من جهة أخرى، حول قضايا تتعلق بالإصلاحات الأمنية وتقليص نفوذ العسكر.

ووفقا للتقارير الأولية، فقد سيطرت وحدات عسكرية موالية لقادة سابقين في الجيش، على المباني الحكومية الرئيسة في العاصمة بيساو، واعتقلت الرئيس ورئيس الوزراء، معلنة حل المؤسسات الديمقراطية. وقد قوبل هذا الانقلاب بإدانات واسعة من المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS)، التي هددت بفرض عقوبات على القادة الانقلابيين.

انقلاب بنين

على بعد مئات الكيلومترات شرقا، شهدت بنين، التي كانت تُعتبر نموذجا للاستقرار الديمقراطي في المنطقة، محاولة انقلابية فاشلة، في 7 ديسمبر 2025. تتميز بنين بتاريخ سياسي أكثر استقرارا مقارنة بجيرانها، حيث نجحت في الانتقال السلمي للسلطة عبر انتخابات ديمقراطية متعددة، منذ تسعينات القرن الماضي. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت توترات متصاعدة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتزايد الفساد، وإجراءات حكومية اعتبرها البعض تقييدا للحريات العامة.

تفاصيل المحاولة الانقلابية تشير إلى أن مجموعة صغيرة من الضباط غير الراضين عن السياسات الحكومية، حاولت الاستيلاء على الإذاعة الوطنية والمراكز العسكرية الرئيسة في كوتونو. لكن رد فعل القوات الموالية للحكومة كان سريعا وحاسما؛ حيث أحبطت المحاولة في غضون ساعات، واعتقل المشاركين فيها. سرعة فشل المحاولة تعكس، من جهة، قوة المؤسسات الديمقراطية نسبيا في بنين؛ ومن جهة أخرى، يقظة الأجهزة الأمنية التي استفادت من تجارب الانقلابات في دول الجوار.

نقاط التشابه

رغم اختلاف النتائج، توجد نقاط تقاطع مهمة بين الحالتين:

أولًا: الأسباب الاقتصادية والاجتماعية.. إذ تعاني كل من غينيا بيساو وبنين من مشاكل اقتصادية عميقة، حيث الفقر والبطالة، خاصة بين الشباب، وتفشي الفساد في الإدارة العامة. هذه الظروف تخلق بيئة خصبة للسخط الشعبي والعسكري تجاه الحكومات القائمة.

ثانيًا: الضعف الأمني وتأثير الجوار.. حيث الدولتان في منطقة تشهد تصاعدا في نشاط الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة. في غينيا بيساو، تحولت البلاد إلى مركز رئيس لتهريب المخدرات من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا، ما أدى إلى إفساد أجزاء من الجيش والأجهزة الأمنية. هذا الانهيار الأمني يضعف شرعية الحكومات المدنية ويعزز نفوذ العسكريين.

ثالثًا: التأثير الإقليمي المتسارع.. تشهد منطقة غرب أفريقيا موجة من الانقلابات، بدأت مع مالي في 2020، ثم بوركينا فاسو في 2022، والنيجر في 2023. هذا “التأثير الدومينو” يخلق بيئة تشجع العناصر العسكرية في دول أخرى على محاكاة تجارب جيرانهم، خاصة عندما ترى أن الانقلابيين لا يواجهون عواقب حاسمة من المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية في أفريقيا.

رابعا: أزمة الشرعية الديمقراطية.. في كلا البلدين، وإن بدرجات مختلفة، توجد فجوة بين النخب الحاكمة والمواطنين. ففي غينيا بيساو، يتهم السياسيون بتكريس النظام لخدمة مصالحهم الضيقة على حساب التنمية. وفي بنين، أدت التعديلات الدستورية المثيرة للجدل، وتزايد القمع السياسي، إلى تقويض شرعية النظام في أعين قطاعات من الشعب والجيش.

عوامل الاختلاف

بالطبع، توجد عوامل للاختلاف بين الحالتين:

أولا: التاريخ السياسي المختلف.. إذ بينما تمتلك غينيا بيساو إرثا طويلا من الانقلابات والعسكر في السلطة، تتمتع بنين بتراث ديمقراطي أكثر رسوخا، حيث تعاقبت الحكومات عبر صناديق الاقتراع، منذ عام 1991. هذا الاختلاف في التاريخ السياسي، يفسر جزئيا سبب نجاح الانقلاب في غينيا بيساو وفشله في بنين.

ثانيا: طبيعة المؤسسات العسكرية.. في غينيا بيساو، الجيش مؤسسة مستقلة إلى حد كبير، وغالبا ما تتصرف كدولة داخل الدولة، مع ولاءات قبلية وإقليمية معقدة. في بنين، رغم وجود انقسامات داخل الجيش، تبقى المؤسسة العسكرية أكثر خضوعا للسلطة المدنية وأكثر تماسكا في مواجهة المحاولات الانقلابية.

ثالثا: الاستجابة الدولية والإقليمية.. جاء انقلاب غينيا بيساو في وقت تعاني فيه الآليات الإقليمية، مثل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، من أزمة مصداقية، بعد فشلها في منع أو عكس الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. أما محاولة بنين الفاشلة، فستتعامل معها هذه الآليات بشكل مختلف، كونها دولة تعتبر تاريخيًا حليفًا للإصلاح الديمقراطي في المنطقة.

رابعا: العامل الجغراستراتيجي.. تحتل بنين موقعا استراتيجيا مهما في خليج غينيا، فضلا عن حدود مع نيجيريا القوة الإقليمية الكبرى، التي لها مصلحة في استقرار جارتها. هذا العامل يجعل أي محاولة لزعزعة الاستقرار في بنين تواجه معارضة إقليمية قوية؛ بينما غينيا بيساو، رغم أهميتها في مكافحة تهريب المخدرات، تحظى بأولوية أقل في الأجندة الإقليمية والدولية.

الأوضاع الداخلية

في غينيا بيساو.. يتجذر عدم الاستقرار في بنية الدولة نفسها. فمنذ الاستقلال، لم تنجح البلاد في بناء مؤسسات دولة قادرة على تقديم الخدمات الأساسية، أو فرض سيادة القانون. الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على زراعة الكاشو وعلى المساعدات الخارجية، مع محدودية شديدة في البنية التحتية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الانقسامات العرقية والجهوية، خاصة بين شعب البلانتي في الداخل وشعب البابيل في الساحل، تزيد من تعقيد المشهد السياسي الداخلي، وتوفر ذريعة للتدخل العسكري تحت شعار “حماية مصالح” جماعة معينة.

في بنين.. رغم النجاح النسبي في بناء مؤسسات ديمقراطية، تشهد البلاد تراجعا في الحريات السياسية في السنوات الأخيرة. فالحكومة الحالية اتهمت بتضييق الخناق على المعارضة والإعلام المستقل، خاصة بعد الانتخابات التشريعية المثيرة للجدل، التي أُجريت في عام 2019، التي قاطعتها معظم الأحزاب المعارضة. هذا المناخ السياسي المتوتر، مقترنا بصعوبات اقتصادية تفاقمت بسبب جائحة “كوفيد-19″، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود عالميا، خلق حالة من السخط بين بعض قطاعات الجيش والشعب، حاولت المجموعة الانقلابية استغلالها.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن الأحداث في غينيا بيساو وبنين ليست حوادث معزولة؛ بل هي تعبير عن أزمة عميقة في نموذج الدولة، “دولة ما بعد الاستعمار” في غرب أفريقيا. فالدول التي خلقتها اتفاقيات استعمارية، بحدود مصطنعة ومؤسسات هشَّة، تواجه تحديات وجودية في القرن الحادي والعشرين.

الانقلاب الناجح في غينيا بيساو، والمحاولة الفاشلة في بنين، يشتركان في جذور واحدة: فشل النخب الحاكمة في تقديم حكم فعال وشامل، وتراجع الشرعية الديمقراطية، وتصاعد النفوذ العسكري في ظل تهديدات أمنية متزايدة. لكنهما يختلفان في النتائج بسبب عوامل تاريخية ومؤسسية داخلية، وتفاعلات إقليمية ودولية.

ومن ثم، فإن المستقبل سيتوقف على قدرة النخب الإقليمية، عبر منظمات مثل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والاتحاد الأفريقي، على تطوير مقاربة جديدة للأمن والحكم، تأخذ في الاعتبار الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار، وليس الأعراض فقط. كما سيعتمد على قدرة الدول الفردية، بما فيها بنين وغينيا بيساو، على إصلاح أنظمتها السياسية والاقتصادية، لتحقيق حكم أكثر شمولا وفعالية، يلبي تطلعات شعوبها للتنمية والكرامة والأمن.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى