رؤى

الرسم “القرءاني”.. ودلالة مصطلحي “ٱلۡقَوَٰعِدُ” و”ٱلۡأَسۡبَٰبَ”

في رحلتنا مع حرف “الألف”، نؤكد على أن هذا الحرف، يأتي ليُعبر عن إحدى أهم الظواهر في الرسم القرءاني، من حيث اختلاف دلالة المصطلح باختلاف الرسم القرءاني له؛ نعني مجيء اللفظ الواحد مرسوما بألف في موضع، وبغير ألف في موضع آخر. ومن المنطقي أن هذا الاختلاف في “المبنى”، يترتب عليه اختلاف في “المعنى”؛ وبالتالي، تختلف دلالات اللفظ بحسب اختلاف الرسم القرءاني لحرف الألف.

وضمن عديد من الأمثلة على حرف “الألف” بوصفه مؤشرا دلاليا؛ وإضافة إلى أمثلة مُتعددة، كنا قد تناولناها في أحاديث سابقة، سنحاول في حديثنا هذا الاقتراب من مصطلحات قرءانية أُخرى، تؤشر إلى مدى ما يُمثله هذا الحرف من أهمية دلالية، ضمن سياق آيات التنزيل الحكيم.

مصطلح “ٱلۡقَوَٰعِدُ” 

بناءً على ذلك، لنا أن نقترب من مصطلح “ٱلۡقَوَٰعِدُ“، الذي ورد في مرات ثلاث في آيات التنزيل الحكيم؛ اثنتان منها مع تثبيت حرف الألف “ٱلۡقَوَاعِدَ“، في ما ورد في الثالثة دون تثبيت هذا الحرف “ٱلۡقَوَٰعِدُ“.

يبدو هذا الأخير، مؤشرا دلاليا على الجانب المعنوي الوظيفي للمصطلح؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: “وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ” [النور: 60]. إذ، لنا أن نُلاحظ أن سياق الآية الكريمة يتضمن تعريفًا واضحًا، لهؤلاء “ٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ“، من حيث إنهن اللاتي “لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا“؛ وهو ما يؤكد على الجانب الوظيفي لمصطلح “ٱلۡقَوَٰعِدُ“.

أما “ٱلۡقَوَاعِدَ“، الذي يَرِد مرتين في آيات الذكر الحكيم، مع تثبيت حرف الألف؛ فهو يأتي هكذا، ليؤشر إلى الجانب المادي، العضوي، للمصطلح؛ وهو ما يتبدى بوضوح في قوله سبحانه: “وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ” [البقرة: 127]؛ وفي قوله تعالى: “قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ” [النحل: 26].

وكما هو واضح، فإن لفظ “ٱلۡقَوَاعِدَ“، في الآيتين الكريمتين، يأتي مؤشرا دلاليا على الجانب المادي العضوي للمصطلح؛ من حيث إنه يدل على “أسس البناء”. ففي الآية الأولى [البقرة: 127]، يأتي المصطلح في إطار تعريف هذه “ٱلۡقَوَاعِدَ“، بأنها “مِنَ ٱلۡبَيۡتِ“؛ أما في الآية الأخرى [النحل: 26]، يأتي المصطلح في إطار دلالي على “أسس البناء”، سواء في ما قبله “بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ“، أو ما بعده “فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ“.

ومثلما هو الحال في مصطلح “ٱلۡقَوَٰعِدُ“، يأتي مصطلح “ٱلۡأَسۡبَٰبِ” ليؤكد على أن تثبيت حرف الألف يؤشر إلى الجانب المادي العضوي للمصطلح، في حين أن ورود المصطلح دون تثبيت الحرف، يؤشر إلى الجانب المعنوي الوظيفي للمصطلح. إذ، يَرِد المصطلح في التنزيل الحكيم، أربع مرات؛ ثلاث منها دون تثبيت حرف الألف “ٱلۡأَسۡبَٰبِ”، في حين يَرِد في الرابعة مع التثبيت “ٱلۡأَسۡبَابُ“.

ففي قوله سبحانه وتعالى: “إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ” [البقرة: 166]، تتبدى دلالة الجانب المادي العضوي عبر سياق الآية. فـ”تَبَرَّأَ” من التبرؤ، وهو “التخلص من شيء ما، والتنصل منه، والتباعد عنه”؛ ومنه برئت من الدَيِّن، أي تخلصت منه؛ وبرأ المريض من مرضه، أي تخلص منه. أما جملة “وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ“، فهي دلالة على حال الأتباع والمتبوعين، فالضمير يعود على الفريقين؛ أي تبرَّأوا جميعًا من بعضهم البعض، في حال رؤيتهم “العينية” للعذاب. 

ثم، تأتي جملة “وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ“، معطوفة على “وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ“، كـ”نتيجة” عينية لرؤية العذاب. إذ بعد هذه الرؤية العينية، تأتي النتيجة متمثلة في “تقطع الوشائج والصلات بين الأتباع والمتبوعين”، وهو تقطع مادي عضوي لما كان بينهم في الحياة الدنيا.

و”ٱلۡأَسۡبَابُ” جمع سبب وهو في الأصل “الحبل الذي يُرتقى به الشجر والنخل ونحوهما”؛ إلا أنه يدل على “ما يُتوصل به إلى شيء، عينًا كان أو معنى”، فيُقال للطريق سبب، لأنه عبر سلوكه يصل الإنسان إلى الموضع الذي يُريده؛ ويُقال -في الوقت نفسه- للمودة سبب، لأنها ما يتواصل به المحبون؛ والطريق مادي والمودة معنوية.

وفي حين تؤشر “ٱلۡأَسۡبَابُ” إلى الجانب المادي العضوي للمصطلح؛ تأتي “ٱلۡأَسۡبَٰبِ“، دون تثبيت حرف الألف، لتؤشر إلى الجانب الوظيفي للمصطلح.

ففي قوله سبحانه: “وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٭ أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ” [غافر: 36-37]؛ لنا أن نتأمل كيف ورد المصطلح، مصطلح “ٱلۡأَسۡبَٰبِ“، مرتين في آيتين متتاليتين؛ حيث ورد في الأولى “مُعرفًا” بألف ولام التعريف، في حين ورد في الآية الأُخرى في صورة “نكرة”، والتعريف “تقييد” والنكرة “مُطلقة”.

وكما يبدو، فقد ورد مصطلح “ٱلۡأَسۡبَٰبِ” عبر التعريف، مُقيدًا بحال من التمني “لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ“، بما يُؤشر إلى الجانب المعنوي الوظيفي للمصطلح؛ هذا في حين ورد في صيغة النكرة المُطلقة “أَسۡبَٰبَ“، لكن -في الوقت نفسه- حُددت بأنها تخص “ٱلسَّمَٰوَٰتِ“.. ومن منظور أن “أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ” لا يستطيع “فِرۡعَوۡنُ” تعيينها، لذلك قال عن “مُوسَىٰ” عليه السلام “وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ“؛ بما يؤشر إلى الجانب الوظيفي للمصطلح، حيث إن “لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ” تدل على أمور معنوية، وليست مادية.

وفي الحالين، فإن ورود مصطلح “ٱلۡأَسۡبَٰبِ“، و”أَسۡبَٰبَ“، بهذا الرسم القرءاني دون تثبيت حرف الألف، إنما يؤشر إلى الجانب المعنوي الوظيفي للمصطلح.

وللحديث بقية.  



حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock