في كتابه “خواطر مسلم غير سلفي.. في الدين والحياة”، يقدم محمد رياض العشيري سردا حميميا يتنقل بين ذكريات الطفولة في مدينة الفيوم المصرية، وتأملات عميقة في الدين والمجتمع، وقراءة نقدية للخطاب الإسلامي السلفي السائد. ليس الكتاب مجرد مذكرات شخصية، بقدر ما هو رؤية فكرية تسعى إلى إعادة ربط المسلم المعاصر بالنبع الأصلي للإسلام: القرءان الكريم، بعيدا عن متاهات التفسيرات المتشددة والخطاب التقليدي الجامد.
وربما لا نُغالي إذا قلنا إن العشيري يطرح رؤية متفردة ونداءً صادقا لإعادة قراءة وفهم الدين الإسلامي، بعيدا عن ثقل التقليد والجمود الذي ساد الخطاب الديني المعاصر؛ إذ يجمع الكتاب في طياته بين نسيج الذكريات الحميمة، وبين عمق الاجتهاد الفكري النقدي، ليقدم للمجتمع العربي والإسلامي خارطة طريق نحو إسلام متسامح وعقلاني وفاعل في قضايا العصر الذي نحياه.
رحاب الذات والذاكرة
يبدأ الكاتب رحلته بلمسة وجدانية رقيقة، يسافر بالقارئ إلى دهاليز الذاكرة الشخصية، حيث تختلط طقوس رمضان المصرية القديمة بألم الفقد ولوعة الغربة. فمن “موكب الرؤية” المبهج في طفولته بالفيوم، إلى صوت “الشيخ رفعت” الخالد، ونداء “المسحراتي” الذي كان يظن أن جميع أمثاله “برجل واحدة”، يرسم العشيري لوحة حنين شفافة لماضٍ ساده الدفء والتراحم.
تتجلى أعمق هذه المشاهد في استذكار التجمع العائلي حول “الطبلية” الخشبية المتواضعة، حيث كان الفقد المبكر للأب يضفي على المشهد ظلالا من المسئولية والاحتضان من الأم المربية.
وفي هذا الباب الذاكراتي، لا يقدم الكاتب مجرد نوستالجيا عابرة، ولكن يضعنا أمام مفارقة مؤلمة بين روحانية الأمس وسرعة وعزلة اليوم، حتى ليتحول ضمير المتكلم “كُنتُ” و”كُنا” إلى “لعنة” تلاحق من فقد الأحبة.
كما يخصص الكاتب جزءا ثمينا لتجربته مع علوم القرءان، بدءا من دراسة “تحفة الأطفال” على يد شيخ كفيف البصر في مسجد الحي. هذا المشهد التعليمي يمثل اعترافا بقيمة التراث، لكنه يتحول فورا إلى منطلق لـ”تدبر” النص؛ حيث يستخدم قواعد التجويد والقراءات أداةً للتعرف على تطور الأصوات في اللغة العربية (مثل صوت “الجيم”)، ليؤكد أن اللغة بجميع مكوناتها “يعتورها التغير عبر العصور وعبر البيئات”، وأن حفظ القرءان للغة العربية لا يعني تجميدها أبدا.
مسلم غير سلفي
يصر الكاتب على وصف نفسه بأنه “مسلم غير سلفي”، وهذا الوصف ليس رفضا للتراث أو إهانة للسلف الصالح؛ وإنما هو موقف منهجي واضح. فهو يجل علماء السلف واجتهاداتهم، لكن إجلاله لا يصل إلى حد “التقديس”، كما يؤكد في أكثر من موضع.. حيث يرى أنهم رجال بذلوا جهدهم في فهم النص وفقا لظروف عصرهم وبيئتهم وأدواتهم المعرفية. وبالتالي، فإن آراءهم قابلة للنظر والمراجعة.
“غير سلفي” تعني هنا التحرر من قبول كل ما وصل إلينا من الماضي بصفته حقيقة مطلقة، والسعي لفهم الإسلام من خلال العقل والتدبر المباشر للقرءان، باعتباره المصدر الأساسي الذي يجب أن يُقاس عليه كل شيء. ويُعدّ مصطلح “مسلم غير سلفي” هو مفتاح البناء الفكري للكتاب، والأساس الذي تنطلق منه جميع خواطره النقدية.
ويقوم هذا المفهوم على ثلاث ركائز أساسية:
1 – رفض التقديس وتأصيل العقل:
يُعلن الكاتب احترامه وإجلاله لفقهاء الدين ومفسري النص القرءاني من السلف، لكنه يشدد على أن هذا الإجلال “لا يبلغ حد التقديس”؛ فالسلف -في نظر الكاتب- هم رجال “يُؤخذ منهم ويُردّ”؛ فهم بشر تأثروا ببيئاتهم وأزمانهم وأحوالهم السياسية والاجتماعية. وعليه، فإن المنهج “غير السلفي” هو الذي يرى أن آراء الأقدمين ليست مقدسة، ويرفض الإصرار على تردادها دون إعمال للعقل.
2 – العودة إلى النبع الثري:
ينطلق الكاتب من يقين بأن “العقل هو هبة الله تعالى لنا”، وأن الدين قائم بالأساس على مبادئ “العدل والتسامح والود والتراحم”. وبناءً على ذلك، فإن الوصف “غير السلفي” يعني بالضرورة العودة إلى “النبع الثري لديننا السمح، ألا وهو القرءان الكريم”، باعتباره المصدر الأصيل الذي يُحتكم إليه، ويكون الفيصل في قبول أو رفض أي مرويات أو اجتهادات تتعارض معه.
3 – مواجهة التشدد والتعصب:
إن غاية هذا المنهج، الذي يطرحه الكاتب، هي مقاومة “اتجاهات المسلمين التي أخذت تبتعد شيئا فشيئا عن النبع الثري لديننا السمح… وبدأت تنزلق نحو متاهات أودت ببعضنا إلى التعصب والتشدد”. فالمنهج السلفي التقليدي، حسب رؤيته، يركز على المرويات الظنية أكثر من القرءان، ما أدى إلى سيطرة “ثقافة التخويف” و”الترهيب” في الخطاب الديني، والاعتماد على موضوعات، مثل: عذاب القبر وعلامات الساعة، للسيطرة على الجمهور.
فهم معاصر القرءان
اللافت أن الكتاب عبر أسلوبه الأدبي الممتع، يقدم قراءات تجديدية لعدد من القضايا الفقهية التقليدية، محاولا استنباط فهم يتوافق مع روح العدل والرحمة في القرءان الكريم.
ولعل أهم هذه القضايا ما يلي:
٭ حد السرقة.. فيقدم قراءة مجازية لآية “فاقطعوا أيديهما”، مؤولا إياها بقطع سبيل السرقة (أي منع السارق منها)، عبر السجن أو إلزامه بأعمال تكفل رد المسروق، وليس البتر الحرفي، مستندا إلى سياق الآيات ومقاصد العدل في التنزيل الحكيم.
٭ النشوز والعلاقة الزوجية.. حيث يرفض التفسير الحرفي لـ”الضرب”، ويفسر “اضربوهن” بالإعراض الكلي عنهن، بما يتوافق مع التدرج الحكيم في الآية (الوعظ، ثم الهجر في المضجع، ثم الإعراض). ويستدل على ذلك بأن القرءان الكريم في حالات أشد كـ (الفاحشة)، لم يأمر إلا بحبس المرأة في البيت، فكيف يأمر بالضرب الجسدي في حالة النشوز الأهون؟!
٭ قضية الحجاب.. إذ، يطرح تساؤلات نقدية حول فرضية حجاب الرأس، مشيرا إلى أن الفروض خمسة فقط، وأن الآيات التي يستدل بها وردت في سياقات تاريخية محددة كـ (حماية نساء النبي من الأذى). ويسأل: لماذا يطلب غض البصر من الرجال والنساء معا، ثم يُجعل الحجاب قضية تركز على المرأة وحدها؟!
٭ مسألة الكلاب.. فهو ينفي فكرة “نجاسة الكلاب”، مستدلا بوجود كلب مع أصحاب الكهف الأتقياء، وبإباحة الصيد بالكلاب في القرءان. بل ويرى أن الأحاديث التي تذم الكلاب تعكس ثقافة شخصية للرواة، ولا تتفق مع نظرة القرءان المتوازنة للخلق.
رسالة “غير سلفي”
يقدم الكتاب بمنهجه “غير السلفي” مجموعة من النتائج والفوائد التي يمكن أن تعود بالنفع على المجتمعين العربي والإسلامي:
1 – تجديد الخطاب الديني.. يساهم هذا النهج بالطبع في سحب البساط من تحت الأيديولوجيات المتطرفة، التي تعتمد على خطاب التخويف واجتزاء النصوص من سياقها؛ وذلك بالتركيز على العدل والتسامح باعتبارهما جوهرا للدين. ومن ثم، يتم إبراز الإسلام “الحقيقي الأصيل”، ليكون الدين مصدرا لإسعاد الناس لا لشقائهم… “ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى”.
2– إحياء ملكة العقل والنقد.. فالدعوة إلى “إعمال العقل” و”تدبر” القرءان، بدلا من الاكتفاء بالتقليد والاجترار، تفتح الباب أمام جيل يفهم الدين بعمق، ويستخدم التفكير النقدي في التعامل مع النصوص، وهذا ضروري لمواجهة الجمود الفكري.
3 – تحقيق الوحدة الاجتماعية.. إذ الدعوة الصريحة إلى إلغاء المذاهب والطوائف تحت مسمى “مسلم وحسب”، ترسخ لمفهوم المواطنة ووحدة الصف، وتزيل الفواصل التي تسبب النزاع والفرقة القاتلة؛ تلك التي ينقسم بناءً عليها المسلمون إلى “طوائف” شتى.
4 – إصلاح التربية الدينية.. حيث إن مطالبة الكاتب بتعليم الأبناء “تفهيم” القرءان الكريم قبل تجويده وقبل حفظه، يمثل ثورة في المنهج التعليمي، لأن فهم المعاني هو السبيل لترجمة القيم الدينية إلى سلوك عملي، وتجنب السطحية التي تجعل الشباب فريسة للتعصب والتشدد.
5 – مواجهة التحديات الأخلاقية.. فالكاتب يربط بين العبادة والسلوك الاجتماعي، مقدما نموذجا للمسلم العصري الذي يوازن بين الروحانية (الصلاة والتعبد)، والمسئولية الاجتماعية (نقد الإسراف وهدر الطعام). وهنا، يبدو ذكاء الكاتب في الإشارة إلى ظاهرة الإسراف وهدر الأطعمة في رمضان، مستشهدا بدراسات تثبت تضاعف النفايات في بعض الدول العربية في الشهر الكريم.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن كتاب محمد رياض العشيري “خواطر مسلم غير سلفي.. في الدين والحياة”، يُعدّ صرخة في وجه التقليد، ودعوة أدبية وفكرية متماسكة لاستعادة إسلام النبع، إسلام العدل والتسامح والعقل، لإصلاح الفرد والمجتمع، بعيدًا عن متاهات التشدد والتعصب. إنه، حقيقة، اجتهاد في زمن أحوج ما يكون فيه المجتمع الإسلامي إلى مثل هذه الأفكار التنويرية.








