يشهد الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل -وبخاصة في أوساط الأجيال الأصغر سنا- تراجعا لافتا، فيما يواصل ارتفاعه باتجاه فلسطين. وإزاء ذلك، يخشى “اللوبي الإسرائيلي”، و”المحافظون الجدد”، وغيرهم من السياسيين الموالين لإسرائيل في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي من أن يصبح هذا التحول بين الأمريكيين الأصغر سنا مستداما.
ولا تقف الانتكاسة التي يواجهها الدعم الشبابي الأمريكي لإسرائيل عند هذا الحد، حيث شرع اليهود الأمريكيون الشباب أيضا في النأي بأنفسهم عن إسرائيل إلى الحد الذي فرض هذه القضية، مثارا للنقاش في “الجمعية العمومية للاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية” (JFNA) التي عُقدت مؤخرا في واشنطن.
أما الصدمة الأكبر فتتأتى من حقيقة أن “الإنجيليين البيض”، وهم مؤيدو إسرائيل الأكثر تعصبا في الولايات المتحدة، والذين لا يترددون في وصف أنفسهم بـ “الصهيونيين المسيحيين”، قد تراجع دعمهم لإسرائيل، فيما ازداد لفلسطين.
وبينما تذهب أصوات الغالبية العظمى من اليهود الأمريكيين باتجاه الديمقراطيين، تصوِّت الغالبية العظمى من المسيحيين الإنجيليين البيض لصالح الجمهوريين. وتعتمد إسرائيل بدرجة أكبر على الصهيونيين الميسحيين منها على اليهود الأمريكيين، حيث يشكل الإنجيليون البيض ثُلث القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري.
ويلعب “اللوبي الإسرائيلي” و”الإنجيليون البيض (الصهيونيون المسيحيون)”، الذين يمتلكون تأثيرا نافذا على الأجنحة الرئيسية داخل كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونجرس الأمريكي، دورا محوريا في رسم السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وتوجيه دفتها صوب خدمة المصالح الإسرائيلية.
رغم ذلك، فقد كشفت استطلاعات رأي أجريت مؤخرا عن تراجع دعم إسرائيل بإطراد في أوساط الإنجيليين البيض الأصغر سنا، إذ ينأى الجيل الجديد من الإنجيليين، المعروف بـ “الجيل Z”، بنفسه عن كل من الكنائس الإنجيلية وإسرائيل.
ولا يمثل ذلك في واقع الأمر تطورا جديدا، وإنما توجها بدأ منذ أوائل العقد الثالث من الألفية الجديدة، وأسهمت الإبادة الجماعية التي مارستها إسرائيل في غزة على مدى أكثر من عامين في تسريع وتيرته، حيث يشعر الإنجيليون من الفئات العمرية الأصغر سنا بانزعاج بالغ إزاء دعم قادتهم الدينيين لمقتل 70 ألف فلسطيني، بينهم 70% من النساء والأطفال، على يد الجنود الإسرائيليين.
ففي عام 2015، أعرب 3% فقط من الشباب الإنجيليين عن تعاطفهم مع الفلسطينيين. وارتفعت هذه النسبة إلى 18% في عام 2018، فيما بلغ دعمهم لإسرائيل في العام نفسه 75%. وفي عام 2021، تراجعت هذه النسبة إلى 34% فقط.
وفي عام 2020، أيد ما يقارب 50% من الإنجيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما إقامة دولة فلسطينية. ويصف محللون تراجع دعم الشباب الإنجيليين لإسرائيل بأنه “صادم للغاية”، وأنه “”حاد على نحو غير مسبوق”.
وسلطت الصحف الإسرائيلية أيضا الضوء على التراجع الشديد في دعم إسرائيل في أوساط الشباب الإنجيليين. وشدد الكُتاب الصهاينة على أن هذا التراجع الدراماتيكي يثير المخاوف من احتمالية أن تخسر إسرائيل حليفها المستقبلي الأكثر أهمية.
وإضافة إلى ذلك فإن هناك “حركة خروج” بين الإنجيليين، إذ أكدت دراسات أجريت في عام 2024، أن نحو 25 مليون بالغ أمريكي تخلوا عن مذهبهم الإنجيلي، بينهم جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي الذي نشأ في أسرة وبيئة ثقافية إنجيلية، ولكنه تعمّد في الكنيسة الكاثوليكية في عام 2019.
كما كشفت دراسة أجريت الشهر الماضي أن آلاف الكنائس على شفا الإغلاق. ويشير كُتاب إنجيليون إلى أن شباب الجيل Z، يسيرون في اتجاه مختلف، وأعربوا عن قلقهم من التراجع الحاد في بناء كنائس جديدة.
وإجمالا فقد خفتت جاذبية الكنائس والمدارس وغيرهما من المؤسسات الإنجيلية في أوساط الشباب الذين يولون اهتماما أكبر لمستقبلهم المهني بعيدا عن الإنجيلية، فيما بقيت الثقافة الإنجيلية على نطاق أوسع في أوساط الجيل الأكبر سنا المعروف باسم “جيل الطفرة”، الذين وُلدوا في العقد الذي أعقب الحرب العالمية الثانية.
ورغم ما أعلنه السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، رون ديرمر، في خطابه، في عام 2021، من أنه “يجب أن يفهم الجميع أن العمود الفقري لدعم إسرائيل في الولايات المتحدة يتمثل في المسيحيين الإنجيليين”، معزيا ذلك إلى “أعدادهم الغفيرة ودعمهم الحماسي والعلني لإسرائيل”، إلا أن الرياح أتت بما لا يشتهيه القادة الإسرائيليون، إذ تشير أبحاث إلى أن هذا العمود الفقري يعاني من أضرار جسيمة غير قابلة للعلاج. ومن البديهي أن إسرائيل تنفق أموالا طائلة من أجل علاج تلك الأضرار.
رغم ذلك، يعي “اللوبي الإسرائيلي” و”المحافظون الجدد” و”الإنجيليون” وسائر أركان التيار الداعم لإسرائيل في الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن الأساس الذي طالما اعتمدت عليها إسرائيل في المجتمع الأمريكي يتآكل، إذ تواصل نسبة الإنجيليين البيض في المجتمع الأمريكي وبين السكان الأمريكيين بوجه عام تراجعها. ومهما يكن من جهود يبذلها اللوبي الإسرائيلي فإنه لا سبيل إلى إعادة هؤلاء الخارجين بعد خروجهم إلى حظيرته.
https://en.yenisafak.com/columns/abdullah-muradoglu/israels-biggest-setback-in-the-united-states-3711368








