خلال فترة الحرب العالمية الأولى، تعرّض المجتمع المصري لعملية نهب استعماري بشع، أدمى كل طبقات المجتمع، كان من نتيجتها اندلاع ثورة الشعب المصري، التي لم يسبق لها مثيل في 9 مارس 1919. ولو تمكَّن قادتها من تحقيق أهدافها في الاستقلال، وإقامة نظام حكم دستوري حقيقي مستقل، لما كانت هناك حاجة لموجة ثورية أخرى عام 1935، أو موجة ثورية ثالثة عام 1946، ولا لثورة شباب الضباط عام 1952.
لقد أخطأ الزعيم سعد زغلول وقيادة الوفد، في أنهم لم يستوعبوا التحول الهائل الذي حدث بين يومي 8 مارس 1919، يوم نفي سعد وصحبه لجزيرة مالطا، ويوم 9 مارس وما بعده، بانطلاق الثورة المصرية العارمة والمنقطعة النظير. فحتى اليوم الأول 8 مارس كان سعد زغلول المتحدث باسم مطالب مصر في إلغاء الحماية، وجمع التوقيعات على توكيل الأمة له ليصبح متحدثا رسميا باسم الأمة، وهو الأمر الذى أدى إلى نفيه.
لكن يوم 9 مارس انطلقت ثورة الشعب عارمة. لكنه ظل يتعامل في القضية الوطنية كمحامٍ بمنطق الدفاع أمام القضاء، كأنها قضية حقوق قانونية، في حين أنها قضية سياسية جوهرها صراع القوة، وقد أمدته ثورة الشعب بقوة لا نظير لها، لكنه فشل في استخدام الأسلوب المناسب، لإدارة الصراع مع الاحتلال البريطاني، برغم انطلاق الثورة التي عجزت القوة العسكرية للاحتلال البريطاني عن قمعها، والتي وصل تأثيرها لخارج حدود مصر، ما أمدّه بقوة كبيرة لتحقيق هدفها. وظل مقيما في باريس، عامين كاملين من أبريل 1919، إلى أبريل 1921. بينما كانت معارك الثورة تدور في كل شبر في مصر، بقيادة القائد الميداني عبد الرحمن فهمي.

وكان تواجده في مصر وقت الثورة -بعد رفض وفود مؤتمر الصلح لقاءه- سيحول دون ظهور الخلافات والمصالح الخاصة أمام الشعب. فقد استقال 13 عضوا من بين أعضاء الهيئة العليا للوفد المصري الثمانية عشر، وكونوا حزب الأحرار الدستوريين عام 1922.
وكان تفاوضه مع لجنة ملنر في القاهرة حين حضرت في 7 ديسمبر مستندا لقوة الثورة أفضل كثيرا من الذهاب إليه في لندن في 5 يونيه 1920، فأخذ ملنر يتلاعب بالوفد المصري، ويفرض شروطه عليهم. وفي نهاية الأمر انتهت بريطانيا إلى تقديم إلى نظام سياسي بتصريح 28 فبراير عام 1922، يقوم على ملكية دستورية، دستورها منحة ملكية وليس باستفاء شعبي، يعطي الملك حق سحبه وحل الحكومة. ويحوِّل قادة البلاد إلى الانشغال بالتنافس على الحكم، عن المطالبة بالجلاء.
ولندرك حجم الثورة المصرية، فقد بَعَث الجنرال اللنبي إلى حكومته في 31 مارس وهو الرجل العسكري الذي بعثته حكومته، لما عرف عنه من مهارة عسكرية لإخمادها. لكنه ولم يكد يمضِ على قدومه بها أسبوعا؛ حتى أرسل ينصحها بضرورة السماح للمصريين بالسفر، والإفراج عن القادة المنفيين. وقبل أن يصل إليه رد حكومته على اقتراحه، عاد فكتب في 4 أبريل مُجددا اقتراحه مرة أخرى، محذرًا حكومته من خطورة الموقف، مشيرا إلى أن الحركة بدأت تؤثر في سوريا وفلسطين، بالإضافة إلى تأثيرها في مصر، وأن الخطر الحقيقي جسيم جدا. هذا في وقت حث فيه حكومته على حث الدول على الاعتراف بالحماية. وانتهى الأمر إلى قبول نصيحة اللنبي. ففي 5 أبريل تلقى اللنبي رد لندن بقبول سياسته. فأطلق سراح سعد ورفاقه فانطلقوا إلى باريس.
وفي يوم 7 ديسمبر1919، وصلت لجنة ملنر لتقصي الحقائق إلى مصر، وقد أحيطت حركتها بالسرية، ففي وسط أجواء الثورة الغاضبة، دخلت الباخرة مالطا المقلة لأعضاء اللجنة ميناء بور سعيد، وقد جاء استقبالها مختصرا فاترا، فاقتصر على اجراءات أمنية مشددة، فقد خصصت الحكومة قطارا خاصا لنقلهم إلى العاصمة، يسبقه قطار آخر للحراسة، وتظلله خمس طائرات حربية! وبينما كان ميدان محطة القاهرة يموج بمظاهرات الاحتجاج والمقاطعة، وقف القطار في محطة شبرا، فنزلوا ودخلوا العاصمة متخفين، فلم يلتفت أحد إلى وصول القطار خاويا.

ويصف المستر سبندر محرر جريدة الوست منستر جازيت وعضو اللجنة، طرفا من نوادرها في مذكراته فيقول: “إن السلطات أحاطت السلطات لحماية الأعضاء، فسارت السيارات من محطة لقاهرة إلى فندق سميراميس، لا تقف لأي سبب. فقد طارت قبعة مدام سبندر، فرفض السائق أن يقف لالتقاطها، وطار غطاء مقدمة السيارة، فرفض السائق أن يقف أيضا، ولما منع الناس من الاقتراب من الفندق، اتخذ شباب وشابات من زوارق النيل، وسيلة لإبداء رأيهم في اللجنة وأعضائها. ولكن المقاطعة لم تمنع اتصال اللجنة بكبار رجال مصر، كما انهمك أعضاؤها في دراسة، ما أعدته مصالح الحكومة من بيانات وتقارير.
وبدأ العمل ضد اللجنة، حتى قبل أن تطأ أقدامها أرض الكنانة. فمنذ أعلنت دار الحماية عن قدومها في مساء 13 نوفمبر 1919، انفجرت المظاهرات في شتى أنحاء البلاد للتنديد بها، وأغلق معظم أصحاب المحلات التجارية محلاتهم، وأضرب الموظفون والمحامون والتجار والطلبة. وتوحّد المصريون حول مقاطعة ملنر، معلنين أن حديثه عن أماني مصر السياسية، يكون مع الوفد المصري وزعيمه. وانصرف الشعب لتنظيم مقاطعة اللجنة، وتفنن وبرع فيها.
غادر الوفد المصري مالطا يوم 14 أبريل لحضور مؤتمر الصلح، ولم يكد أعضاء الوفد يصل إلى مارسيليا في 19 أبريل، حتى فوجئوا بإذاعة نبأ اعتراف الرئيس الأمريكي ويلسون، بالحماية البريطانية على مصر، فصدموا به وتزعزعت ثقتهم في الحلفاء، وكاد اليأس يتسرب إلى قلوبهم، إلا أنهم لم يفقدوا الأمل في عرض قضية مصر على المؤتمر، وواصل الوفد مسيرته إلى باريس. ولم يتلق الوفد ورئيسه ردا إيجابيا على زياراته وطلباته.
من الأخطاء التي وقع فيها سعد زغلول من جهة، وبقية أعضاء الوفد من جهة أخرى، عدم الحفاظ على وحدة الوفد، فقد نشأ الوفد جبهة وطنية في مواجهة الاحتلال، لكن سعد زغلول لم يبذل الجهد الواجب لإدارة الخلافات، وقد تغلّبت النزعة الذاتية عليه وعلى قيادات الوفد، فكان واجبا عليهم جميعا، الحرص على تأجيل الخلافات الشخصية والسياسية، حتى يتحقق الهدف الأسمى وهو الاستقلال وجلاء المحتل، لذلك تمكن الإنجليز من التلاعب بهم جميعا. وقد ساهم في استشراء هذه الظاهرة، طول فترة إقامته خارج البلاد وبعيدا عن ساحة المعركة.

في نوفمبر عام 1935، اندلعت انتفاضة الشباب المصري، التي تفجرت في القاهرة، ثم تجاوبت أصداؤها في كل مديريات ومحافظات مصر بسبب فشل قادة ثورة 1919، في تحقيق أهدافها، وهي “الاستقلال التام والنظام السياسي الدستوري” وتعطيل دستور. وكان من نتائج الانتفاضة المباشرة، عودة دستور 1923، الذي لم يجرِ العمل به، سوى عدة أشهر خلال الفترة 1924 – 1936، فقد عُطِل ثم أُطِيح به بعد استقالة الوزارة الوفدية الأولى لسعد زغلول في نوفمبر عام 1924، التي لم تستمر أكثر من عشرة شهور. كذلك كان من نتائجها عقد معاهدة 1936.
وقد شارك عدد من قادة ضباط ثورة 1952، في ثورة الشباب عام 1935، ومنهم: جمال عبد الناصر، وكمال الدين حسين، وحسن إبراهيم، وجلال ندا، ومحمد رياض، وإسماعيل فريد، ومصطفى بهجت بدوي، ومشهور أحمد مشهور، ولطفي واكد، وأحمد حمروش، ووجيه أباظة وغيرهم . حيث ألقي القبض على بعضهم، وهم طلاب في المدارس الثانوية.
قضت معاهدة 1936 بانتهاء احتلال مصر عسكريا بواسطة القوات البريطانية، وتبادل السفراء بين البلدين، وانضمام مصر إلى عصبة الأمم. وإلى أن يحين الوقت الذي يتفق فيه الطرفان المتعاقدان، على أن الجيش المصري أصبح في حالة يستطيع معها، أن يكفل بمفرده حرية الملاحة في القنال وسلامتها التامة، يرّخص ملك مصر لملك إنجلترا، بأن يضع الأراضي المصرية بجوار القنال قوات، تتعاون مع القوات المصرية لضمان الدفاع عن القنال.
وأن بريطانيا لن تنقل قواتها إلى المراكز الجديدة، إلا بعد قيام الحكومة المصرية ببناء الثكنات الجديدة، وفقا للشروط البريطانية من الناحية العسكرية والاجتماعية، وقيام الحكومة المصرية بمد الطرق لهذه المناطق، ولا يكون لوجود تلك القوات صفة الاحتلال بأي حال من الأحوال. كما اتفق الطرفان على أن تستمر إدارة السودان وفقا لاتفاقيتي عام 1899، ويدخل الطرفان في مفاوضات بناءً على طلب أي منهما، في أي وقت بعد انقضاء عشر سنوات على تنفيذ المعاهدة، بقصد إعادة النظر فيها. وعلى هذا كان التحالف العسكري بين مصر وانجلترا.
وكان اعتراف مصر بالحكم الثنائي القائم في السودان، هو الثمن الذي دفعته مصر في مقابل السيادة التي أضفاها عليها بعضوية عصبة الأمم، وإلغاء الامتيازات الأجنبية طبقا لاتفاق مونتريه الموقّع في عام1937.

ولكن لم يطبق البند الرئيسي في معاهدة 36، وهو الجلاء إلى قاعدة قناة السويس، حيث ظلت معسكرات الاحتلال في قلب القاهرة والإسكندرية، وظل حِكِمْدارا القاهرة والجيزة إنجليزيين حتى عام 1946، حين اندلعت موجة ثورية ثالثة.
ومن جهة أخرى أدّى فرض بريطانيا حكومة الوفد على البلاد -بقوة السلاح- فيما أطلق عليه حادثة 4 فبراير عام 1942، إلى اهتزاز مكانة هذا الحزب العتيد، الذي تزعّم الحركة الوطنية المصرية منذ ثورة 1919، وظهوره بمظهر الخاضع لإرادة المحتل. ما كان له أثر على الرأي العام المصري، وعلى الضباط المصريين بصفة خاصة. هذا بجانب قيام حكومة الوفد باعتقال عددٍ من الأشخاص، وأسرفت في تفسير ضرورة ذلك، فشمل الاعتقال بعض خصومها، دون أن يكون لهم شأن في الإضرار بمجهود الحلفاء الحربي، كما أسرفت أيضا في مكافأة أنصارها من الموظفين، وأساءت إلى الآخرين ممن ليسوا من أنصارها.








