يقدّم القرءان الكريم مفهوما شاملا لمبدأ الاختلاف، بوصفه ظاهرة إنسانية واجتماعية تتّصل بالخلق والتكوين، وبسنن الوجود والحياة، وبمسار الاجتماع البشري عبر التاريخ. والقرءان لا ينظر إلى الاختلاف بوصفه حالةً عابرة ولا ظاهرةً ثانوية؛ وإنما يدمجه في بنية السنن الإلهية التي تنبني عليها حركة الاجتماع الإنساني. ومن ثمّ، فإنّ استقراء صور الاختلاف في القرءان يساعد على فهم العمق الذي يمنحه النصّ لهذه الظاهرة، وكيف تتداخل مع القيم، والهداية، والصراع، والعمران، والابتلاء، والتكامل البشري.
ويتّضح من القراءة المتأنيّة أن التنزيل الحكيم يقدّم الاختلاف في ثلاثة محاور كبرى: اختلاف يتصل بالتكوين والفطرة، واختلاف يتصل بالاعتقاد والقيم، واختلاف يتصل بالسلوك الاجتماعي وتنوّع الاجتهادات، وما ينشأ عن ذلك من سننٍ للتدافع والتمييز والنهوض. ومن هنا، تتعدد صور وأبعاد الاختلاف، أي الاختلاف بوصفه سُنَّة اجتماعية تعمل على تشكيل حركة التاريخ والنهضة والانحدار.
واللافت، أن القرءان الكريم لا يكتفي بإثبات وجود الاختلاف؛ بل يحدّد وظيفته، ويبيّن آثاره، ويُظهر كيف يستثمره الإنسان إمّا في البناء أو في الإفساد، وكيف تحكمه سننٌ دقيقة تعبّر عن قوانين الاجتماع البشري في نظر القرءان.
أولا: الاختلاف بوصفه سُنَّة فطرية اجتماعية
ومن أبرز الآيات التي تشير إلى أن تنوّع البشر واختلافهم سنّة من سنن الله، قوله سبحانه وتعالى: “وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ٭ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ…” [هود: 118-119]. فهذه الآية الكريمة تجسّد الخطوط الأولى للمفهوم: الاختلاف ليس عارضا، ولكن هو لازم من لوازم الاجتماع الإنساني؛ إذ إن كلمة “وَلَا يَزَالُونَ” تدل على الامتداد والاستمرار، أي إن البشر سيبقون في تنوّع وتفاوت لا ينفكّ، وأن وحدة البشر جميعا على نمط واحد ليست من مقتضى سنن الخلق.
ويتجاوز القرءان هذه الحقيقة لإبراز وظيفة هذا الاختلاف، كما في قوله سبحانه: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ” [الحجرات: 13]. هنا، تظهر أولى الوظائف الاجتماعية للاختلاف: “لِتَعَارَفُوٓاْ”؛ وهو مفهوم اجتماعي واسع، لا يقف عند مجرد تبادل المعرفة، بل يمتدّ إلى التكامل والتفاعل والتعاون. فالاختلاف بين الشعوب والقبائل ليس سببا للتنافر، وإنما أرضية لبناء شبكة العلاقات الإنسانية.
هذه الرؤية تؤسس لمبدأ اجتماعي مهمّ: إن الاختلاف جزء من البناء الحضاري، وليس بالضرورة مدخلا للصراع. لكن القرءان -في الوقت نفسه- لا يغفل أنّ هذا الاختلاف قد ينقلب صراعا، وإن تدبيره يحتاج إلى قيم وضوابط.
ثانيًا: اختلاف المدارك الإنسانية وتنوع الاجتهادات
إذ يركّز القرءان على البعد العقلي في تفسير الاختلاف، وعلى أنّ مدارك الناس متفاوتة، وطرائق نظرهم إلى الوقائع متعددة، وأن هذا التنوّع من طبيعة الاجتماع الإنساني.
ومن الآيات البليغة في ذلك، يأتي قوله تعالى: “أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ” [الزخرف: 32]. وإن كانت الآية في سياق الرزق، فإن مفهوم “دَرَجَٰتٖ” يشمل المواهب والاستعدادات والعقول. وهذا التفاوت ينعكس مباشرةً على فهم الناس، واتجاهاتهم، وقراراتهم، واختياراتهم.
وفي آية أخرى، يربط القرءان بين الاختلاف المعرفي وبين وظيفة الإنسان في الوجود؛ فيقول عزَّ وجل: “… وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ” [المائدة: 48]. فالمسألة، هنا، تتجاوز مجرّد القبول بالاختلاف إلى جعله أداة للاختبار الاجتماعي: اختبار للعدل، للحرية، للتسامح، ولإقامة الحقّ. ولا يطلب القرءان من الناس أن يُلغوا هذا الاختلاف، ولكن أن تتم إدارته بالحق، وأن يُصبح مجالا للتنافس البنّاء؛ بدليل الأمر الإلهي: “فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ”.
ثالثا: الاختلاف المؤدي إلى التدافع الاجتماعي
من أهم السنن الاجتماعية في القرءان سنّة “التدافع”، التي تتجلّى في قوله عزَّ من قائل: “… وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ” [البقرة: 251]. وهذه الآية تكشف عن جانب جوهري من الاختلاف: إنه قد يتحوّل إلى صراع، ولكن هذا الصراع نفسه يتحوّل ـ إذا وُضع في إطار القيم ـ إلى آلية لحفظ العمران. فالاختلاف، إذا لم يُضبط بقيم الحقّ، يمكن أن ينقلب إلى طغيان وتسلّط؛ أما حين يوجّه، يصبح سببا في منع الفساد، وفي توازن القوى الاجتماعية.
بعبارة أخرى، يقوم تاريخ الإنسانية -من منظور قرءاني- على هذا التفاعل بين القوى الاجتماعية المختلفة؛ وهو ما يتبدى بوضوح في قوله سبحانه وتعالى: “إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ” [آل عمران: 140]. إذ إن “التداولية” هنا التي تؤكدها الآية الكريمة “وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ”، هي تعبير عن حركة اجتماعية مستمرة: صعود وانحدار، قوّة وضعف، غلبة ومغلوبية، ترجع كلها إلى اختلاف القوى، والقيم، والمناهج، وهو اختلاف له أثره البالغ في مسار الأمم.
رابعا: اختلاف الأمم وسُنَّة الابتلاء الاجتماعي
يقدّم القرءان سردا واسعا لاختلاف الأمم في مواقفها من الرسالات، وهو اختلاف اجتماعي أكثر منه فرديا؛ وهو الاختلاف الذي يرد في القرءان عبر عددٍ من المشاهد بشأن تباين المواقف، كما في قوله سبحانه بخصوص قوم نوح عليه السلام: “فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ” [هود: 27].. وكما في قوله تعالى بخصوص قوم صالح عليه السلام: “قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٭ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا بِٱلَّذِيٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ” [الأعراف: 75-76].
في هذين المثالين وغيرهما، يُبرز التنزيل الحكيم الاختلاف في البني الاجتماعية: الاختلاف بين الملأ والعامة، والاختلاف بين المترفين والمستضعفين، والاختلاف بين عقلية السلطة وعقلية الإصلاح؛ ولعل كل ذلك يشير إلى أنّ الاختلاف الاجتماعي في القرءان الكريم يتّخذ شكلا بنيويّا، لا مجرّد اختلاف أفراد.
ومن الآيات الجامعة في هذا السياق القرءاني قوله تبارك وتعالى: “فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٭ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ” [الزلزلة: 7-8]. هذه الآيات وإن كانت في سياق الحساب الأخروي، فإنها تعكس مبدأً اجتماعيا قرءانيا مُهمًّا: إن الاختلاف في الأفعال ينتج اختلافا في النتائج، وإن سلوك المجموعات البشرية له تبعات تاريخية، وهو ما يرد في القصص القرءاني بوصفه سنّة، كما في قوله سبحانه: “فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ” [العنكيوت: 40].
وللحديث بقية.








