ظهيرة الاثنين الماضي.. عاد صخب الرصاص والاشتباكات العنيفة؛ ليعلن عن نفسه عند المدخل الشمالي لمدينة حلب، وهي المدينة التي عانت طويلا لتعود إلى الحياة. كانت المواجهات هذه المرة بين قوات الأمن السورية التابعة لحكومة أحمد الشرع من جهة، وقوات “قسد” (قوات سوريا الديمقراطية) من جهة أخرى؛ في تذكير قاسٍ بأن جمر الصراع في شمال شرق سوريا لم يُخمد، ولكنه يكمن تحت رماد هش من الاتفاقات المؤقتة.
وبالطبع، سرعان ما تبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار، قبل أن تنجح اتصالات التهدئة في إصدار أوامر من كلا الجانبين بوقف إطلاق النار الانتقامي. لكن هذا التوقف السريع لا يعني حلا، وإنما هو مؤشر على حالة من التوتر القابل للانفجار في أي لحظة. ومن ثم، تدفع هذه الحادثة، ضمن سياقها الأوسع، إلى التساؤل مجددا عن مصير الاتفاق الأهم الذي كان من المفترض أن يرسم خريطة المستقبل: اتفاق 10 مارس 2025، الذي بقي حبرا على ورق.
فما أسباب هذا التعثر التاريخي؟ وهل هناك أفق حقيقي للتوافق، أم أن عوامل الصراع أقوى؟
اتفاق 10 مارس
كان اتفاق 10 مارس 2025، الذي تُفُوِضَ عليه بمشاركات إقليمية ودولية، يمثل لحظة أمل نظرية لحل أحد أبرز ملفات الانشقاق “الجغرافي-العسكري” في سوريا. وعد الاتفاق بخطوات تهدف إلى “تطبيع” الوضع في مناطق “قسد”، عبر إدماج تدريجي وإدارة محلية، مقابل ضمانات أمنية وحقوقية. لكنه تحول إلى وثيقة مجمدة.
ولعل أسباب ذلك تعود إلى جذور عميقة ومتشابكة.
من جانب، يبدو انعدام الثقة بين دمشق وقسد.. حيث تعيش دمشق وقسد في واقع انعدام ثقة تام. تنظر دمشق إلى قسد ككيان انفصالي مدعوم من قبل قوة خارجية (الولايات المتحدة)، استغل فراغ السلطة خلال الحرب. بينما ترى قسد في حكومة دمشق نظامًا لن يتردد في الانتقام ومحو أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية، خاصة الكردية، حال حصوله على الفرصة، كما تعتقد. ويكفي أن نُلاحظ عبارة “الفصائل المحسوبة على دمش”، التي وردت في بيان قسد الصادر بشأن وقف إطلاق النار، لنتأكد كيف ترى قسد حكومة دمشق. وبالتالي، يبدو أن الاتفاق، بالنسبة للطرفين، هو هدنة تكتيكية وليس خطوة نحو شراكة حقيقية.
أضف إلى ذلك، أن ملف دمج قوات قسد (وحدات حماية الشعب سابقا)، في مؤسسات الدولة السورية، أو حتى تشكيل قوة أمن محلية تحت مظلة رسمية، العقدة الأصعب. إذ، تصر حكومة دمشق على ضرورة السيطرة على السلاح والحدود، بينما ترى قسد في قواتها الضمانة الوحيدة لبقائها وضمانة أي اتفاق سياسي. ما حدث في حلب هو تجسيد لهذه المعضلة: من يتحكم فعليًا بالأمن على الأرض؟؛ ومن له الحق في نشر قواته وأين؟
الاقتصاد والخارج
من جانب آخر، هناك التدخلات الإقليمية والدولية المتقاطعة.. إذ يُمثل ملف شمال شرق سوريا ساحة تصادم مصالح دولية. الوجود العسكري الأمريكي الداعم لـ”قسد”، كمورد لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، يمنح الأخيرة ورقة ضغط، ولكنه يزيد من حدة رفض دمشق والمصالح الروسية والإيرانية للوضع القائم. في المقابل، يخشى الطرف الكردي من أي صفقة روسية – تركية، أو أمريكية- على حسابه. هذا التدخل الخارجي المتعدد، يجعل أي تفاوض مباشر بين دمشق وقسد رهنا بإشارات خضراء أو حمراء من عواصم أخرى، مما يُفرغ الاتفاقيات من محتواها العملي.
إلى جانب ذلك، تلعب تركيا دورا غير مباشر في تعقيد المشهد. فأنقرة تنظر إلى قسد باعتبارها امتدادا لحزب العمال الكردستاني، وتعارض أي صيغة تمنحها شرعية دائمة أو دورا موسعا قرب حدودها. هذا الموقف يضغط على دمشق أيضا، التي تحاول الموازنة بين تقليص النفوذ التركي شمالا، وعدم السماح في الوقت ذاته بترسيخ كيان عسكري – إداري مستقل خارج سلطتها. نتيجة لذلك، يبقى أي تقارب مع قسد محكوما بسقف منخفض، لا يسمح بتحول الاتفاقات المؤقتة إلى تسويات مستدامة.
من جانب أخير، هناك الواقع الاقتصادي والثروة، التي تتميز بها مناطق قسد.. حيث تسيطر قسد على مناطق حيوية تحتوي على أغلب الثروات النفطية والزراعية السورية. ومن ثم، فإن أي اتفاق شامل مع دمشق يعني حتما تقاسما أو عودة سيطرة حكومة دمشق على هذه الموارد. هذا الأمر لا يمثل تحديا اقتصاديا فحسب، وإنما هو مصدر قوة مالي وإداري تمكنت قسد من خلاله من إدارة مناطقها. التفريط بهذه الورقة الطاقية والاقتصادية، دون ضمانات سياسية وأمنية كافية، يعتبر مستحيلًا من وجهة نظر قوات قسد.
إمكانات التوافق
انطلاقا من هذه المعطيات، يبرز السؤال الجوهري: هل هناك إمكانية حقيقية للتوافق بين الطرفين، أم أن العوامل المانعة أقوى من فرص التفاهم؟
الواقعية السياسية تشير إلى أن التوافق الكامل، بمعناه السياسي الشامل، ما زال بعيد المنال. فالفجوة في الرؤى حول مستقبل الحكم، وطبيعة الدولة، ودور القوى المحلية، لم تُردم بعد. غير أن ذلك لا يعني استحالة الوصول إلى صيغ تفاهم جزئية ومستقرة نسبيا، خاصة في الملفات الأمنية والخدمية.
إمكانية التوافق تزداد كلما أدرك الطرفان أن الصدام المفتوح ليس خيارًا رابحًا. فالتجربة أثبتت أن أي مواجهة واسعة في محيط حلب ستستنزف الجميع، وتفتح الباب أمام تدخلات أوسع، وتعيد خلط الأوراق على نحو غير مضمون. من هذا المنطلق، قد يشكل الضغط الدولي، لا سيما من موسكو وواشنطن، عاملا دافعا نحو تثبيت تهدئة طويلة الأمد، حتى إن بقيت الخلافات السياسية قائمة.
في المقابل، تبقى عوامل المنع حاضرة بقوة، وعلى رأسها غياب إطار سياسي جامع، واستمرار منطق الأمر الواقع، وتعدد اللاعبين الإقليميين والدوليين. ما لم يتحول اتفاق 10 مارس 2025 من ورقة أمنية مؤقتة إلى جزء من مسار سياسي أو إداري أوضح، فإنه سيظل عرضة للاهتزاز مع كل حادث ميداني جديد، كما حدث في ديسمبر 2025.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن اشتباكات مدخل حلب الشمالي لم تكن مجرد خرق لوقف إطلاق النار؛ بل مؤشرا على عمق الأزمة بين دمشق وقسد. إذ، تشير اشتباكات حلب، وتعثُّر اتفاق 10 مارس، إلى أن المسار الحالي يسير نحو “هدنة طويلة غير مستقرة”، وليس نحو سلام أو توافق شامل. من المرجح أن يستمر نمط من التفاهمات الميدانية المؤقتة والاتصالات الأمنية لاحتواء الاشتباكات، بينما يبقى الجوهر السياسي والاقتصادي والأمني معلقا.








