أحدثت حرب 1948، تأثيرا كبيرا في السياسة المصرية، وقد تناول أحداثها في ذكرياته كمال الدين حسين، وقد كان أركان البكباشي أحمد عبد العزيز قائد المتطوعين. وهو ما سيذكره باستفاضة. من جهة أخرى كان لهزيمة الجيش في حرب 1948، تأثيرا على نشر السخط بين الضباط فيقول دكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق وأحد الضباط الأحرار المشاركين في حرب فلسطين: “كانت مهمة الجيش هي رعاية الأمن داخل البلاد، فلم تكل إليه مهمة غيرها، وقد حال ذلك بغير شك، دون أن يكون الجيش على أهبة الاستعداد، لخوض معركة حربية. لذلك لم تستطع القيادة المصرية أن تعد نفسها للمعركة في فلسطين، غير (مجموعة لواء مشاة) تعاونها بعض الوحدات المدرعة، لإن سائر القوات في الجيش منوط بها حفظ الأمن الداخلي، وحماية القاعدة، وخطوط المواصلات في أنحاء البلاد. وكانت الذخيرة التي بين يدي الجيش، حينذاك خمسة عشر يوما للمدافع، وشهرا للبنادق والرشاشات، وكان نحو60% من مركبات الجيش صالحة، ولا تفي بمطالب مجموعة اللواء. وعلى الرغم من أن تدريب الفرد على القتال كان مُرضيا، فإن تدريب الوحدات والأسلحة المختلفة على المشاركة سويا في القتال، كان غير ذي جدوى، لأن وحدات الجيش لم تكن قد شاركت من قبل في مناورات على مستوى مجموعة لواء. وكانت القوات الجوية على حال لم يسمح لها، بأكثر من معاونة مجموعة اللواء، للقيام بأعمال الاستطلاع ومهاجمة الأهداف الأرضية الحيوية، على حين أن القوات البحرية كانت ماتزال في بدء نشأتها”.
ويؤكد هذا ما ذكره الدكتور ثروت عكاشة في مذكراته، حيث يقول: “عدنا إلى القاهرة بعد أمل ضاع، حزانى موتورين وفي نفوسنا ثورة لم نستطع التعبير عنها، فقد تضافر الاستعمار العالمي مع الحالة السياسية المصرية المضطربة المزرية، والموقف الرث لأساليب الحكم في الدول العربية عامة، ونتج عن ذلك كله الهزيمة الشاذة، التي لم تكن في واقع الأمر هزيمة عسكرية، بل هي تخاذل وتخبط للسياسة العربية كلها.
ثم جاءت سنة 1950-1951 فإذا طابع المرحلة هو القلق، حيث بدت مصر أمام الضعف الداخلي، لا تعرف ماذا تريد؟ ولا ترى أمامها سبيلا، ولم يعد هناك شك في أن مصر قد أصبحت في حالة ثورة.
وقد كان موقف حكومة الوفد حرجا بعد فشل المفاوضات في أكتوبر عام 1951، وأعلن حزب الوفد والحكومة المقاومة في منطقة القناة، وبدون أي استعداد سابق.
وفي 25 يناير 1952 وقع العدوان البريطاني الوحشي على مديرية أمن الإسماعيلية، وقد كان حريق القاهرة في اليوم هو الذي يمكن اعتباره، النهاية التاريخية للنظام الملكي في مصر، وللقوى الاجتماعية والسياسية التي تعاونت معه، ابتداءً من تصريح 28 فبراير 1922. فقد كانت الأحزاب السياسية على الساحة المصرية، والتي كانت ممثلة في البرلمان، عشية حريق القاهرة، في ظل وزارة الوفد الأخيرة هي: الوفد، والأحرار الدستوريين، والهيئة السعدية، وحزب الكتلة الوفدية، والحزب الوطني، والحزب الاشتراكي. أما الأحزاب والجماعات الأخرى خارج البرلمان، فهي جماعة الإخوان المسلمين، التي كان قد صدر قرار بحلها عام 1948، ثم ألغته حكومة الوفد الأخيرة، ثم الجماعات والأحزاب الشيوعية، التي كانت تباشر نشاطها من خلال تنظيمات سرية متصارعة، وهي تنظيمات ممنوعة قانونا.

في 26 يناير 1952، طلب الملك من النحاس باشا رئيس الحكومة إعلان حالة الطوارئ، بعدها أقال حكومة الوفد وحل البرلمان المنتخب. ثم أخذ يعيِّن حكومات ويُقيلها أربع مرات خلال ستة أشهر. فكان نجاح الضباط في الاستيلاء على السلطة، أحد نتائج فشل الأحزاب التي تتبادل الحكم، في حل أزمات مصر السياسية والاجتماعية. وقبل فجر الثالث والعشرين من يوليو 1952، كان النظام القديم قد لفظ أنفاسه، بضربة واحدة بواسطة مجموعة صغيرة من صغار الضباط، ولم يبق سوى مواراة جثمانه التراب، بعد أن تتخذ الترتيبات اللازمة لمراسم الجنازة والدفن. وهو ما حدث فعلا من خلال سلسلة من الاجراءات الحاسمة والمتلاحقة صدرت تباعا، كان من أهمها؛ عزل الملك، وحل الاحزاب، وإلغاء الدستور، ثم إعلان قيام النظام الجمهوري، ودستور 1956.
كانت الفترة بين 1935، وقيام ثورة 1952، هي أدق فترة في تاريخ مصر الحديث، وهي الفترة التي تدرّج فيها الوعي السياسي لشباب الضباط، فقد حدث خلالها تدهور في أوضاع الأحزاب السياسية القائمة، وظهرت جماعات ثورية متعددة، مهدت للتغير الثوري الشامل. حيث نفّذه نفر من شباب الضباط في 23 يوليه عام 1952.
والسؤال متى ولماذا وكيف بدأ تسييس الضباط؟ يقول محمد حافظ إسماعيل: “في خريف عام 1935، اجتزت أبواب المدرسة الحربية، وكانت تلك أولى خطواتي نحو الالتحاق بفيلق الضباط، وبداية طريق طويل وشاق. ثم يقول: “واحتوانا -وكنا ثلاثين طالبا- فناء المدرسة الرحب، وكان التحاق هذا العدد بالمدرسة، يثير التساؤل حول احتمالات المستقبل، فلم تكن دفعات المدرسة الحربية حتى آنذاك، تتجاوز 12- 15 طالبا.
ثم يضيف: “وفي مطلع العام الدراسي الجديد في سبتمبر 1936، وقد أصبحت صف الضابط الأقدم في القسم النهائي، بينما أخذنا نستقبل ثلاث دفعات متتالية من الطلبة الجدد، تجاوز عددهم المائتين وخمسين طالبا. وكان ذلك مرتبطا بحاجة بريطانيا لضباط مصريين بعد استيلاء إيطاليا على الحبشة عام 1935، بجانب احتلالها لليبيا على حدود مصر الغربية.

ويفسر خالد محيي الدين، كيف بدأ الضباط يهتمون بالسياسة؟ فيقول: “في الفترة 1936- 1938، تدفق على الكلية الحربية كثير من أبناء الطبقة المتوسطة، وربما الفئات الدنيا منها (صغار موظفين – متوسطي وصغار ملاك – تجار متوسطين… وهكذا). وبعد أن كانت الدراسة بها شكلية، تُخَرِّج ضباطا ليس مطلوبا منهم أية واجبات قتالية أو عسكرية حقيقية، أصبحت البرامج أكثر جدية. وسرعان ما ذخرت الكلية، أساتذة وطلابا بموجة وطنية عالية”.
ويضيف: “كانت الحرب العالمية الثانية تطل على الجميع لتروعهم، وبدأنا في مناقشاتنا الليلية نتحدث عن مشكلة *السوديتوهولندا وهتلر والإنجليز. ثم اشتعلت الحرب وبدأت خريطة العالم تعلن في ساحة الكلية، وعليها أسهم بتحرك القوات. ولابد لذلك كله أن يخلق مجالا للمناقشة والمشاعر والأفكار.
ثم كان حادث 4 فبراير 1942، إهانة مريرة لمصر وللملك وللجيش… فالإنجليز حاصروا قصر عابدين بالدبابات – ربما كانت ذات الدبابات التي أخذوها منا – وعندما تصدى لهم ضابط الحرس الملكي أحمد صالح حسني، قبضوا عليه ودخلوا بالقوة، وهناك أملى اللورد كيلرن، إرادة بريطانيا على الملك، وأمر بدعوة النحاس باشا لتشكيل وزارة وفدية. ويذكر خالد محيي الدين: “أن محمد نجيب أكد أكثر من مرة، أن 4 فبراير نقطة تحول في حياته. كما أن عبد الناصر أكدها كثيرا.. وأنا كذلك أقرر، كان حادث 4 فبراير نقطة تحول في حياتي”.
تألف تنظيم الضباط الأحرار، جبهة وطنية سياسية داخل الجيش، تضم مختلف الاتجاهات، ولعب دور تنظيم سري فعال، لا يستند إلى قوة حزبية أو سياسية محددة، برغم ارتباط الكثير من أعضائه، ببعض الأحزاب والاتجاهات السياسية، لكنهم انضموا أفرادا. ولقد استخدم التنظيم قوة الدولة ذاتها، في الانقضاض على النظام السياسي وتقويضه. وتحوّل إلى مجلس لقيادة الثورة، حيث اكتسب الشرعية من الحركة الثورية ذاتها، باعتبارها حركة تحرر وطني، ومن تأييد الشعب؛ بل وتأييد الأحزاب ذاتها في البداية.
ويمكن تلخيص هذه الأهداف في التخلص من الوجود البريطاني، والتخلص من فساد النخبة الحاكمة، ومن أسباب الهزيمة في حرب فلسطين عام 1948. ولم تشأ مجموعة الضباط أن تضع برنامجا تفصيليا في تلك المرحلة، التي اتسمت بالطابع السرى.. ويبدو طبيعيا أن تُستمد أفكارهم ومبادئهم، من القاسم المشترك الذى نادت به هذه التنظيمات الشعبية وقتها. فكان تنظيم الضباط، صورة مصغرة لها داخل الجيش. ومشروعا لجبهة وطنية، لم تستطع الحركة الحزبية أن تحققه، في الدائرة الأوسع لنشاطها بين الجماهير.

ومن هنا كان القضاء على الاستعمار وأعوانه، وعلى الاقطاع وسيطرة راس المال على رأس أهداف الجبهة الوطنية داخل الجيش، والتي عرفت بالضباط الاحرار”.
للأسباب السابق تناولها، نشأ هذا الجيل من الضباط، إضافة إلى ثقافته الاستراتيجية التي تلقاها، تنظر إلى الصراع الدولي والحركة الاستعمارية نظرة استراتيجية شاملة، تستفيد من تناقض مصالح القوى الكبرى، وتجمع بين التفاوض والكفاح المسلح والتحالفات الدولية. والتي يشير إليها كتاب دراسات استراتيجية – الشرق الأوسط في مهب الرياح لضابطين من الصف الثاني في تنظيم الضباط الأحرار، أصدره عام 1949، مدرسان في مدرسة المشاة، وهما يوزباشي صلاح محمد نصر، ويوزباشي كمال الدين الحناوي. وعناوين موضوعات الكتاب تعبر عن ثقافة سياسية جديدة.*والتي تعاملت بفكر مختلف عن جيل الحقوقيين من قادة ثورة 19 والتي ظلت تفاوض المحتل البريطاني خلال أكثر من ثلاثين عامًا .
* شكلت منطقة السوديت Sudetenland محور نزاع بين ألمانيا النازية وتشيكوسلوفاكيا قبيل الحرب العالمية الثانية.
الكتاب يتكون من أحد عشر بابا، الباب الأول يتناول العامل الجغرافي ويتضمن ملامح الشرق الأوسط – التوسع الاستعماري السياسي والتجاري – الاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا ، الباب الثاني بريطانيا والشرق الأوسط: مصالح بريطانيا في البحر المتوسط – المعاقل الأربعة التي تؤثر على سلامة الإمبراطورية البريطانية – المسألة المصرية – ارتباط مصر ببريطانيا – مصر بعد الحرب العالمية الثانية، الباب الثالثة فرنسا والشرق الأوسط: أزمة الجزيرة وأغادير – مصالح فرنسا في البحر المتوسط ، الباب الرابع: إيطاليا والشرق الأوسط : اتحاد إيطاليا – إيطاليا من بعثها إلى موسوليني – مصالح إيطاليا غي البحر المتوسط -معاقل إيطاليا غي البحر المتوسط – إيطاليا والحرب العالمية الثانية ، الباب الخامس : الولايات المتحدة والشرق الأوسط : المصالح الثقافية – المصالح البترولية – خطوط الطيران الأمريكية ، الباب السادس : روسيا والشرق الأوسط : المسألة الشرقية وحر القرم – روسيا والمسألة الشرقية – أزمة البوسنة – الفترة من اتحاد البلقان حتى الحرب العالمية الأولى – مصالح روسيا في الشرق الأوسط ، الباب السابع : الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى : الثورة العرابية – تركيا الجديدة – إيران ميدان الصراع بين الدول الكبرى -البلقان ، الباب الثامن : الشرق الأوسط والحرب العالمية الثانية ، الباب التاسع : مشاكل غي الشرق الأوسط : مشكلة فلسطين – مشروع سوريا الكبرى – مشكلة المضايق – مشكلة البترول ، الباب العاشر: منظمات عالمية وإقليمية :هيئة الأمم المتحدة – جامعة الدول العربية ، الباب الحادي عشر : اعتبارات استراتيجية .








