رؤى

الحق الإسلامي في الاختلاف.. محاولة تأسيسية

يُمثّل كتاب “الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري”، للمفكر المغربي طه عبد الرحمن، لحظةً فارقة في مشروعه الفكري الذي يُعرف بـ”فقه الفلسفة”، أو “الفلسفة الإيمانية”. لا ينطلق الكتاب، الذي صدر عام 2005 عن المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء بالمغرب، من سجالٍ سياسي أو دفاعٍ انفعالي عن الإسلام؛ وإنما من رؤيةٍ فلسفية عميقة تهدف إلى تأسيس “حق” الاختلاف انطلاقا من مرجعية إسلامية، لكن ليس بمعنى الحق القانوني أو السياسي فحسب؛ بل بمعنى “الحقيقة” و”الحقانية” الأخلاقية والمعرفية. إنه حقٌ تُسنده أدلة عقلية وشرعية، ويُؤسس لضرورة الاختلاف بوصفه قيمةً عُليا وليس مجرد واقعٍ يُرغم عليه.

الكتاب هو نقدٌ جذري للأنماط السائدة من الخطابات الإسلامية التي تتعامل مع الاختلاف، إما بقمعٍ وإقصاء، أو باستيراد مناهج غربية تفتقر إلى الأسس الأخلاقية والإيمانية الكافية. لذلك، يأتي الكتاب ليتناول “الواقع الكوني” من أكثر من زاوية نقدية، أهمها: “النقد الإيماني”، و”النقد الأخلاقي”.

النقد الإيماني

يبدأ عبد الرحمن بتشخيصٍ دقيق لما يُسميه “الواقع الكوني”، وهو واقع العولمة والهيمنة الغربية الذي يُفرض على العالم بأسره، بما فيه الأمة الإسلامية. هذا الواقع ليس محايدا؛ بل هو محمّل بمنظومة قيمية وفكرية غربية تتصادم، في كثيرٍ من الأحيان، مع الثوابت الإسلامية.

في هذا الواقع، كما يرى عبد الرحمن، يواجه المسلمين ثلاثة مواقف رئيسة: الموقف الائتماني، وهو موقف الانبهار والتبعية الكاملة للغرب، حيث يستهلك منتجاته الفكرية دون تمحيص.. الموقف الائتماني المضاد، وهو موقف الرفض المطلق والانكفاء على الذات، والتحصن خلف جدران التقليد.. الموقف النقدي، وهو الموقف الذي يتبناه طه عبد الرحمن، وهو موقف التفاعل الإيجابي مع هذا الواقع، ولكن من خلال “النقد الإيماني”.

وهنا، يقدم المؤلف مفهومه المحوري “النقد الإيماني”؛ مؤكدا أن هذا النقد ليس مجرد تحليلٍ عقلي مجرد، وإنما هو نقدٌ تتلبّسه “العبودية لله”، أي إنه ينطلق من الإيمان بالله؛ مصدرا للمعرفة والقيمة. فالمسلم، في حواره مع الآخر، لا يكون محايدا، ولكن يحمل همّ “التوحيد” و”الاستخلاف” في الأرض. النقد الإيماني يفحص الأفكار والمنتجات الحضارية الغربية، ليس فقط بمعيار الصحة والخطأ المنطقي؛ بل بمعيار “موافقتها لمقتضى الإيمان” أو تعارضها معه.

ويُعرِّف عبد الرحمن “الإيمان” هنا ليس بوصفه مشاعر فردية فحسب، ولكن ممارسة عملية و”خلق” يتجلى في السلوك والفكر. لذلك، فإن النقد الإيماني يبحث عن “الروح الإيمانية” في أي فكرة أو نظام. على سبيل المثال، عندما نناقش مفاهيم مثل الديمقراطية أو حقوق الإنسان، لا يكفي أن ننظر في آلياتها الإجرائية؛ بل يجب أن نسأل: ما الأسس الأنطولوجية (الوجودية)، التي تقوم عليها؟؛ هل تُقدس الإنسان وتُطلقه من كل قيد (كما في النزعة الإنسانية العلمانية)، أم تربطه بخالقه وتجعله مسئولا أمامه؟

ومن ثم، يصل عبد الرحمن إلى خلاصة مفادها أن المسلم مُطالب بأن يكون “فاعلا” وليس “منفعلا” في ساحة الفكر العالمية؛ وأن أداته في ذلك هي “النقد الإيماني” الذي يجعله يمتلك رؤيةً من داخله، لا من خارجِه، فيفحص الواقع الكوني ويتفاعل معه دون أن يذوب فيه، مستندا إلى يقينه بأن “الحق” الذي يبحث عنه هو ما وافق حكم الله وشرعه، لا ما وافق الأهواء والاتجاهات السائدة.

وبالتالي، فهو يسعى إلى إظهار أن “الخصوصية الإيمانية” ليست فقط مجموعة شعائر ومعتقدات؛ بل إنها إطار تفسيرٍ ومنطوق للتجربة الكونية، يختلف عن الإطار العلماني الغربي. وبعباراته: “هناك “خصوصية جامِعة” للإيمان تُمكّن الأمة من الإجابة عن أسئلة زمانها، دون أن تكون مراوحة في العزلة”.

النقد الأخلاقي

إذا كان “النقد الإيماني” قد أسس لمرجعية الإيمان في النقد، فإن “النقد الأخلاقي” يبني عليه مركزية هذا النقد؛ إذ هنا ينتقل عبد الرحمن من دائرة “الإيمان” إلى دائرة “العمل” المتجسد في الأخلاق. فالواقع الكوني الغربي، برأيه، يقوم على “العقل المجرد”، أو “العقل الآلي”، الذي فصل بين المنطق والأخلاق. هذا العقل أنتج تقدما تقنيا مذهلا، لكنه أنتج أيضا أزماتٍ وجودية وبيئية واجتماعية خانقة لأنه فقد بوصلة “القيم”.

وبالتالي، يُقابل عبد الرحمن بين مفهومين:

– “العقل المجرد” (العقل الأداتي): وهو العقل الذي يهتم بالوسائل والآليات والكفاءة، بصرف النظر عن الغايات والقيم. هذا العقل هو سيد الموقف في الحضارة الغربية الحديثة.

– “العقل المسدد” (العقل الأخلاقي): وهو العقل الذي لا يعمل بمعزلٍ عن القيم والأخلاق؛ بل هو مرتبطٌ بها ارتباطا جوهريا. فالحكمة عنده ليست في تحقيق المنفعة فقط، ولكن في تحقيق المنفعة ضمن إطار “الصلاح” و”الخير”.

من هنا، يطرح عبد الرحمن “النقد الأخلاقي” باعتباره أداةٍ ضرورية لمواجهة إفرازات “العقل المجرد”. هذا النقد لا يكتفي بسؤال “كيف تعمل هذه الآلية؟”؛ وإنما يسأل أسئلة أعمق: ما الغاية من هذا الفعل أو هذا النظام؟؛ ما آثاره على تزكية النفس؟؛ هل يُقوي الروابط الاجتماعية أم يهدمها؟؛ هل يُحقق العدل أم يكرس الظلم؟

ومن ثم، يطبق هذا النقد على العديد من القضايا؛ فعندما يناقش حرية التعبير، لا يرفضها بالمطلق، لكنه ينتقد المفهوم الغربي الذي يجعلها “مطلقة” وغير مقيدة بضوابط الأخلاق والإيمان. فالحق الإسلامي في الاختلاف، في رؤية عبد الرحمن، هو “حقٌ أخلاقي”، أي إنه مقرونٌ بالمسئولية. للفرد حق الاختلاف، ولكن عليه واجب أن يلتزم بآداب الحوار، وأن يتحرى الصدق، وأن يقصد الخير، وأن يتجنب الضرر. فالاختلاف، هنا، ليس غاية في ذاته، ولكن هو وسيلة للتعارف والتكامل وابتغاء الفضيلة.

في هذا السياق، يصل المؤلف إلى نتيجة مركزية، وهي أن “الحق في الاختلاف” لا يمكن أن يكون مجرد نسخة عن “الليبرالية” الغربية، لأنه في الإسلام يكون محكوما بإطارٍ أخلاقي راسخ مصدره الوحي. هذا الإطار هو الذي يمنع الاختلاف من أن يتحول إلى صراعٍ هدّام أو فوضى قيمية؛ إنه اختلاف من أجل “التعارف” كما جاء في القرآن، في قوله سبحانه وتعالى: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ” [الحجرات: 13].

الحق الإسلامي

من خلال كل من النقد الإيماني والنقد الأخلاقي، ينجح طه عبد الرحمن، في محاولة تأسيس حق إسلامي أصيل في الاختلاف؛ إذ ينجح في تأسيس ركيزتين أساسيتين للمشروع الفكري الإسلامي في التعامل مع الاختلاف والواقع المعاصر:

– الركيزة الإيمانية: التي تجعل من “التوحيد” و”العبودية لله” المنطلقَ والمرجعَ الأول في كل حوارٍ ونقد؛ فهي تضبط البوصلة وتضمن أن يكون الفكر خادما للدين، لا العكس.

– الركيزة الأخلاقية: التي تربط الفكر والعقل بمكارم الأخلاق، فتمنع انفلاتهما وتحول دون تحولهما إلى أدواتٍ للتسلط والهدم.

بهذا المعنى، فالكتاب هو دعوةٌ للانقلاب على “التبعية الفكرية” بكل أشكالها؛ فهو يرفض تبعية التقليديين الذين يجمدون الاجتهاد، ويرفض تبعية “التحديثيين” الذين يستوردون الحلول الجاهزة من الغرب. بدلا من ذلك، يقدم منهجا ثالثًا: منهج “الاستنبات” أو “التأصيل”، حيث يُفعَّل التراث الإسلامي (الإيمان والأخلاق)، لإنتاج مفاهيم وأدوات نقدية قادرة على فهم الواقع الجديد، والتعامل معه بثباتٍ ومرونة في آنٍ.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن أطروحة طه عبد الرحمن “الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري” ليس كتابًا عن التسامح فحسب؛ بل هو كتابٌ عن “الحقيقة” و”العدالة” و”الأخلاق”، في عالمٍ بات الاختلاف فيه قدرًا لا مفر منه. إنه دعوةٌ للمسلمين لاستعادة المبادرة الفكرية، وامتلاك شجاعة نقد الذات قبل نقد الآخر، والثقة بأن في تراثهم من “الكنوز الإيمانية والأخلاقية” ما يؤهلهم ليس للمشاركة في الحضارة الإنسانية فحسب، بل لقيادتها نحو برّ الأمان.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى