رؤى

مصطلح “ٱلۡيَوۡمَ”.. وفلسفة الزمن القرءاني

في بنية الخطاب القرءاني، تبرز المفردات ذات الطابع الزمني، بوصفها أدوات دلالية عميقة تُرشد إلى طبيعة العلاقة بين الإنسان والمطلق، وبين الوقائع والتأويل؛ ومن بين تلك المفردات تتكرر كلمة “يوم” بما يمنحها مركزية لافتة في رسم خرائط المعنى. فـ”اليوم” في القرءان الكريم ليس مجرد وحدة زمنية عددية -كما هو في الحسابات اليومية للبشر- بل هو وعاء رمزي يتسع للقيامة، والقدر، والتاريخ، والمصير، والامتحان، والتبدل، والانكشاف. ويتقاطع “اليوم” في النص القرءاني مع مفهوم الزمن، لا بوصفه خطًّا مستقيما يمر من الماضي إلى المستقبل، بل كنسيج متداخل تتداخل فيه الآخرة بالدنيا، والخلق بالبعث، والماضي بالمآل.

ولعل أول ما يلفت الانتباه هو تنوّع السياقات التي وردت فيها مفردة “يوم” في التنزيل الحكيم: فمنها ما يشير إلى أيام الله في التاريخ (كأيام موسى، ويوم بدر، ويوم الأحزاب)، ومنها ما يحيل إلى اليوم الآخر باعتباره لحظة الفصل الكبرى (يوم الحساب، يوم الدين، يوم يفر المرء من أخيه)، ومنها ما يتعلق بالزمن الإلهيّ غير المحكوم بمقاييس البشر (يومٌ كألف سنة، ويومٌ مقداره خمسون ألف سنة). هذا التعدد، لا يدل على “عشوائية” في الاستخدام؛ بل -على العكس- يدل على استيعاب المصطلح لطبقات متعددة من الزمن: الزمن الغيبي، والزمن الرمزي الذي يُعيد تشكيل المعنى الأخلاقي للتاريخ.. فضلا عن الزمان الإنساني.

دلالات “ٱلۡيَوۡم”

ما يميّز حضور “ٱلۡيَوۡم” في الخطاب القرءاني أنه لا يُستخدم فقط لتأريخ الوقائع أو ترتيبها، بل لتكثيف المعنى الأخلاقي والروحي للزمن. فاليوم قد يكون لحظة انكشاف للنية والسريرة، كما في قوله سبحانه: ﴿يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ [الطارق: 9] أو لحظة يُختبر فيها الصبر والعزم، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا…﴾ [التوبة: 25].

من هنا، يتحوّل “اليوم” من إطار زمنيّ إلى فضاء للتجربة والتمحيص؛ إذ إنه لا يقف عند كونه رقما في التقويم، بل يصبح ظرفا لنفاذ الحقائق، وتمييز المواقف، وتحديد الهويّة الأخلاقية. بل لعلنا لا نُغالي إذا قلنا إن “ٱلۡيَوۡمَ”، في هذه المواضع، يتحوّل إلى لحظة وعي واختبار، تتجاوز الزمان الميكانيكي إلى الزمن الوجودي.

أيضا من جانب آخر، يعيد القرءان الكريم تعريف الزمن خارج المعايير التقليدية للحساب والقياس. ففي سياق الحديث عن الله، لا يُقاس الزمن بساعات أو شروق وغروب، بل بالأثر والقدرة والمشيئة؛ وذلك كما في قوله سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5]؛ وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]. ومن ثم، يتحوّل الزمن إلى معيار إلهي لا يخضع للقياس البشري المعتاد، ما يضع الإنسان أمام نسبيّته وإدراكه المحدود.

من هنا، فإن مصطلح “اليوم” في القرءان هو مفتاح لفهم فلسفة الزمن القرءاني: حيث لا يُفصل بين الزمان والحدث، ولا بين اللحظة والمصير، ولا بين الوعي والتكليف؛ بل، تتكثف فيه الخبرة الزمنية لتغدو مجالا للرؤية والتمييز، ومجالا للجزاء، ومجالا للكشف عن جوهر الإنسان والوجود معا.

تنويعات “ٱلۡيَوۡم”

لعل أهم ما يلفت الانتباه هو تنوع السياقات التي وردت فيها مفردة “ٱلۡيَوۡم”، أو “يَوۡمٖ”، في القرءان؛ فإضافة إلى أن هناك إشارات قرءانية إلى زمن مغاير لمقاييس الإنسان، كما في قوله عزَّ من قائل: ﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ﴾ [المعارج: 5].. فهناك أيضا ما يشير إلى “أَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ” (أيام الله) في التاريخ، كما في قوله عزَّ وجل: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ﴾ [إبراهيم: 5]؛ حيث تُستحضر الأيام لا كتقويم بل كعلامات فارقة في التجربة الإيمانية والتاريخ الإلهي. كما أن هناك كذلك، ما يحيل إلى اليوم الآخر باعتباره لحظة الفصل الكبرى، كما في قوله سبحانه: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]؛ وكما في قوله تعالى: ﴿هَٰذَا يَوۡمُ لَا يَنطِقُونَ… هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِۖ جَمَعۡنَٰكُمۡ وَٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: 35،38].

وعند التأمل في العلاقة بين “اليوم” و”الزمن” في التنزيل الحكيم، يتبدّى أن الزمن ليس فقط إطارًا للأحداث بل أفقٌ أخلاقيٌّ ومصيريّ. فـ”اليوم” ليس حياديا؛ بل هو ميدان للتمييز بين الناس، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٭ فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٭ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 6-8]. وبالتالي، فإن كل لحظة زمنية في القرءان تحتمل أن تكون موضع اختبار، أو إنذار، أو عذاب، أو رحمة، تبعا لسلوك الإنسان وموقفه. هكذا، يُعاد تعريف “اليوم” قرءانيّا بوصفه مفتاحا لفهم الزمن من منظور إيماني لا مادي؛ زمن لا يُقاس بالدقائق والساعات بل يُقاس بالحقائق، والمواقف، والمآل.

وكأمثلة على ذلك.. يأتي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]؛ كما يأتي قوله سبحانه: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 48]؛ ويأتي قوله تعالى: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 60]؛ ويأتي قوله عزَّ وجل: ﴿يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ…﴾ [الأنعام: 130].

أيضًا، تتنوع الصيغ التي يرد من خلالها مصطلح “ٱلۡيَوۡم”، أو “يَوۡمٖ”، في القرءان الكريم؛ مثل “يَوۡمَيۡنِ”، في قوله عزَّ وجل: ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ…﴾ [فصلت: 12]؛ ومثل “ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ”، في قوله عزَّ من قائل: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ…﴾ [آل عمران: 41]؛ ومثل “يَوۡمَئِذٖ”، في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]؛ ومثل “أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ”، في قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ…﴾ [البقرة: 80].

في هذا الإطار.. يمكن القول إنه من خلال التأمل في آيات التنزيل الحكيم، التي ورد فيها مصطلح “ٱلۡيَوۡم”، أو “يَوۡمٖ”، أو أي من مشتقات اللفظ، يتبين أنها أكثر صيغ التعبير القرءانية عن “عامل الزمن/الزمان” على وجه الإطلاق.

وبهذا، يتحوّل “ٱلۡيَوۡم” في النص القرءاني إلى مرآة للإنسان: يكشف فيها عن نفسه، وينعكس فيها فعله، ويترقّب فيها مصيره. إنه ليس فقط علامة زمنية، بل أداة تكوينية لصناعة الوعي، وتربية الضمير، وبناء الحسّ بالمسؤولية أمام الله والتاريخ معا.

وبكلمة.. يأتي مصطلح “ٱلۡيَوۡمَ” ليُعبر – في أهم تجلياته – عن فلسفة الزمن القرءاني.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى