رؤى

إيران.. احتجاجات الأزمة الاقتصادية والضغوط الدولية

تشهد إيران موجة احتجاجات شعبية غير مسبوقة، امتدت من الأسواق المركزية في العاصمة طهران إلى مدن ومناطق متعددة، وشملت شرائح اجتماعية متنوعة من التجار والعمال والشباب وحتى الأكاديميين. وقد اندلعت شرارة هذه الاحتجاجات في قلب السوق المركزية للعاصمة “البازار”، حيث دفع الانهيار الحاد في قيمة العملة الوطنية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى احتجاج التجار وإغلاق متاجرهم ومخازنهم، في مواجهة أزمة اقتصادية تهدد حياتهم اليومية وحياة ملايين الإيرانيين.

دوافع الاحتجاجات

تتمحور الاحتجاجات الإيرانية الحالية حول محورين رئيسين: الاقتصاد والسياسة، مع تداخل متزايد بينهما. على الصعيد الاقتصادي، شهدت العملة الوطنية تدهورا غير مسبوق خلال الأسابيع الأخيرة، حتى أصبح الدولار الأمريكي الواحد يعادل نحو 1.5 مليون ريال إيراني، فيما ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات قياسية، ما أدى إلى ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 48% خلال شهر ديسمبر الماضي. هذا الواقع دفع كبار التجار إلى رفض البيع بالعملة الوطنية، التي فقدت قيمتها بشكل سريع، ما أثار حالة من الغضب واليأس لدى قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، التي شعرت بأن مستوى معيشتها يتراجع يوميا بدون أي حلول حكومية فاعلة.

إضافة إلى العوامل الاقتصادية، تحولت هذه الاحتجاجات بسرعة إلى أبعاد سياسية. فالمواطنون، خصوصا الشباب والطبقات الوسطى، عبّروا عن رفضهم للفساد المستشري في المؤسسات الحكومية، وللسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يرونها عاجزة عن تلبية احتياجات غالبية الشعب. وبالرغم من أن البداية كانت احتجاجا على الظروف المعيشية، إلا أن الشعارات والنداءات التي ظهرت في الشوارع سرعان ما حملت مطالب سياسية واضحة، منها الدعوة للإصلاح السياسي وتغيير السياسات الداخلية التي تقيد الحريات، فضلا عن انتقاد الإدارة الاقتصادية والمالية للنظام الإيراني.

واللافت، أن هذه الاحتجاجات تأتي في ظل ضغوط خارجية مستمرة على إيران، بدءا من العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وصولا إلى العزلة الدولية جزئيا بسبب سياسات إيران الإقليمية. هذه الضغوط أدت إلى تضاعف الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يفسر تصاعد الغضب الشعبي، وتحوله إلى حركة احتجاجية واسعة النطاق.

تصريحات ترامب

في خضم هذه الاحتجاجات، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحا قال فيه إن الولايات المتحدة مستعدة لحماية المحتجين الإيرانيين في حال تعرض المدنيين للقمع. ويمكن قراءة هذا التصريح في عدة أبعاد استراتيجية وسياسية:

أولا، يمثل هذا التصريح استمرارا للسياسة الأمريكية التقليدية في استغلال الأزمات الداخلية في إيران للضغط على النظام، وهو جزء من استراتيجية الضغط القصوى التي اتبعتها واشنطن لتحقيق أهدافها الإقليمية. فالتدخل الأميركي المباشر أو غير المباشر في الأحداث الداخلية الإيرانية، يهدف إلى إضعاف حكومة طهران وخلق حالة من عدم الاستقرار، بما يخدم مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

ثانيًا، يتيح هذا التصريح للولايات المتحدة موقعا أخلاقيا وسياسيا على الساحة الدولية، حيث يمكنها تقديم نفسها على أنها “حامي المدنيين وحقوق الإنسان”، بينما تستخدم الاحتجاجات الشعبية أداة للضغط على النظام الإيراني في المحافل الدولية.

ثالثا، يأتي التصريح في سياق التحركات الأمريكية الأخيرة، بإظهار منطق القوة – هذا إن لم نقل “البلطجة” – الدولية، وهو ما تبدى بوضوح في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وتقديمهما إلى المحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ مع ما تواكب مع ذلك من تهديدات شملت دولا أخرى، شملت كوبا وكولومبيا والمكسيك.

احتمالات متشابكة

تتقاطع عدة عوامل لتشكل المسار المحتمل للأحداث في إيران:

السيناريو الأول: القمع واحتواء الاحتجاجات، وهو السيناريو الأكثر احتمالا في المدى القريب؛ إذ يمتلك النظام الإيراني أجهزة أمنية قوية ومتشعبة، وتجربة متراكمة في التعامل مع الاحتجاجات. ومن المتوقع أن يواصل استخدام مزيج من القمع الأمني المحدد، والوعود الاقتصادية، ومحاولات تقسيم الصف الاحتجاجي. قد ينجح هذا النهج في كبح جماح الاحتجاجات مؤقتا، كما حدث في مناسبات سابقة، لكنه لن يحل الأسباب الجذرية للأزمة، ما يعني أن الاحتجاجات ستظل جمرا تحت الرماد، قابلة للاشتعال بأي شرارة اقتصادية أو سياسية قادمة.

السيناريو الثاني: التصعيد والمواجهة المفتوحة؛ إذا فشلت إجراءات الاحتواء، وواصلت الاحتجاجات توسعها واشتدادها، وخاصة إذا انضم لها قطاعات حيوية مثل العمال في الصناعات النفطية، أو فئات واسعة من الموظفين الحكوميين، فقد يدخل البلد في حالة من المواجهة المفتوحة. هذا السيناريو يعتمد على قدرة المحتجين على تنظيم أنفسهم بشكل مستقل، وتطوير قيادات ومطالب واضحة. لكن افتقاد الحركة الاحتجاجية الحالية لقيادة موحدة وبرنامج سياسي بديل يضعف احتمال نجاح هذا المسار في الإطاحة بالنظام في المدى القريب.

السيناريو الثالث: تحولات داخل النظام؛ قد تدفع الاحتجاجات المستمرة إلى انقسامات داخل النخبة الحاكمة بين “تيار متشدد” يرى في القمع الحل الوحيد، و”تيار إصلاحي”، أو براغماتي، قد يدفع نحو تقديم تنازلات سياسية واقتصادية حقيقية، أو حتى إعادة توزيع السلطة داخل النظام نفسه. لكن طبيعة النظام الإيراني الهرمية والمركزة حول مؤسسة “ولاية الفقيه” تجعل مثل هذه التحولات صعبة وبطيئة، إذا لم تكن مستحيلة في المدى المنظور.

السيناريو الرابع: التدخل الخارجي وتعقيد المشهد؛ حيث لا يمكن إغفال احتمالية أن تتحول الأزمة إلى مواجهة إقليمية أو دولية، خاصة في ظل التصريحات الأمريكية والوجود العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة. أي تدخل عسكري خارجي، مهما كان محدودا، سيكون له تداعيات كارثية على إيران والمنطقة ككل، وقد يحول الانتباه عن المطالب الشعبية إلى مواجهة وطنية ضد “العدو الخارجي”.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن الاحتجاجات الإيرانية الحالية تكشف عن أزمة نظام متعددة الأبعاد: اقتصادية واجتماعية وسياسية؛ وهي تختلف عن سابقاتها باتساع قاعدتها وطابعها السياسي الجذري. لكن الغياب الواضح للقيادة البديلة والتنظيم المستقل، إلى جانب القمع الأمني المنظم، يجعل من الصعوبة بمكان توقع تغيير جذري في المدى القريب.

التصريحات الأمريكية، رغم ما تحمله من مخاطر على المحتجين، تعكس واقعا جديدا: لم تعد الأزمة الإيرانية قضية داخلية معزولة، ولكن هي جزء من صراع إقليمي ودولي أوسع. وما هو مؤكد، أن مستقبل الاحتجاجات سيتحدد من خلال التفاعل المعقد بين إرادة المحتجين والإصرار على مطالبهم، وقدرة النظام على البقاء والتكيف، وتأثير العوامل الإقليمية والدولية.. خاصة الأمريكية منها.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى