رؤى

مشكلة الاقتصاد الريعي في مصر: قراءة جديدة في كتاب قديم

تقديم: في السنوات الأخيرة تكاثرت التساؤلات في الشأن  الاقتصادي المصري عن المصادر الريعية في السياسة الاقتصادية.. وما ترتب عليها من قرارات للحكومة المصرية، بشأن بيع أو المنح بحق الانتفاع لأجزاء من الأراضي المصرية.

ورغم أن كثير من الاقتصاديين حذروا من مغبة مثل هذا النهج الاقتصادي، وضرورة الاعتماد علي تطوير الموارد البشرية والخطط الاقتصادية التنموية، إلا أن الحكومة المصرية لا تمتلك أفقا متحررا يحرر الاقتصاد المصري من حالته الريعية تلك.

وهذه دراسة من بين مئات الأبحاث التي ترصد  جذور مشكلة الاقتصاد الريعي ونتائجه السلبية.

بشر بلا ثمن.. عندما نطق الحصري بالحقيقة المؤلمة!

1- عن المؤلف

الدكتور أحمد الحصري هو صحفي مصري، اشتراكي، وعضو بحزب التجمع. ولد بالإسكندرية وتخرج في كلية التجارة عام 1980، وحصل على دكتوراه العلوم الاقتصادية تخصص تاريخ اقتصادي عام 1990، من كلية الاقتصاد جامعة موسكو. تولي عدة مهام في عمله الصحفي بجريدة الأهالي وترأس تحرير أكثر من جريدة من أهمها جريدة التجمع، وله العديد من التحقيقات الصحفية التي بقيت علامة بارزة في عالم الصحافة الوطنية.

يؤسس الدكتور الحصري مشروعه البحثي -في هذا العمل- على قاعدة نقدية مفادها أن أغلب الأبحاث الاقتصادية تناولت موضوع الموارد البشرية المصرية، من خلال الإطار الفني الإحصائي فقط، فأهملت تفاعلها مع النظام الاجتماعي – الاقتصادي. ثم يطرح سؤاله الأهم عن مدي نجاح علاقات الإنتاج الرأسمالية المصرية، في الاستفادة من الموارد البشرية. وبناء على هذا السؤال يشير إلى تكثيف معني التخلف؛ بوصفه إهدار الطاقات الكامنة في البشر، إذ ينظر المؤلف للقيم الاقتصادية كالتقدم والتخلف والتبعية والاستغلال… إلخ. من زاوية إنسانية، أي انعكاس الاقتصاد علي حياة البشر.

2- عن الكتاب “بشر بلا ثمن”

عن سلسلة كتاب الأهالي الصادرة عن حزب التجمع في مصر، صدر كتاب “بشر بلا ثمن” مع عنوان فرعي “مشكلات تطور الموارد البشرية في عصر الانفتاح” في العدد رقم 41 عام 1992، وعنوان الكتاب يوحي أنه يرصد واقعنا المعيش، ويبحث في جذور المسألة المصرية الحديثة، وتأثير السياسات الاقتصادية علي البشر، من حيث المأكل والملبس والمسكن والعمل والصحة والتعليم… إلخ. وهو ليس كتابا نظريا جافا، صدقت عليه مقولة العلامة المصري الدكتور إسماعيل صبري عبد الله حينما قال في مقدمته للكتاب: “يذكر للمؤلف سلامة منهجه، وإقدامه على الإفلات من ساحة الجدل النظري الصرف، إلى تحليل الواقع المصري في مراحل تاريخ مصر الحديثة.. يضبط ويحلل أوضاع الموارد البشرية في كل منها، ومن هنا كانت دراسته تتسم بالجدة وليس بالجدية وحدها” ص9.

وكتاب “بشر بلا ثمن” من تلك الوصفات الطبية التي لا تنتهي مدة صلاحيتها ولا مفعولها، ولا من الأعمال التي تسقط بالتقادم، هناك أعمال لا تسقط بالتقادم، ولا تنفذ قدرتها علي منحنا قدرا من المعارف، وخاصة تلك التي تتماس مع حياتنا بشكل مباشر، وذلك لسبب بسيط جدا، أنه تناول الخلية الأولي لأزمة المجتمع المصري الحديث، ونقصد هنا دراسة أزمة البشر في علاقتهم بالاقتصاد، وأزمة الاقتصاد في علاقته بالقوي الدولية، وأزمة القوي الدولية في انشغالها بالتراكم الرأسمالي علي حساب بشر دمرت حياتهم وحياة أجيال تالية بعدهم؛ لأجل أن يبقي الانسان الأبيض في الصدارة، مقدما نفسه في صفحات التاريخ بصفته المتفوق والسيد.

والكتاب كان في الأصل رسالة دكتوراه حصل عليها د. الحصري من موسكو، عندما كان مبعوثا علميا لدراسة الاقتصاد السياسي، وقد أنجزها في سن مبكرة إلى حدا ما، وهو في الثانية والثلاثين من عمره. ويظهر فيه قدراته التحليلية وحسه النقدي ومنهجيته المنضبطة، وقدرته على عرض الأفكار وتوظيف الأرقام والاحصائيات مُركِّزا دائما على الأبعاد التاريخية والاجتماعية والاقتصادية.

وفي المقدمة يستهل حديثه بعدد من الفرضيات، أهمها نقد نظرية التطور اللارأسمالي، التي راجت بصفة أساسية في فترة الستينيات من القرن الماضي، إذ يؤكد على أن “فترة الستينيات قد شهدت -على العكس من ذلك- تعميقا وتغلغلا لعلاقات الإنتاج الرأسمالي في الريف والمدينة من خلال آليات سيطرة الدولة علي الاقتصاد المصري” ص13. وهو ما كان بمثابة تمهيد لما حدث في سنوات السبعينيات، فيما أطلق عليه الانفتاح الاقتصادي، حيث كانت فترة الستينيات بمثابة مرحلة تحقيق تراكم رأسمالي ونقدي لدي الرأسمالية التقليدية وبيروقراطية الدولة.

كما يشير إلى أن من بين أسباب التدهور الاقتصادي، أن التعليم والتدريب المهني قد توافق مع اتجاهات هيكلة العمالة؛ لكي تناسب اقتصاد خدمي يعيش على الموارد الريعية. وكذلك يعتمد علي مجموعة كبيرة من إصدارات وإحصائيات الأجهزة الرسمية في الدولة مثل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ومكتب العمل الدولي ووزارة القوي العاملة… إلخ. وعدد من المراجع المتخصصة داخل مصر وخارجها.

3- الاستعمار بوصفه حالة رأسمالية

ينطلق المؤلف في مدخل الكتاب، وتحت عنوان “مشكلات تطور الموارد البشرية في بلدان العالم الثالث”؛ من الباب الواسع لدراسة الظاهرة حيث يعتبر أن مرحلة الاستعمار لبلدان العالم الثالث هي المدخل الصحيح لبحث موضوعه، وهنا يتوقف أمام لحظات مؤلمة في تاريخ شعوب الجنوب التي خضعت للغزو الخارجي، الذي استخدم المستعمرات أساسا ماديا لعمليات التراكم البدائي للرأسمالية في البلدان الاستعمارية “المتروبلات” حيث “تميز فجر الإنتاج الرأسمالي بعمليات النهب والواسعة لثروات المستعمرات، وتدمير لا حد له لمواردها البشرية” ص 18/19.

خلق الاستعمار المادة الأولية لتجارة الرقيق، ما أدي إلى تأسيس الشركة الأفريقية الملكية بإنجلترا سنة 1672، والتي مُنحت حق احتكار تجارة الرقيق على الساحل الغربي الافريقي، وظلت تعمل لما يقرب من 150 سنة حتى أدت مهمتها في تحقيق التراكم للرأسمالية الإنجليزية.

إن استنزاف الموارد الطبيعية وتجارة الرقيق أسهما بصورة مباشرة في تبديد كامل الموارد البشرية للمستعمرات، وعلى رأسها قارة أفريقيا. ويرصد المؤلف مجموعة كبيرة من الاستشهادات التاريخية التي قامت بها البلدان الاستعمارية الأوربية، وكان من بينها سياسة السُّخرة التي عاشها المصريون أثناء حفر قناة السويس لصالح الملاحة الدولية، كما حطَّم الاستعمار الهياكل الإنتاجية للمستعمرات -فيما عدا القطاعات المرتبطة بالتصدير- ومن أهمها الحِرَف -كما تجلى بشكل واضح في الهند- ويستخلص المؤلف نتيجة هامة وهي أن المُستعمِر حرم سكان المستعمرات من تجديد قوة عملهم وبشكل يكاد يكون منظما، وأدخلهم في سلسلة من المجاعات كما حدث في إيرلندا والبنغال والهند الصينية، وأُغرقت كثير من البلدان خاصة في شرق أسيا في حرب المخدرات والأفيون كما حدث في الصين.

لقد ارتبط الاقتصاد الرأسمالي العالمي -منذ بدايته- باستنزاف الجنوب العالمي، ما خلق حالة مشوَّهة أثرت علي بلدان العالم الثالث، ما بعد مرحلة التحرر من الاستعمار، وبالإضافة إلى هذا التشوه، كان تعدد أنماط الإنتاج إحدى السمات الأساسية في تشويه بنية القوي العاملة، بمعني أن حوالي 65% من الأيدي العاملة بالعالم الثالث، تعمل بالزراعة، و21% تعمل في قطاع الخدمات، مع ضعف واضح وملموس في القوي العاملة الماهرة، التي تستطيع العمل في مجال الصناعة، وهو ما انعكس علي ظهور مجموعة كبيرة من المشكلات الاجتماعية، كان من أهمها البطالة التي كانت إحدى مظاهر أزمة التنمية في العالم الثالث. إضافة إلى البطالة، كانت مشكلة المديونية واحدة من أخطر القضايا التي واجهت العالم الثالث؛ خاصةً بعد أن دخلت في معدلات ضخمة من الاقتراض، حيث قفزت من 18 مليار دولار عام 1960، إلى 74 مليار عام 1970، ثم إلى 227 مليار عام 1978، ثم إلى 626 ميار دولار عام 1982، وهو ما يعني في رأي د. الحصري “عدم قدرة الهياكل الاقتصادية داخل بلدان العالم الثالث علي التوقف عن الاستدانة حتى أنها قد أصبحت تدفع ثمن الدين بأكثر ما تأخذ منه” ص33.

يعرج المؤلف أيضا على مشكلة أكثر خطورة وهي قضية التسليح والقوي العاملة. وعن التسليح يشير المؤلف الي أن النفقات التي ينفقها العالم الثالث علي التسليح قد وصلت أحيانا إلى 6% من الناتج القومي، في حين تنفق على التعليم حوالي 3% وعن الصحة العامة حوالي 1%. وهذه النفقات على السلاح تكفي لمحو الأمية كاملة في غضون سنوات قليلة، وهو ما يفسر هذا الخلل الكبير في عمليات التنمية داخل بلدان العالم الثالث، وخاصةً تلك التي تشهد توترات وتدخلات من الدول الكبرى.

ترك الاستعمار بلدان العالم الثالث، وهي تعاني من مشكلات متفاقمة في الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم… إلخ. وقد استعرض المؤلف كل عنصر على حدا، مستخدما الاحصائيات والأرقام في الكشف عن مدي الآثار السلبية التي لحقت بالعالم الثالث، جرَّاء مرحلة الاستعمار وما تلاها من تبعية في فترة ما بعد الاستعمار السياسي.

إن هذا التدهور المتلاحق الذي عانت منه بلدان العالم الثالث انعكس بالسلب على عدد من العناصر التي رصدها المؤلف.. كالبطالة والسكن والإفقار المتزايد، وإن كانت الهجرة هي العنصر الأكثر وضوحا، هجرة الأيدي العاملة إلى بلدان المركز، ذلك “أن استيراد تلك العمالة يعد تحويلا لقيمة غير منظورة من بلدان العالم الثالث إلي البلدان المتطورة” ص48.

ويشير أيضا إلى إحصائية لها مغزى عميق، وهي أنه ما يزيد عن 300 ألف اختصاصي مؤهل هاجروا في الفترة من 1960، إلى 1975، حيث يشكل الأطباء نسبة 60% والعلماء والمهندسون والفنيون 40%.

4- الموارد البشرية في مصر الحديثة

يتناول الجزء الأول من الكتاب بنية الموارد البشرية المصرية، فيدرس الحالة المصرية منذ نشأة الدولة المركزية مع التركيز على مصر الحديثة والقوي البشرية بها، وإن كان يمنح الأهمية في دراسته لمصر ما بعد ثورة 1952، وصدامها مع رأس المال الدولي، وطبيعة البرجوازية المصرية التي يصفها بأنها لم تتطور في مصر تطورا طبيعيا، مثلما حدث في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وذلك لأنها ارتبطت منذ نشأتها الأولي “بالوجود الأجنبي، وتطورت في ظل نظام دولي يقوم على التخصص وتقسيم العمل الدولي. وبدأت نشأة البرجوازية مع دخول الاستعمار من خلال العناصر الأجنبية أو المرتبط بها، أما الميلاد الحقيقي لها فقد كان أكثر تشوها إذ جاء من رحم كبار ملاك الأراضي” ص61، فلم تدخل عالم الصناعة إلا بشكل عرضي، بالإضافة إلى التداخل بين أساليب الإنتاج مثل نمط الإنتاج شبه الاقطاعي مع أسلوب الإنتاج الصناعي المتقدم.

وعندما جاءت سلطة يوليو دفعت بالبلاد باتجاه الصناعة، وشجعت رأس المال المحلي على الاستثمار وقدمت في سنواتها الأولي العديد من الامتيازات الضريبية لزيادة فاعلية النظام الرأسمالي “حتى قانون الإصلاح الزراعي كان أهم أهدافه، تحويل كبار ملاك الأراضي الزراعية إلى رأسماليين صناعيين، فالاستيلاء على جزء من أملاكهم وتوزيعها على المعدمين من الفلاحين، كان مقابل تعويض مالي معقول، علي أمل أن يستخدمها كبار الملاك في الاستثمار الصناعي” ص62.

ولكن هذه المرحلة لم تدم طويلا إذ بدأت الدولة في الإمساك بمبادرة النشاط الاقتصادي ابتداء من الخطة الخمسية “60-1965” بعدما تراجع دور الرأسمالية المصرية داخل أنشطة غير مؤثرة كالتجارة والمقاولات. ونشأ من هنا نظام رأسمالية الدولة أو رأسمالية الدولة الوطنية، بديلا لتلك الرأسمالية المتخلفة التي شهدتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين.

ويميز د. الحصري في ملاحظة ذكية بين رأسمالية الدولة المصرية في العهد الناصري من جهة، ورأسمالية الدولة في بلدان أوربا الشرقية والاتحاد السوفييتي، وكذلك تميزها عن رأسمالية الدولة في أوربا في أعقاب الكساد الكبير، ففي مصر كما يقول المؤلف بدأت تتشكل ملامح نظام اقتصادي جديد يقوم على إدارة القطاع الحكومي للاقتصاد القومي معتمدا على امتلاك الدولة لوسائل التمويل الداخلي عن طريق التأميم والمصادرة والحراسة… إلخ، ما أدَّي إلى تضخم إمكانات القطاع العام، خاصةً الصناعي. وقد تبلورت في الخطة الخمسية الأولى     “61- 1965” ملامح هذا المشروع التنموي ولكن في الفترة من 1965 إلى 1974، حدثت مرحلة انتقالية شارك فيها القطاع الخاص، مع رفع تدريجي لسيطرة الدولة علي النشاط الاقتصادي، وبدأت البرجوازية المصرية تعمل من جديد خاصة في المقاولات وتجارة الجملة والتصدير.

وقد ساعد القطاع الخاص على تلك النهضة جانب من البيروقراطية المصرية، فتأسس منذ ذلك الحين تحالف جديد بين بيروقراطية الدولة والرأسمالية التقليدية؛ من أجل إصدار مجموعة من القوانين لصالح القطاع الخاص. وكانت البداية من القانون رقم 51 لسنة 1966، بإنشاء منطقة حرة في بورسعيد، ثم جاءت حرب يونيو 67 لتضع حدا لنظرية التنمية المخططة، وبدأت تشتد الضغوط من أجل مزيد من التحرر الاقتصادي، وتوالت القوانين الداعمة للقطاع الاقتصادي، ثم كانت وفاة عبد الناصر حلقة الانفصال الكبرى بين نموذجين، ونظامين اقتصاديين واجتماعيين، إذ بعد وفاته بسنوات قليلة صدر القانون 40 لسنة 1974 الخاص بالاستثمار العربي في مصر، وكذلك ورقة أكتوبر السياسية في نفس العام، وكلاهما -القانون والورقة- دشنا بداية مرحلة جديدة شهدتها مصر عرفت بالانفتاح الاقتصادي الذي فتح الباب لرأس المال الأجنبي للعمل في كافة مجالات الاقتصاد القومي، والمدهش “أن القانون الجديد قد سمح لأصحاب المشروعات الأجنبية بأن يعيدوا تصدير أموالهم -التي أتوا بها- إلى خارج البلاد، بعد خمس سنوات فقط من دخول الأموال إليها، أي بعد التمتع بفترة الاعفاء، ما يعني أن القانون أتاح لهم الفرصة لتصفية مشروعاتهم والعودة مرة أخري باسم جديد وهو ما حدث بالفعل” ص 67 ، ص 68.

وعن ملامح الاقتصاد المصري والتغيرات التي طرأت عليه يشير د. الحصري إلي أنه في البداية كان يغلب عليه الطباع الزراعي الذي توقف عند محصول القطن الذي مثل حوالي 88,5% من جملة الصادرات المصرية عشية ثورة يوليو، وكانت تلك السياسة الزراعية خاضعة تماما للتقسيم الدولي للعمل الذي ساد آنذاك، فيما لعبت الصناعة دورا محدودا وهو ما انعكس على حجم القوي العاملة بها لتصبح 11% من أجمالي قوة العمل، حتى هذا الحجم المتواضع للصناعة المصرية قد تعرض لمزيد من الأزمات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى يوليو 52. ما يعني أن أزمة الاقتصاد كانت أقوي من أزمة السياسة المصرية.

أما عن سمات الاقتصاد المصري في مرحلة يوليو 52، فأهم سمة له كانت التوسع في التصنيع حيث استحوذت الصناعة على26,7% من إجمالي الاستثمارات القومية، إلا أن العيب الأكبر في تلك السياسات هي أنها “قامت على نفس الأسس السابقة، بالتركيز على الصناعات الاستهلاكية، ثم نسبة محدودة للصناعات الوسيطة، مع غياب شبه كامل لصناعة إنتاج وسائل الإنتاج) ص 70، ص71. ثم كان العيب الثاني أن الخطة الثانية لم تتم، الأمر الذي أسهم في زيادة الخلل في هيكل الاقتصاد المصري، نظرا لأن التركيز على السلع الاستهلاكية لم يحل مشكلة التنمية الاقتصادية في مصر، وقد زاد من تفاقم تلك المشكلة ما شهدته فترة السبعينيات من تحولات في النشاط الوظيفي للاقتصاد المصري القائم على السوق المفتوحة. وقد شهدت كل القطاعات صناعية وزراعية وخدمية تدهورا ملحوظا في مقابل الاعتماد على موارد ريعية كالبترول وقناة السويس والسياحة وعائدات العاملين بالخارج.

يوجز د. الحصري الفصل الأول في الفقرة التالية: “إن أبرز السمات العامة لهيكل الاقتصاد المصري أنه على الرغم من تغير السياسات الاقتصادية بعد ثورة يوليو من الحرية الاقتصادية إلى الإدارة الحكومية المركزية، ومن بعد ذلك إلى الانفتاح الاقتصادي بعد تحقق التراكم اللازم للبرجوازية المصرية من خلال الدور الذي قام به جهاز الدولة عن طريق سياسات التدخل الحكومي، فإن استمرار خلل الهيكل الاقتصادي المصري قد استمر كما هو، بعد أن تعمقت وازدادت درجة تشوهه) ص75.

د.محمد دوير

باحث في الفكر الفلسفي
زر الذهاب إلى الأعلى