يمثل القرءان الكريم معجزة لغوية وبيانية متفردة في بلاغتها ودقتها، ويعكس اختيار ألفاظه عمقا في الدلالة وروعة في التعبير عن المعاني الإيمانية والسلوك الإنساني. ومن أبرز الظواهر اللغوية التي يمكن ملاحظتها في القرءان الفرق بين “الفعل” و”العمل”، على الرغم من أنهما مترابطان في اللغة العربية، لكنهما يختلفان في الدلالة والسياق والوظيفة. ويُظهر التنزيل الحكيم هذا التمييز بدقة، بحيث يوجه القارئ والمستمع لفهم العلاقة بين النية والإنجاز، بين الرغبة والممارسة، وبين الأثر والمبادرة.
والفعل، في اللسان العربي، يشير إلى الحدوث أو القيام بشيء في زمن محدد، وهو عنصر أساسي في صياغة الجمل الفعلية التي تعبّر عن الحركة أو القيام بعمل ما. وفي القرءان الكريم، يُستخدم الفعل غالبا للدلالة على حدوث شيء مرتبط بالفاعل أو المفعول به، لكنه لا يقتصر على مجرد السلوك المادي، ولكن يشمل أيضا الدوافع والنيات والخطط.
أولًا: الفعل في القرءان.. دلالة الحركة والنوايا
فعلى سبيل المثال، جاء في سورة البقرة قوله سبحانه وتعالى: “وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ” [البقرة: 4]. هنا، الفعل “يُؤۡمِنُونَ” يشير إلى حركة داخلية، أي عملية الإيمان بـ”القلب”، وهي عملية معنوية غير مرئية، لكنها تُعد الفعل الأولي الذي يؤدي إلى العمل الظاهر.
كما يُظهر القرءان الكريم استخدام الفعل للإشارة إلى أفعال مستقبلية أو تهديدية، كما في قوله سبحانه: “مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ” [النحل: 97]. الفعل “عَمِلَ”، هنا، يشير إلى قيام الإنسان بالفعل نفسه؛ لكن التركيز القرءاني على “العمل” أو “الأفعال الصالحة” يوضح أن الفعل في القرءان لا يكتفي بالنية، وإنما يحتاج إلى الاستمرارية والاتساق ليصبح جزءا من سلوك الإنسان المستقيم. ولنا أن نُلاحظ أن “الفعل” هنا يشير إلى قيام المؤمن بالعمل الصالح، أما “العمل” فهو الذي يحاسب عليه ويُجزى الإنسان بسببه، أي إن الفعل يسبق العمل، والعمل يترجم الفعل إلى أثر ومكافأة.
ثانيا: العمل في القرءان.. دلالة الإنجاز والنتيجة
أما “العمل” في القرءان الكريم، فهو يتجاوز مجرد الفعل إلى الأثر والإنجاز، ويشير غالبا إلى النتيجة الملموسة لما يفعله الإنسان، سواء كان ماديا أو معنويا، ويُستعمل لبيان الجزاء والمكافأة، أو لتأكيد القيمة الأخلاقية والشرعية للفعل.
يقول الله تعالى: “فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٭ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ” [الزلزلة: 7-8]. في هذه الآية، يظهر أن العمل يشمل كل أثر ملموس للفعل، سواء كان خيرا أو شرا؛ إذ يؤكد القرءان أن العمل مرتبط بالجزاء والحساب، أي إن أثر الفعل ونتيجته تتجسد في العمل الذي يحاسب عليه الإنسان يوم القيامة.
ويستخدم القرءان مصطلح “العمل” أيضا للإشارة إلى الطاعة أو المعصية بشكل محدد، بحيث يصبح العمل مؤشرا على التزام الإنسان بتعاليم الله أو مخالفته لها. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك، قوله عزَّ وجل: “إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ” [الرعد: 11]. هنا، العمل يُشير إلى تغيير سلوك الإنسان وإنتاج أثر حقيقي في حياته وسلوكه، وليس مجرد الفعل اللحظي أو النية.
ثالثا: تكاملية علاقة الفعل والعمل.. في القرءان
اللافت، في التنزيل الحكيم، أن الفعل يمثل الشرارة الأولى، أي النية أو المبادرة، بينما العمل يمثل استمرارية هذا الفعل وتحقيقه على أرض الواقع. وفي هذا السياق، يستخدم القرءان الفعل غالبا للإشارة إلى بداية السلوك أو الالتزام الداخلي، أما العمل فيظهر في سياق النتائج والجزاءات والتأثيرات الواقعية.
يعني هذا -في ما يعنيه- أن التمييز بين الفعل والعمل يظهر بوضوح في سياق العقوبة والمكافأة، حيث يركِّز القرءان على العلاقة بين النيّة والممارسة، وبين المبادرة والنتيجة. فالفعل بدون متابعة أو استمرارية قد يبقى مجرد فكرة أو نية، بينما العمل هو الذي يحكم عليه بالجزاء أو العقاب. ولعل هذا ما يتبدى بوضوح في قوله عزَّ من قائل: “… وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ” [المزمل: 20]. هنا يتضح أن العمل مرتبط بالنتيجة، والفعل أو النية وحدها لا تكفي، فالجزاء مرتبط بما يُنجزه الإنسان بالفعل الذي يفعله.
إلا أن التساؤل الذي يطرح نفسه، هو التالي:
هل يعني ذلك أن العمل طوعي والفعل إلزامي.. في القرءان الكريم؟
من خلال دراسة القرءان، يمكن ملاحظة أن هناك فرقا آخر يتعلق بطبيعة الفعل والعمل: فالبعض من الأفعال قد تكون إلزامية، مثل الفرائض والواجبات، والبعض الآخر قد يكون اختياريا وطوعيا، مثل الأعمال الصالحة أو الأعمال التطوعية. في هذا السياق، غالبا ما يستخدم القرءان الفعل للإشارة إلى الواجبات المباشرة، بينما يشير العمل إلى المبادرات الشخصية التي تُترجم إلى أثر إيجابي ملموس.
المثال الواضح على ذلك، هو قوله سبحانه وتعالى: “وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ” [البقرة: 110]. “أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ” و”ءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ” هما فعلان إلزاميان، بينما “مَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ” يشير إلى العمل الطوعي الذي يحسب للإنسان ويجزى عليه، أي إن الفعل هو الالتزام، والعمل هو المبادرة الذاتية والنتيجة.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن القرءان الكريم يميز بين الفعل والعمل بشكل دقيق، ليؤسس قاعدة أخلاقية ولغوية دقيقة في التعامل مع السلوك الإنساني. الفعل يمثل المبادرة والنية والحركة الداخلية، بينما العمل يمثل الإنجاز والنتيجة الملموسة التي تُحسب للإنسان وتؤثر في جزاءه وعقابه. هذا التمييز يعكس حكمة القرءان في معالجة النفس البشرية، فهو يشجع على المبادرة الصالحة ويحاسب على الأعمال التي تنتج أثرا في الواقع، سواء كان خيرا أم شرا.
وللحديث بقية.








