في الفصل الثاني وعنوانه “العوامل الأساسية في تشكيل الموارد البشرية”، يتناول المؤلف الأبعاد الديموغرافية باعتبارها الأساس الذي تتشكل منه القوي العاملة المصرية، ويعني تحديدا قضية السكان، وينطلق في دراسته تلك من السياسات الاستعمارية البريطانية لمصر وإهمالها للخدمات والرعاية الصحية للسكان، فقبل الاستعمار كانت الزيادة السكانية 2,85% ثم هبطت إلى 1,5% في الفترة من 1897 إلي 1947، ثم قفزت إلى 2,4 % ابتداء من عام 1960، ثم إلى 2,8 % عام 1986، وهو ما أدي إلى أن قفز عدد سكان مصر من 26 مليون عام 1960 إلى 50 مليون عام 1986.
وينتقد المؤلف نظرية انتشرت ولم تزل رائجة حتى الآن، وهي أن سبب زيادة السكان هو ارتفاع معدل المواليد. والحقيقة أن معدل المواليد ثابت ما قبل الاستعمار وما بعده -كما تشير الإحصائيات التي ذكرناها توا- وإن الانخفاض كان بسبب الاستعمار، وإهماله للرعاية الصحية. كما يشير إلى أن نسبة الأطفال في التركيب العمري للسكان الأقل من 15 سنة هي الأكبر بين السكان حتى أنها وصلت عام 1960 إلى 43 % من سكان مصر. من جهة أخري فإن نسبة السكان القادرين على العمل أي ما بين 12 سنة إلى 65 سنة وصلت عام 1960 إلى حوالي 79%، ورغم ذلك لم يشارك منهم في سوق العمل سوي 30 % تقريبا.
وعن مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي أشار المؤلف أنها تعاني من ضعف شديد حتى السبعينيات ثم بدأت في الارتفاع بعد ذلك، ويبرر د. الحصري ذلك بأن أحد أسباب الاعتماد على المرأة هو نتيجة “لانخفاض الوزن النسبي للرجال بعد ارتفاع معدلات الهجرة إلى الخارج” ص95. كما أن مشاركة المرأة تزيد في الحضر عن الريف، وكما ترتفع نسبة التعليم في الحضر عن الريف.
ويرصد المؤلف ظاهرة عمالة الأطفال التي أشار إلى أنها تمثل 10% من قوة العمل في مصر، ويعزي ذلك “إلى قيام الصناعات الصغيرة وانشطة الخدمات إلى استخدام الأطفال دون سن الثانية عشر باعتبارهم أيدي عاملة رخيصة غير مكلفة الي جانب عدم خضوعهم لنظام التأمين” ص 98/99. وفيما يتعلق بعمل كبار السن فهي أيضا من الظواهر التي رصدها المؤلف نتيجة لارتفاع نسبة مشاركتهم في النشاط الاقتصادي. أما عن مشكلة الأمية فقد رصد المؤلف تناقضا غريبا في مصر وهو أن بها أكبر عدد من الحاصلين على مؤهلات عليا في العالم الثالث، وبها أيضا نسبة أمية كبيرة وهو ما فسره بأن البنيان الطبقي حاضر أيضا في التعليم. وقد انعكست الأمية على القوي العاملة المصرية حيث ترتفع في سوق العمل بشكل واضح فقد وصلت إلى 85% بين العمال الأجراء.
وعن الهجرة الداخلية فقد شهدت حتى السبعينيات انتقال من الريف إلى المدينة طلبا للعمل، وكذا بسبب عدم الحاجة إلى الكثير من العمال الزراعيين عندما كانت الأرض في حاجة إلى عمالة كثيفة. وفي الثمانينيات انكسرت الهجرة الداخلية إلى حد ما؛ نظرا لتراجع فرص العمل في المدن وارتفاع معدلات المعيشة والسكن.
ولكن الملاحظة الجديرة بالذكر هنا ما قاله المؤلف من أن “الهجرة الداخلية ونزوح الفلاحين من الريف للمدن لم يكن لتلبية الطلب على العمالة في القطاع الصناعي، فقد عجزت المدينة حتى في أكثر الفترات نجاحا في التنمية على استيعاب بنسبة كبيرة من المهاجرين داخل قطاع الصناعة” ص 104 / 105. ففي أعلي درجات استيعابها لم تتجاوز 350 ألف عامل في الفترة من 1952-1963. وهي فترة النهضة الصناعية، وعن التوطين يشير المؤلف إلى أن القاهرة والإسكندرية حصدا النسبة الأكبر من المهاجرين من الدلتا والوادي.
6- برجوازية الدولة المصرية
في الفصل الثالث من الجزء الأول “العمالة في قطاع الدولة والقطاع الخاص” كان من نتائج ضعف البرجوازية التقليدية ما قبل يوليو 52، أن اندفعت سلطة يوليو نحو تقوية نفوذ برجوازية الدولة، عبر قيام قطاع الدولة بمهام التنمية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وهو ما ترتب عليه أيضا التحكم في سياسات التشغيل، ومن ثم امتلكت أدوات تأثير ضخمة، فارتفاع عدد العاملين بقطاع الدولة من 8% عام 1950 إلى 14,5% عام 1964/1965، ثم إلى 27% في السبعينيات؛ أدى في نهاية المطاف إلى تعزيز نفوذ البيروقراطية المصرية، وهي السمة الأساسية التي ظلت عالقة بالنظام الاقتصادي المصري.
ويرصد د. الحصري أهم السمات للعمالة المصرية في قطاع الدولة، فقد زادت بشكل ملحوظ بعد يوليو 52، رغم أن عدد من التقارير أشارت إلى أنه مع الوقت أصبح يعاني الترهل الشديد وعدم الكفاءة، وذلك لأنه أصبح هناك موظف لكل 23 مواطن، في مقابل موظف لكل 99 مواطن في بريطانيا، و87 مواطن في فرنسا. لقد أدت الزيادة المبالغ فيها في التوظيف الإداري إلى مشكلات متفاقمة، ما أدى إلى البطالة المقنعة. أما السمة الثانية فكانت خللا في أوليات التشغيل للعمالة، فمعدل الزيادة في العمالة في جهاز الدولة كان في الفترة من 77-1981 يمثل أربعة أمثال معدل الزيادة في النمو السكاني. ويشير المؤلف إلى أن معدل النمو في الزيادة الإدارية “يرتبط بذلك النمو غير المتوازن لهيكل العمالة في جهاز الدولة، نمو القطاعات القمعية والطفيلية على حساب قطاعات الإنتاج” ص 118. إضافة إلى تركيز العمالة في المدن الحضرية الكبرى، فالقاهرة تستحوذ على 40% من إجمالي العمالة في القطاع الحكومي الإداري.
كما أن من سمات تلك العمالة أنها كانت مفتتة على الوحدات الصغيرة في القطاع الخاص، وهو ما حدث أيضا في الوحدات الإنتاجية الزراعية، ولا يفوت المؤلف في الحديث عن القوي العاملة المصرية أن يؤكد على عمليات الاستنزاف التي تمت “خلال سنوات السبعينيات للقطاع العام للاستيلاء على كوادره التي تم تدريبها وإعدادها لفترات طويلة، وهي سمة من أهم سمات التوظيف في القطاع الخاص حيث أنه لا يستطيع أن يفي بحاجاته من العمالة المؤهلة إلا عن طريق مؤسسات الدولة التعليمية أو الاقتصادية” ص125.
وفي الفصل الرابع: “توزيع العمالة على القطاعات الاقتصادية“ يشير إلى أنه قبل يوليو 52، كان الوزن النسبي للعمالة المصرية يميل نحو ارتفاع العمالة الزراعية يليها العمالة في الخدمات. وبعد يوليو زاد الاتجاه نحو الخدمات خاصة، وفي السبعينيات وما بعدها قام الاقتصاد المصري علي الموارد الريعية. وهذا يعكس الطبيعة الهيكلية لأزمة الاقتصاد المصري بصفة عامة سواء قبل يوليو 52، أو أثنائها أو بعدها.
7- البطالة المقنعة والبطالة السافرة
الجزء الثاني من الكتاب “مشكلات تطور الموارد البشرية في مصر” ويتضمن خمسة فصول، في الفصل الأول “البطالة وسياسة إعداد الكادر” والبطالة هنا تختلف عن البطالة المقنعة ويطلق عليها البطالة السافرة، أي المتعطلة تماما عن العمل إذ “نشأت لقصور الطاقة الإنتاجية عن استيعاب الموارد البشرية وارتبطت بنمط توظيف الفائض الاقتصادي وآليات تبديده. وهي في المحصلة الأخيرة بطالة هيكلية نتاج للهياكل الاقتصادية المتخلفة والمختلة” ص162. ثم يقدم رصدا إحصائيا لمعدلات البطالة السافرة، إذ سجلت عام 1960 حوالي 175 ألفا، ثم وصلت إلى 2 مليون عام 1986، وأنها تزيد بين الإناث عن الذكور، وفي الحضر أكثر من الريف. وبالإجمال مثّلت البطالة في مصر حوالي 20 % من حجم قوة العمل عام 1988.
وعن العوامل المؤثرة في رفع معدلات البطالة يشير د. الحصري إلى أن هناك عوامل خارجية مثل تخلف اقتصاديات العالم الثالث عن العالم المتقدم حيث تختفي فيه فرع انتاج وسائل الإنتاج، وهو ما يدفع مصر دائما إلى الاستيراد، ما جعلها عرضة دائما للتأثر بأزمات العالم الرأسمالي وعلى رأسها البطالة. أما العوامل الداخلية فيرجع المؤلف ذلك لعدة أسباب منها أن سياسات التوظيف الحكومي خاصة في عهد يوليو52، قامت على الالتزام الكامل بتعيين وتوظيف الخريجين، وهو ما أدي إلى حدوث بطالة مقنعة، ثم عندما تراجعت الدولة في الثمانينيات إلى حد ما عن الالتزام الكامل أدت إلى بطالة سافرة. وهو ما يجعلنا نؤكد أن الدولة لم تهتم بسياسات إعداد الكادر أي الاهتمام بتأهيل الشباب لسوق العمل والاكتفاء بالعمل الإداري الذي أدي في نهاية الأمر إلى تضخم الجهاز الإداري الذي صار عبئا على الاقتصاد، ونتيجة ذلك قام المؤلف برصد بعض ملامح نظام التعليم المصري ودوره في افشال منظومة إعداد الكادر.
8- الأجور والاقتصاد
في الفصل الثاني من الجزء الثاني “الأجور ونصيب القوي العاملة من الدخل القومي” يطرح المؤلف هنا سؤال هام: إلى أي مدي تمتع أصحاب الأجور بنصيبهم من الثروة القومية بالتناسب مع أصحاب رأس المال؟ وهنا يشير بوضوح إلى ارتفاع الوزن النسبي لأصحاب عوائد التملك عن أصحاب الأجور، حيث كانت قبل ثورة يوليو تمثل 65% من الدخل الوطني، فيما كانت عوائد الأجور لا تتجاوز 35%. ولكن التوزان حدث مع السياسة الاقتصادية التي اتبعها نظام يوليو، بيد أنه سرعان ما عاد الخلل مرة أخري مع تطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي. وهذا الخلل غريب حقا وخاصة عندما نعلم أنه في أكبر البلدان الرأسمالية كالولايات المتحدة نجد أن عوائد الأجور تصل إلى 70% وعوائد التملك لا تزيد عن 30%، وقد ادي هذا الانحراف في معدلات توزيع الدخل القومي إلى زيادة معدلات الفقر نظرا لاتباع سياسات اقتصادية تسهم في مزيد من الإفقار.
وعلى صعيد الأجور يخصص المؤلف جزءا من دراسته لما أطلق عليه “السياسات الأجرية” حيث تتضاعف معدلات الأجور بحسب طبيعة العمل في القطاع الحكومي أو الخاص أو المشترك أو التعاوني. ونظرا لتضارب المصالح مع هذه القطاعات وغياب العمل النقابي المدافع عن مصالح القوي العاملة أدي إلى خلخلة كبري في جدول الأجور.
كما قدم المؤلف عددا من الملاحظات الدالة في هذا الفصل المتعلق بالأجور، منها أن أعلي متوسط للأجور كان في قطاع الخدمات لا سيما رجال الإدارة العليا والمستويات الوسيطة في قطاع الخدمات الحكومية، وكذلك عدم تناسب الأجور مع درجة تأهيل القوي العاملة، فبينما زادت أجور خريجي الجامعات بنسبة 250% نجدها زادت لدي عمالة القطاع المهني الهامشية بنسبة 1500% وصغار التجار بحوالي 2000 إلى 3000%.
ويشير د. الحصري أيضا في حديثه عن الأجور إلى “أن العديد من البحوث الاقتصادية أكدت على النظام الضريبي خلال الفترة من 52-1977 يعاني من عدم العدالة في توزيع الأعباء الضريبية” ص219. ونتيجة ذلك أصبح العبء الأساسي للضريبة في مصر يقع على عاتق العاملين بقطاع الدولة.
9- احتياجات البشر
في الفصل الثالث ” تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان ” يطرح المؤلف عدة موضوعات هامة يبحث من خلالها مدي قدرة الاقتصاد المصري علي تلبية الاحتياجات الأساسية كالغذاء والصحة والسكن والتعليم.. إلخ وتشير بعض البيانات إلى أن مشكلة الغذاء تفاقم تبرج كبيرة ابتداء من السبعينيات، وأن الأسر المصرية عانت من نقص كبير في الحبوب والسكر والخضروات واللحوم والفواكه، مع زيادة كبيرة في استهلاك المصريين للنشويات وهو ما انعكس على الصحة العامة لهم.
كما أن الخدمات العلاجية قد تراجعت سواء من حيث عدد الأسرّة للمرضي أو الخدمات العلاجية والوحدات الصحية العلاجية؛ خاصةً في الريف الذي يعاني من الأمراض المتوطنة. كانت هذه السمة واضحة قبل يوليو 52، ولكن سياسات الثورة حاولت القيام ببعض الإصلاحات في مجال الخدمات العلاجية. وكان التأمين الصحي هو أهم مشروع علاجي قامت به الثورة حيث دخل حيز التنفيذ عام 1964، وكان يستهدف أن يغطي خلال عشر سنوات كل المصريين، ولكن أقصى خدمة استطاع أن يقدمها هو تغطية 7% فقط من السكان. ومع مرور الوقت تدهورت الخدمة في عيادات التأمين الصحي.
تفاقمت أيضا مشكلة السكن بصورة كبيرة، حيث ظهرت بوادرها في السبعينيات وأصبحت معدلات بناء الوحدات السكنية لا تلبي احتياجات السكان، وإن كان الدكتور الحصري يؤكد “أن مشكلة الإسكان هي في حقيقتها ليست بأزمة نقص المعروض عن المطلوب، وإنما هي أزمة توزيع تعكس الي حد كبير نمط توزيع الدخل في مصر” ص235.
10- الهجرة الخارجية
الفصل الرابع “الهجرة الخارجية”: كان للهجرة الخارجية أثر عميق وكاشف في عرقلة تطور القوي البشرية المصرية لا سيما بعد موجة الهجرة الكبيرة للبلدان النفطية بعد أن ضاق السوق المصري علي توظيف واستغلال تلك العمالة، ما أدى إلى اعتناق الدولة سياسة تصدير القوي العاملة. والمفاجأة التي يقدمها المؤلف هنا أن نظام الهجرة وضع في مايو 1961، ثم صدرت عدة قرارات لتشجيعها بين صفوف الفنيين وخريجي الجامعات ابتداء من عام 1967.
وفي السبعينيات أصبحت الهجرة الخارجية أحد دعائم السياسة الاقتصادية المصرية، حيث أكد رئيس الدولة بنفسه على أهمية وضرورة هجرة العمالة للخارج.
وفي ملاحظة شديدة الألم يشير الدكتور الحصري إلى أنه “قد انقسمت الأقطار العربية في الحقبة النفطية إلى مجموعتين: مجموعة الأقطار المصدرة لرأس المال ومجموعة الأقطار المصدرة للعمالة مع ملاحظة أن تصدير رأس المال يتم إلى بلدان الرأسمال الصناعي المتقدم… وأن تصدير العمالة يذهب إلى البلدان النفطية” ص255. وعن الاحصائيات يشير المؤلف إلي أن المهاجرين في عام 1986، وصلوا إلى مليونين وربع المليون مصري من اجمالي 50 مليونا عدد السكان في حينها، أي بنسبة 4,5% من السكان، بينما كانوا عام 1976، 1,4 مليون نسمة، بنسبة 3,7% من السكان، أي أن هناك زيادة مطردة في الهجرة.
جدير بالذكر أن الهجرة نوعان، هجرة دائمة وهي موجودة في مصر حتى ما قبل ثورة يوليو 52، ولها أسباب سياسية وعرقية متعددة نظرا لوجود العنصر العثماني/التركي ودوره في تهجير أصحاب الحرف إلى الأستانه. والهجرة المؤقتة وتكاد تكون هي السمة الغالبة على الهجرة للخارج. وقد شهد عقدي السبعينيات والثمانينيات أعلي موجات الهجرة. وقد كان للهجرة الخارجية أثار سلبية كثيرة على المجتمع المصري، حيث أدت تحويلات العاملين بالخارج إلى إحداث نوع من التشوه في الاقتصاد المصري نتيجة الاعتماد على الموارد الريعية، إضافة إلى أن العمالة الماهرة غالبا ما كانت تفضل الهجرة.
11- رأس المال الأجنبي
الفصل الخامس “رأس المال الأجنبي وإعادة انتاج الايدي العاملة”. شهدت فترة السبعينيات عودة مصر للاندماج في السوق العالمي وتزايد دور رأس المال الأجنبي عن طريق الاستثمار والقروض، وصار الاقتصاد المصري أكثر اعتمادا على الخارج عن طريق زيادة الاستيراد بما أدي في النهاية إلى ارتفاع العجز في الميزان التجاري.
لقد أدي التحول في الاقتصاد المصري، إلى تعميق التبعية وتدمير الصناعات الوطنية، وتسريح أعداد ضخمة من الصناع والحرفيين وتفاقم مشكلة البطالة، وزيادة الرغبة في الهجرة، كما “أدت سياسة الانفتاح إلى تغلغل الاحتكارات العالمية في كافة مجالات حياة البلاد الاقتصادية والسياسية بعد أن قامت الحكومات المتتالية في عقد السبعينيات بتوفير المناخ اللازم لذلك من خلال تسهيل الأنشطة غير الخاضعة للمراقبة خاصة الشركات الأمريكية” ص 279، التي كانت علي صلة بالمستثمرين المصريين، ولذلك جاءت نسبة المصريين في حجم الاستثمارات حوالي 64 % والعرب 19 % والاوربيين 8 %. وهناك رأي يعزي تراجع نسبة المستثمرين الأوربيين إلى اعتبار مصر منطقة مخاطرة من الناحية السياسية.
ويرصد المؤلف المساهمات الاستثمارية الأجنبية في مصر.. فجاءت السياحة في المرتبة الأولي بنسبة 22% والإسكان بنسبة 13% والبنوك بنسبة 8% والخدمات بنسبة 8%… إلخ. فيما جاءت قطاعات حيوية مثل الصحة والمستشفيات بنسبة 2% وصناعة الدواء بنسبة1%.
ومن نتائج الاستثمار الأجنبي في مصر هو إفلاس عدد من الشركات الصناعية الكبرى، ومن أمثلة ذلك الشركة الأهلية للغزل والنسج التي انخفض إنتاجها من الأقمشة الشعبية من 20– 25 مليون متر سنويا إلى 8 مليون فقط. وانخفضت بها العمالة أيضا من 15 ألف عامل إلى أقل من النصف. وكذلك الشركة العامة للبطاريات حيث استبعد 1750 عامل منها، وبقي 200 عامل فقط حتى أغلقت تماما.
كل هذه السياسات الاقتصادية التي شهدتها حقبة السبعينيات وما بعدها، أدت إلى استنزاف الاقتصاد القومي، ما ترك أثرا بالغ السوء على العمالة وتفشي البطالة وزيادة القروض ومن ثم الإفقار. وعن برنامج المعونة الامريكية وشروطه يتحدث الحصري حديثا كاشفا عن حقيقة التدخلات الامريكية في برامج التنمية المصرية.
خاتمة
يرصد الدكتور أحمد الحصري التحولات الأساسية التي جرت على القوي العاملة المصرية وتوزيعها على مدار نصف قرن، وبيان حضورها في كافة الأنشطة الزراعية والخدمية والصناعية. وقد اختار أن ينطلق في دراسته المهمة تلك من الانسان، حيث دارت معظم فصول الكتاب حول الموارد البشرية، فيضع الانسان في قلب اهتمامه البحثي ولذلك كان طبيعيا أن يأتي عنوان الكتاب “بشر بلا ثمن” ليكون حديثه عن هؤلاء البشر الذين أفقدتهم السياسة الاقتصادية المصرية حياتهم، وتحكمت في مصائرهم، وتعاملت معهم كما تتعامل المجتمعات الاقطاعية مع الرقيق، فظلوا بلا حقوق أو مكتسبات أو ثمن كما يقول في عنوان كتابه الذي يختتمه بفقرة مهمة جدا إذ يقول: “لا يعني انتهاء الدور التاريخي للبرجوازية المصرية بشرائحها المسيطرة بالمعني الاجتماعي والاقتصادي الذي جاء بالبحث- أن قدرتها قد انتهت علي قيادة المجتمع سياسيا أو التأثير في تطوره، ولكن هذا التأثير يخرج عن موضوع البحث الاقتصادي وينتقل إلى مجال آخر تلعب فيه القوي السياسية- بما تمثله من مصالح لقوي اجتماعية أخري- الدور الحاسم لتغيير التوزان القائم حاليا في المجتمع المصري لصالح القوي التي تعبر بحق عن مصالح الأغلبية من الشغيلة والكادحين وتكون قادرة علي حل مشكلات القوي البشرية وصنع طريق جديد يفتح آفاق التطور أمامها” ص ص 329، 330.








