في الذكرى السنوية الأولى لتنصيب دونالد ترمب، رئيسا للولايات المتحدة، تبدو الصورة مختلفة جذريا عما كانت عليه في 20 يناير من العام الماضي. لم يعد الرجل مجرد رئيس مثير للجدل بخطاب شعبوي صاخب؛ بل تحوَّل -في نظر كثيرين داخل الولايات المتحدة وخارجها- إلى عامل زلزالي يعيد تشكيل أسس النظام الدولي، الذي قادته واشنطن نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فبدلا من نظام عالمي قائم على القواعد والمؤسسات والتحالفات، يكرّس ترمب نهجا أقرب إلى “سياسة القوة العارية”، حيث تُختزل العلاقات الدولية في ميزان الردع، والضغط، والتهديد، واستخدام القوة المباشرة أو التلويح بها بلا مواربة.
لقد بدا واضحا أن ترمب، منذ توليه السلطة، لا يؤمن كثيرا بفكرة “النظام الدولي الليبرالي” بوصفه إطارا يخدم المصالح الأمريكية على المدى الطويل. على العكس، يرى أن هذا النظام كبّل الولايات المتحدة، وأجبرها على تحمّل أعباء أمنية واقتصادية لا تتناسب – في نظره مع العوائد، قياسا إلى تكلفتها الأمريكية. لذلك تحوَّلت شعاراته الانتخابية، وعلى رأسها “أميركا أولا”، إلى سياسة خارجية عملية تقوم على إعادة تعريف النفوذ الأمريكي من خلال الهيمنة المباشرة، لا القيادة التوافقية.
من هنا، يمكن فهم سلسلة التحركات التي بدت صادمة حتى لحلفاء واشنطن التقليديين. الإطاحة بزعيم فنزويلا، أو الدفع بقوة نحو تغيير النظام هناك، لم تكن مجرد خطوة معزولة في أمريكا اللاتينية، ولكنها رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة عادت إلى التعامل مع جوارها الجغرافي باعتباره مجالا حيويا خالصا لها. التلويح بالسيطرة على الثروات النفطية الفنزويلية، والتهديد بتكرار السيناريو ذاته مع دول أخرى في المنطقة، أعاد إلى الأذهان حقبة “جمهوريات الموز” حين كانت واشنطن تتدخل عسكريا وسياسيا لضمان أن تبقى موارد القارة الجنوبية في متناول يدها.
أما الحديث عن غرينلاند، سواء جاء في إطار عرض “طوعي” للشراء أو عبر ضغط سياسي واستراتيجي، فيكشف جانبا آخر من رؤية ترمب: السيطرة على النقاط الجغراسياسية الحاسمة في عالم يتغير بسرعة. فغرينلاند ليست مجرد جزيرة نائية، بل عقدة استراتيجية في القطب الشمالي، حيث تتقاطع طرق التجارة الجديدة، وتتصاعد المنافسة على الموارد الطبيعية مع ذوبان الجليد. من هذا المنظور، لا يرى ترامب في سيادة الدول الصغيرة عائقا أخلاقيا أو قانونيا؛ وإنما تفصيلا يمكن تجاوزه إذا تعارض مع المصالح الأمريكية العليا.
التحذيرات الموجهة إلى إيران، بعد الضربة التي تعرضت لها في يونيو الماضي، تندرج هي الأخرى ضمن هذا النهج. فترامب لا يسعى فقط إلى ردع طهران أو تعديل سلوكها الإقليمي؛ بل إلى ترسيخ معادلة جديدة، مفادها: إن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة دون المرور عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، أو الحصول على غطاء دولي واسع. وهو بذلك يبعث برسالة مزدوجة: للأعداء بأن الخطوط الحمراء حقيقية وليست خطابا، وللحلفاء بأن عليهم التكيف مع واقع جديد أقل قابلية للتنبؤ.
السؤال الجوهري، هنا، هو: ماذا يستهدف ترمب فعليا من هذه التحركات؟
في نظرنا، فإن ثمة أهدافا يريدها ترامب..
الهدف الأول، يتمثل في إعادة الاعتبار للقوة الأمريكية بوصفها أداة مباشرة لفرض المصالح، بعد سنوات من التآكل النسبي للهيمنة الأمريكية لصالح قوى صاعدة. ترامب ينطلق من قناعة بأن التراجع الأمريكي لم يكن قدرا تاريخيا، ولكنه نتيجة خيارات سياسية خاطئة اعتمدت على التعددية والتسويات. لذلك يسعى إلى قلب المعادلة عبر استعراض القوة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى ردع المنافسين وإجبارهم على القبول بشروط واشنطن.
الهدف الثاني، داخلي بامتياز. فسياسات ترامب الخارجية، مهما بدت مغامِرة أو خطرة، تخاطب قاعدة شعبية واسعة ترى في القوة العسكرية والتصلب في مواجهة الخارج دليلا على “استعادة العظمة الأميركية”. ومن هنا، تتحول السياسة الدولية إلى امتداد للسياسة الداخلية، حيث يُعاد تسويق كل تحرك خارجي على أنه انتصار للكرامة الوطنية وحماية للمصالح الاقتصادية الأمريكية.
لكن يبدو أن تساؤلا آخر يطرح نفسه: هل تؤدي هذه الخطوات فعلا إلى تغيير في النظام الدولي؟
من الصعب الجزم بأن نظاما دوليا جديدا قد تبلور بالكامل؛ إلا أن المؤكد هو أن النظام القائم يتعرض لهزات عميقة وعنيفة. فحين تتخلى القوة المهيمنة عن دور “حارس القواعد”، وتتحول إلى أول من ينتهكها أو يتجاوزها، فإن شرعية تلك القواعد تتآكل بسرعة. والنتيجة ليست بالضرورة نظاما بديلا مستقرا، ولكن حالة من السيولة والفوضى الاستراتيجية، حيث تشعر الدول -كبيرة كانت أم صغيرة- بأن الاعتماد على المؤسسات الدولية لم يعد كافيا لحمايتها.
في هذا الفراغ النسبي، يظهر الدور الأوروبي بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر ارتباكا. أوروبا، التي بنت أمنها وازدهارها على الشراكة مع الولايات المتحدة، ضمن إطار حلف شمال الأطلسي والنظام الليبرالي، تجد نفسها اليوم أمام شريك لا يشاركها القيم ولا الأولويات. الضغوط الأمريكية على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها العسكري، والتعامل معها بمنطق الصفقات لا التحالفات، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى التفكير جديًا في مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”. غير أن هذا التفكير ما زال يصطدم بواقع الانقسامات الداخلية، وضعف الإرادة السياسية، والاعتماد العميق على المظلة الأمريكية.
من هنا، يبدو الدور الأوروبي حتى الآن ردّ فعل أكثر منه فعلا.. فبدلا من أن تقود أوروبا مبادرة لبناء نظام موازٍ قادر على الصمود، تنشغل بمحاولة تقليل الخسائر والتكيف مع مزاج واشنطن المتقلب. هذا التردد قد يجعل القارة العجوز أحد أكبر الخاسرين في حال استمر تفكك النظام الدولي القائم.
أما على مستوى الأفكار، فيبرز تساؤل لافت: هل يحاول ترامب إحياء مبدأ مونرو، الذي صاغته الولايات المتحدة في مطلع القرن التاسع عشر، لإبعاد القوى الأوروبية عن نصف الكرة الغربي، ولكن بصيغة جديدة يمكن تسميتها مجازا “مبدأ دونرو”؟
كثير من المؤشرات تدعم هذا الطرح؛ فالتشدد الأمريكي في أمريكا اللاتينية، ورفض أي نفوذ خارجي – صيني أو روسي- في المنطقة، يعكس رغبة واضحة في إعادة ترسيم المجال الحيوي الأمريكي. الفارق أن النسخة الحديثة من هذا المبدأ لا تقتصر على نصف الكرة الغربي؛ بل تمتد لتشمل مناطق أخرى تُعد حيوية للمصالح الأمريكية، من الشرق الأوسط إلى القطب الشمالي.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل موقع روسيا والصين في النظام الذي يتشكل على أنقاض القديم. روسيا، التي خبرت طويلا سياسة القوة، تجد في نهج ترامب فرصة ومصدر قلق في آن واحد. فمن جهة، يؤدي إضعاف المؤسسات الدولية إلى تقليص القيود على تحركات موسكو في محيطها الجغرافي؛ ومن جهة أخرى، فإن سياسة أمريكية أكثر عدوانية وغير قابلة للتنبؤ قد تزيد من احتمالات الصدام المباشر. العلاقة بين الطرفين، رغم الخطاب المتقلب، محكومة بتوازن دقيق بين التفاهم التكتيكي والتنافس الاستراتيجي.
أما الصين، فهي اللاعب الأكثر استفادة على المدى الطويل من تراجع النظام القائم على القواعد. فبكين لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن كي توسع نفوذها؛ يكفيها أن تملأ الفراغ الذي يتركه الانكفاء الأمريكي عن القيادة التعددية. غير أن تصعيد ترامب وسياسة “كسر العظم” قد تدفع الصين أيضا إلى تسريع استعدادها لمواجهة عالم أكثر خشونة، حيث القوة لا القواعد هي الحكم النهائي.
في هذا الإطار.. يمكن القول إنه لا يمكن النظر إلى تحركات دونالد ترمب بوصفها مجرد نزوات سياسية أو قرارات معزولة، بل جزءا من رؤية شاملة -وإن كانت مثيرة للجدل- لإعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم. هذه الرؤية تهز أسس النظام الدولي، وتضع الحلفاء والخصوم أمام معادلة صعبة: إما التكيف مع واقع جديد تحكمه القوة والمصالح الضيقة، أو السعي -بقدرات محدودة- إلى إحياء فكرة النظام القائم على القواعد.
وبين هذين الخيارين، يقف العالم على أعتاب مرحلة انتقالية مفتوحة على كل الاحتمالات.








