بقلم: حسين عبد الغني، إعلامي وصحفي مصري
نقلًا عن موقع عروبة ٢٢

في ذِكْراها الخامِسَةَ عَشْرَةَ يَسْتَحِقُّ الحَديثُ عَنْ “ثَوْرَةِ 25 يَنايِر/كانونِ الثّاني” السِّلمِيَّةِ المُتَحَضِّرَةِ أَكْثَرَ مِنْ “نوسْتالجِيا” الثُّوّارِ إلى “يوتوبِيا” الأَيّامِ الـ18 الخالِدَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ لَعَناتِ الثَّوْرَةِ المُضادَّةِ التي حَوَّلَتْها إلى كابوسٍ وَفَزّاعَةٍ. هَذِهِ الثَّوْرَةُ تَسْتَحِقُّ حَديثًا عَنْ عَلاقَتِها بِالمُسْتَقْبَلِ بَدَلًا مِنَ الاسْتِغْراقِ في الحَديثِ الماضَويِّ عَنْ جَنَّةِ “التَّحْريرِ” وَجَهَنَّمِ “مُصْطَفى مَحْمود”.
يَسْتَقِرُّ تَقْديرُ المَوْقِفِ هَذا على خُلاصَةٍ مَفادُها أَنَّ هَذِهِ الثَّوْرَةَ تَأْخُذُ مَكانَها في التَّاريخِ الآنَ كَفُرْصَةٍ نادِرَةٍ ضائِعَةٍ لِإِحْداثِ تَغْييرٍ سِلمِيٍّ مُتَدَرِّجٍ في مِصْرَ وَالعالَمِ العَرَبيِّ يَصْعُبُ تَكْرارُ ظُروفِها قَبْلَ زَمَنٍ طَويلٍ. بَل إِنَّ مِصْرَ وَالعالَمَ العَرَبِيَّ لَمْ يَكونوا أَبْعَدَ مِمّا هُمْ الآنَ عَنْ هَذا السِّياقِ المِثاليِّ “لِلانْتِقالِ الدّيموقْراطيّ” والذي يَحْفَظُ وَحْدَةَ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة. وَهَذِهِ هِيَ الحَيْثِيّات:

مُقَوِّماتُ نَجاحٍ تَحْتاجُ إلى تَراكُمِ سَنَواتٍ تَمَّ إِهْدارُها
تَوافَرَتْ لِثَوْرَةِ يَنايِر في مِصْرَ وَالياسَمينِ في تُونُسَ قَبْلَها بِشَهْرٍ واحِد، مُعْظَمُ مُقَوِّماتِ النَّجاحِ المُسْتَقِرَّةِ في عِلْمِ الانْتِفاضات، كانَتْ كَفيلَةً بِإِحْداثِ تَغْييرٍ ثَوْرِيٍّ سِلْمِيٍّ يَنْقُلُ تَدْريجِيًّا، وَلَكِنْ بِحَزْم، النُّظُمَ السُّلطَوِيَّةَ إلى نُظُمٍ ديموقْراطِيَّة. تَوافَرَتِ الكُتْلَةُ الحَرِجَةُ مِنْ مُعْظَمِ الطَّبَقاتِ المِصْرِيَّة. لَكِنَّ الأَهَمَّ في تَكْوينِ الكُتْلَةِ الحَرِجَةِ هُوَ نُزولُ الأَغْلَبِيَّةِ مِنَ المَلايينِ التي مَلَأَتْ مَيادينَ مِصْرَ مِنَ العُمّالِ وَالفَلّاحينَ وَالطُّلّابِ وَالشَّرائِحِ الدُّنْيا وَالمُتَوَسِّطَةِ مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسْطى قَدَّرَها البَعْضُ بِـ15 مِلْيونًا في بَعْضِ الأَيَّامِ الـ18.
تَوَفَّرَ أَيْضًا لِلكُتْلَةِ الحَرِجَةِ ما يُسَمّى بِالوَسيطِ السِّياسيِّ الذي يُبَلْوِرُ المَطالِبَ في شِعاراتٍ جامِعَةٍ سَقْفًا يَقْبَلُ الجَميعُ الوُقوفَ تَحْتَهُ “عَيْش. حُرِّيَّة. عَدالَة اجْتِماعِيَّة”. هَذا الوَسيطُ تَوافَرَ بِامْتِلاكِ يَنايِر لِنُخَبٍ وَحَرَكاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ حَيْثُ كانَتْ أَحْزابُ المُعارَضَةِ التَّقْليدِيَّةِ إِمَّا تَمَّ اسْتيعابُها في حَوافِزِ النِّظامِ السِّياسيِّ أَوْ مُنِعَتْ مِنَ التَّواصُلِ مَعَ الشّارِع. ساهَمَ في تَوافُرِ هَذا الوَسيطِ السِّياسيِّ الذي يُوَفِّرُ رَشادَةً سِياسِيَّةً تَضْمَنُ سِلمِيَّةَ الانْتِفاضات، وَلِهَذا كانَ مِنْ أَشْهَرِ شِعاراتِ يَنايِر خاصَّةً في مُواجَهَةِ العُنْفِ البِدائيِّ في مَعْرَكَةِ الجَمَلِ وَغَيْرِها “سِلمِيَّة… سِلمِيَّة” أَوْ “مَدَنِيَّة… مَدَنِيَّة” أَوْ “مَدَنِيَّة لا دِينِيَّة وَلا عَسْكَرِيَّة”.











