لا يأتي القصص القرءاني بوصفه سردا تاريخيا لمجرد العظة العابرة أو الإمتاع الوجداني، وإنما يتجاوز ذلك إلى وظيفة أعمق وأخطر، تتمثل في كشف السُنن الإلهية التي تحكم حركة الإنسان وسير التاريخ وصعود الأمم وسقوطها. فالقرءان الكريم حين يقصّ أخبار الأولين لا ينقل وقائع منتهية الصلاحية؛ ولكن يضع بين يدي الإنسان قوانين ربانية مطردة، لا تحابي فردا ولا أمةً، ولا تتبدل بتبدل الزمان والمكان، لتكون مرآةً يقرأ فيها الحاضر ملامح مستقبله.
من هذا المنظور، يُمثل القصص القرءاني ركيزةً أساسيةً في منهج التربية القرءانية، لا لمجرد سرد أخبار الأولين، بل لأنه يكشف دلالات قوله سبحانه وتعالى: “سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا” [الفتح: 23]. هذه السنن هي قوانين إلهية مطردة، ثابتة كثوابت الكون، لا تحابي أمةً ولا تتبدل بتبدل الزمان أو المكان، وهي تقدم للإنسان مفتاح فهم حركة التاريخ وصيرورة الأمم. يقول سبحانه: “لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ” [الحجر: 13]؛ مُؤكدا وحدة القانون الحاكم لمصائر الشعوب عبر العصور.
السُنن الإلهية
تتميز السنن الإلهية بخصائص تجعلها حاكمةً مطلقةً للوجود الإنساني. فهي سُنن ربانية المصدر، من وضع العليم الحكيم، الذي: “ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ…” [السجدة: 7]. وهي ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، كما يؤكد ذلك قوله تعالى: “… فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلۡأَوَّلِينَۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا” [فاطر: 43].. ليس فقط؛ بل هي عدلية شاملة، تسري على المؤمن والكافر، القوي والضعيف، فلا محاباة فيها. ثم، إنها -في الوقت نفسه- قابلة لـ”التعقل والاستنباط”؛ حيث يدعونا القرءان للتأمل فيها، كما في قوله سبحانه: “قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ” [الأنعام: 11].
وهنا، يمكن الإشارة إلى بعض من هذه السُنن الإلهية، التي يمكن الاستدلال عليها من خلال القصص في القرءان الكريم.
أولا: سنة التمكين والاستخلاف المشروط
تتجلى هذه السنة في مسيرة الأنبياء وأتباعهم، حيث يمرون بمحك الابتلاء قبل النصر. فقصة يوسف عليه السلام – من البئر إلى العزيزية – تُجسد مراحل الابتلاء والتمحيص ثم التمكين؛ ذلك الذي يأتي عبر قوله عزَّ من قائل: “وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ” [يوسف: 21].
هذا التمكين ليس مطلقا؛ وإنما هو مشروط بالطاعة والإيمان، كما في وعد الله العام الذي يرد في قوله عزَّ وجل: “وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ…” [النور: 55]. لكن القصص يوضح، أيضا، أن التمكين يمكن أن يزول إذا زالت أسبابه، كما حدث لبني إسرائيل بعد أن تنكبوا منهج الله سبحانه وتعالى: “وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ” [الأعراف: 167].
ثانيا: سنة التدافع بين قوة الحق والباطل
يصور القرءان الكريم هذا الصراع بوصفه سُنةً أزلية، كما في قصة موسى وفرعون، التي هي نموذج صارخ للتدافع بين قوة الحق المتمثلة في أنبياء الله موسى وهارون عليهما السلام، وقوة الباطل المتمثلة في فرعون وملئه.
لا يقرر القرءان حكمة هذا التدافع فقط، مثلما يرد في قوله سبحانه: “… وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ” [البقرة: 251]؛ ولكن -في الوقت نفسه- يُبين أن نصر الحق ليس دائما فوريا، ولكنه قد يتطلب صبرا طويلا، كما في قصة نوح التي يؤشر إليها قوله تعالى: “وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ” [العنكبوت: 14]. لكن العاقبة في النهاية للمتقين، مثلما يأتي التأكيد الإلهي: “وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٭ إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ٭ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ” [الصافات: 171-173].
ثالثا: سنة التغيير الحضاري المرتبط بتغيير النفوس
يربط القرءان بين سقوط الحضارات وانحرافها عن منهج الله. قوم عاد وثمود أهلكوا بعد طغيانهم، وإفسادهم في الأرض. يقول عزَّ وجل: “فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٭ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ٭ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ” [فصلت: 15-17].
ولا يكتفي القرءان الكريم بذلك؛ بل يُقرر القانون العام للتغيير، وذلك كما يرد في قوله عزَّ من قائل: “… إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ” [الرعد: 11].. فالتقدم والانحدار يبدآن من الداخل أولا.
رابعا: سنة الابتلاء والتمحيص واختبار الإيمان
تظهر هذه السنة في معظم القصص القرءاني. فقصة أيوب عليه السلام تقدم نموذجا للابتلاء في النفس والمال والأهل؛ حيث يقول سبحانه وتعالى: “وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٭ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ” [الأنبياء: 83-84]. وقصة أصحاب الكهف أيضا، تُظهر ابتلاء الإيمان حيث يقول سبحانه: “إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا” [الكهف: 10]. بل إن القرءان يُقرر أن الإيمان ليس دعوى تُرفع، ولكن حقيقة تُختبر. يقول تعالى: “الٓمٓ ٭ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ” [العنكبوت: 1-2].
وتكشف قصص الأنبياء أن الابتلاء هو الطريق الحتمي لتكوين الصف المؤهل لحمل الرسالة؛ فقصة نوح عليه السلام تُظهر امتداد الابتلاء عبر قرون من الدعوة، وقصة إبراهيم عليه السلام، تكشف سلسلة من الامتحانات القاسية التي لم تُفضِ إلى الاصطفاء إلا بعد اكتمال الصبر والتسليم. إن هذه السُنة تؤكد أن التمكين لا يسبق الاختبار، وأن الأمم التي تبحث عن النصر دون كلفة إنما تطلب خرقا للسنن لا تحققا لها.
فهل هذه السنن هي ما يمكن الاستدلال عليه من القصص القرءاني؟
وللحديث بقية.







