رؤى

مصر وتركيا.. تقاطع المصالح وتلاقي الضرورة

في توقيت إقليمي بالغ التعقيد، جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، يوم الأربعاء الماضي؛ لتفتح بابا واسعا للتأويلات السياسية والاستراتيجية؛ ليس فقط بسبب رمزيتها بعد سنوات من القطيعة والتوتر، ولكن أيضا بسبب الرسائل المصاحبة لها، وعلى رأسها ما كشفته القاهرة قبيل الزيارة من معطيات اقتصادية تعكس عمق المصالح المشتركة بين البلدين.

التساؤل الذي يفرض نفسه، هو: هل نحن أمام “تقاطع مصالح” بين مصر وتركيا؟؛ أم “تلاقي ضرورة” فرضته التحولات الدولية، والإقليمية؟؛ أم أن اللقاء يمثل بداية اصطفاف إقليمي جديد، يُعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط؟

الزيارة في حد ذاتها لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تمر به المنطقة. الشرق الأوسط يعيش حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة: حرب ممتدة في غزة وتداعياتها الإقليمية؛ تصاعد التنافس في شرق المتوسط؛ تراجع الانخراط الأمريكي المباشر، وتنامي أدوار قوى إقليمية تبحث عن تثبيت نفوذها، في ظل نظام دولي مضطرب. في هذا المناخ، يصبح التقارب بين مصر وتركيا حدثا يتجاوز المجاملات الدبلوماسية، ويدخل في نطاق الإقليمية الحسابات الكبرى.

اللافت أن القاهرة اختارت توقيتا دقيقا للإعلان عن أرقام التجارة الخارجية مع تركيا؛ حيث أظهر التقرير الرسمي أن الصادرات المصرية إلى السوق التركية بلغت 26.71 مليار دولار، خلال الفترة من 2015 إلى 2024. هذا الرقم، في ظاهره، مجرد معطى اقتصادي؛ لكنه -في جوهره- رسالة سياسية بامتياز. فالعلاقات بين البلدين، رغم التوتر السياسي الحاد الذي أعقب عام 2013، لم تنقطع اقتصاديا؛ بل حافظت على مستوى من “البراغماتية” يعكس إدراك الطرفين لصعوبة فك الارتباط الكامل بين اقتصادين متشابكين.

من هنا، يمكن القول إن اللقاء بين السيسي وأردوغان يحمل سمات “تلاقي الضرورة” أكثر من كونه تحالفا أيديولوجيا أو استراتيجيا مكتمل الأركان. الضرورة هنا مزدوجة: مصر بحاجة إلى توسيع هامش حركتها الإقليمية، وتنويع شراكاتها في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وتحديات أمنية محيطة؛ وتركيا بدورها تبحث عن كسر عزلتها النسبية في شرق المتوسط، وإعادة ترميم علاقاتها مع القوى العربية المحورية، بعد سنوات من سياسات خارجية صدامية أثقلت كلفتها الاقتصادية والسياسية.

لكن “تلاقي الضرورة” لا يعني، بالضرورة، التقاءً هشا أو مؤقتا. على العكس، قد يكون أكثر واقعية وقابلية للاستمرار، لأنه يقوم على مصالح ملموسة، لا على شعارات أو رهانات أيديولوجية. وهذا ما تحاول القاهرة تأكيده عبر إبراز البعد الاقتصادي للتقارب، باعتباره قاعدة صلبة لأي تفاهم سياسي لاحق.

السؤال الأوسع هو: هل يمهد هذا اللقاء لاصطفاف إقليمي جديد يضم مصر وتركيا؟

الإجابة هنا أكثر تعقيدا. الاصطفاف الإقليمي، بمعناه الكلاسيكي، يفترض وجود رؤية مشتركة تجاه قضايا المنطقة، وتنسيقا سياسيا وأمنيا طويل الأمد. حتى الآن، ما زالت هناك ملفات خلافية لم تُحسم بالكامل، من ليبيا إلى شرق المتوسط، مرورا بتوازنات العلاقات مع اليونان وقبرص، وطبيعة الدور التركي في بعض الساحات العربية.. مثل ليبيا والصومال.

ومع ذلك، يمكن الحديث عن بداية “تقاطع مصالح” قد يتطور تدريجيا إلى اصطفاف مرن، لا يقوم على محاور صلبة، ولكن على تنسيق انتقائي في ملفات بعينها. فمصر وتركيا تملكان ثقلا ديموغرافيا وعسكريا واقتصاديا، يجعل أي تقارب بينهما عامل توازن مهم في الإقليم. كما أن كليهما يدرك أن مرحلة الاستقطاب الحاد بين المحاور الإقليمية بدأت تفقد جدواها، لصالح مقاربات أكثر براغماتية.

الدلالة الاقتصادية للزيارة لا تقتصر على أرقام الصادرات فقط؛ بل تمتد إلى ما تعنيه هذه الأرقام من ثقة متبادلة، وقدرة على إدارة الخلافات السياسية دون التضحية بالمصالح الاقتصادية. فتركيا تُعد من أهم الشركاء التجاريين لمصر، والاستثمارات التركية في السوق المصرية تمثل رافدا مُهمّا لقطاعات الصناعة والتشغيل. في المقابل، تمثل مصر سوقا واسعة وبوابة استراتيجية للمنتجات التركية إلى أفريقيا والعالم العربي.

واللافت، أن إبراز القاهرة لهذه المعطيات قبيل الزيارة يحمل رسالة مزدوجة:

للداخل، بأن الدولة قادرة على توظيف السياسة الخارجية لخدمة الاقتصاد الوطني. وللخارج، بأن مصر لاعب اقتصادي موثوق، وأن أي تقارب سياسي معها لا ينفصل عن مصالح اقتصادية حقيقية. كما أن الرسالة موجهة أيضا لشركاء إقليميين ودوليين، مفادها أن القاهرة لا تتحرك بردود فعل؛ وإنما وفق حسابات دقيقة ومتوازنة.

أما الإعلان عن أطر لـ”التعاون العسكري”، خلال الزيارة، فيضيف بُعدا آخر لا يقل أهمية. التعاون العسكري بين مصر وتركيا، حتى وإن بدأ بخطوات محدودة مثل تبادل الخبرات أو التنسيق الصناعي، يحمل دلالات استراتيجية عميقة، في منطقة تعج بالصراعات والتدخلات الخارجية.

هذا التعاون لا يعني بالضرورة تحولا جذريا في العقيدة العسكرية أو تحالفا دفاعيا مباشرا، لكنه يفتح الباب أمام تنسيق أوسع في ملفات الأمن الإقليمي؛ مثل: أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، ومكافحة الإرهاب، وتأمين خطوط الملاحة والطاقة. كما أنه يبعث برسالة ردع ناعمة، مفادها أن القوى الإقليمية الكبرى قادرة على إدارة أمنها بعيدًا عن الوصاية الخارجية.

في المحصلة، زيارة أردوغان إلى القاهرة تمثل لحظة مفصلية في مسار العلاقات المصرية – التركية. هي ليست نهاية الخلافات، ولا بداية تحالف شامل بين ليلة وضحاها، لكنها خطوة محسوبة في اتجاه إعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من منطق الصدام إلى منطق إدارة المصالح. “تلاقي الضرورة” هنا لا يُختزل في ظرف طارئ؛ بل يعكس وعيا متبادلا بأن كلفة القطيعة باتت أعلى من كلفة التقارب.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن زيارة أردوغان إلى القاهرة تمثل لحظة مفصلية في العلاقات بين البلدين، وهي تجسد مقولة “لا عداء دائمًا ولا صداقة دائمة، بل مصالح دائمة”. العنصر الاقتصادي يظهر بوصفه قوة دافعة رئيسة، ويثبت أن جسور المصلحة ظلت قائمة تحت سطح التوتر السياسي. التعاون العسكري المعلن، إذا نفذ بجدية، قد يرفع العلاقة إلى مستوى جديد من الثقة.

اللقاء يبدو في جانب كبير منه “تلاقي ضرورة” تفرضه الظروف الإقليمية والداخلية الصعبة، لكنه قد يتطور إلى أكثر من ذلك إذا تمكن الطرفان من تحويل المصالح المشتركة إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى