بقلم: حسين عبد الغني، إعلامي وصحفي مصري
نقلًا عن موقع عمان

كلما مضى الوقت دون إنشاء هيكل جديد للأمن القومي العربي تضاءل الأمل الذي يراود الشعوب في حدوث صحوة عربية كبرى تخرج الأمة من الغيبوبة التي دخلتها منذ نصف قرن.
انبثق هذا الأمل في الشهرين الأخيرين بسبب لحظة الوعي النادرة التي استيقظت فيها سبع دول عربية في الجزيرة العربية ووادي النيل والقرن الإفريقي بالإضافة لثلاث دول عربية في شمال افريقيا على الأقل لتجد نفسها وأمنها محاصرا بقوس أزمات يطوقها برا وبحرا، أو يهددها بميليشيات أو نزعات انفصالية.
في لحظة الوعي هذه بدا أن بلد زبيغنيو بريجنسكي -صاحب نظرية قوس الأزمات- أي الولايات المتحدة هي التي ترسم خطوط هذا القوس وتقوم بفرضه بمعاونة أداتها الإقليمية الجديدة المفضلة وهي الحلف الإبراهيمي وتحالف I2U2 اللذان عقدا بالتتابع بشكل مثير للتأمل.
كشفت مغامرات جنوب اليمن في المهرة وحضرموت، واعتراف إسرائيل بصوماليلاند والدعم الكثيف لمليشيا الدعم السريع، وانتزاع مكاسب على الأرض ضد الجيش الوطني السوداني، أن الفاعلين في هذا الحلف لا يقتصر على من وقعوا على اتفاقيات إبراهام ولكنه يمتد فعليا من الهند في المحيط الهندي وبحر العرب إلى إثيوبيا في القرن الأفريقي إلى إسرائيل على البحر المتوسط.
مضي نحو شهرين دون قيام تحالف جيو سياسي يضم أغلب الدول العربية تصبح معه الأطراف -التي رفعت اتفاقيات تحالفها الإبراهيمي فوق هويتها ورابطتها ومواثيق دفاعها ـ معزولة وربما مجبرة على إعادة النظر في دورها الوظيفي الذي حولها لحصان طروادة يدعم الميليشيات وتفكك الدولة الوطنية، ويستولي على الجزر والموانئ ومداخل الممرات البحرية ضمن خطة إسرائيل لإضعاف العرب وبلقنة المنطقة كلها؛ بما في ذلك السعي لإضعاف البلدين المسلمين الأصيلين في الإقليم، وهما إيران وتركيا.
قبل شهر واحد وعلى نفس هذه الصفحة الغراء حذرت من أن اكتفاء دول النطاق الجيوسياسي الذي تلتقي مصالحه الأمنية بالبيان المشترك ضد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في مواجهة التحالف الإبراهيمي سيكون كارثة استراتيجية.
للأسف يبدو أن هذا السيناريو المتشائم هو الذي ترجح احتمالاته والذي تنزلق إليه الأمة فتقوم بتبديد لحظة الوعي وتفلت من بين أيديها فرصة تاريخية أخرى للخروج من الغيبوبة التي دخلها العرب منذ زيارة السادات للقدس.
محاولة فهم لماذا يتراجع الأمل؟ ولماذا لم يقم التحالف الجيوسياسي ويخلق آلية تفكير سياسي وآلية ردع أمني جماعي؟ لا تتعلق فقط بالحاضر ولكن تتعلق بالمستقبل والخيارات التي يطرحها على النخب والقوى الاجتماعية العربية من مهام .
تقول خبرة التاريخ إن قيام تحالف سياسي/ أمني بين مجموعة من الدول لا يتم لمجرد شعورها بأخطار مشتركة، بل عندما تصل لاتفاق حاسم فيما بينها على نقطتين مترابطتين متتاليتين: الأولى هي من هو العدو المشترك الذي يجب أن يقوم التحالف لصد خطره، والثانية هي ماهية التهديد الذي يمثله هذا العدو هل هو تهديد وجودي شامل؟ أم تهديد ثانوي وجزئي ؟.
بينما بدا واضحا لكل ذي عينين في لحظة الوعي أن العدو الذي يهدد الأمن العربي والأمن الإقليمي هو هذا الحلف الإبراهيمي الممتد من المحيط الهندي للقرن الإفريقي ومن إسرائيل للدول العربية الإبراهيمية، وليس إيران وليس روسيا وليس الصين، فإن الأطراف العربية فضلت أن تتهرب من الحقيقة وتتخلى عن الوضوح الاستراتيجي. خشيت هذه الدول من الاعتراف بأن إسرائيل لا تريد السلام ولكن التوسع «زادت إسرائيل مساحة الأراضي التي تسيطر عليها بنحو مائة كيلومتر سنويا في ال٧٧ عاما منذ قيامها، جزء كبير منها بعد توقيع اتفاقيات السلام مع العرب!!». . رفضت الأطراف العربية أن تصارح نفسها وشعوبها بأن إسرائيل حولت العالم العربي بعد هذه الاتفاقيات إلى ساحات حرب مستباحة بعد أن حيدت الدولة العربية الأكبر وأخرجتها من المواجهة العسكرية.
الاعتراف بهذه الحقيقة كان ليكون اعترافا مريرا بأن مسار السلام المنفرد الذي مشت فيه الأمة يجب إعادة النظر فيه.
ماعرف بالخيار الاستراتيجي وآخر الحروب عند العرب كان عند إسرائيل يعني الانفراد بشن الحروب على العرب.
لم ينتج هذا المسار استقرارا وتفرغ للتنمية كما جرت عملية تسويقه بل امتد لهدم الدولة الوطنية العربية وتمزيق وحدتها منذرا بشرق أوسط جديد تفككه واشنطن وتل أبيب وتعيد تركيبه على مقاس هيمنتها.
التخلي عن تحديد العدو بصرامة رافقه التهاون والتسيب في تخفيف توصيف الخطر من خطر وجودي يهدد الأمن الوطني بل والوجود السياسي للعديد من الدول العربية إلى خطر مؤقت يمكن تجاوزه بإجراءات محدودة.
يعرف هؤلاء أن الاعتراف بأن الخطر الوجودي يستدعي تغيرات هيكلية جذرية تشمل إعادة النظر في مسار السلام المفروض بالقوة الاسرائيلية وفي الاختراق الإبراهيمي الذي لحقه ويستدعي النكوص عن خطوات كبيرة تم اتخاذها من ممر بهارات إلي حلف النقب والتنسيق العسكري العربي – الإسرائيلي القائم والذي تنسقه القيادة المركزية الأمريكية من مقراتها في المنطقة.
لدفن الرأس في الرمل جرى تسويق أسباب أخرى ثانوية وبعضها غير حقيقي عن الصراع؛ منها مثلا أن سبب الصراع هو تنافس بين دولتين خليجيتين على النفوذ الإقليمي، أو علي من منهما يصبح مركزا ماليا وتجاريا وتكنولوجيا للمنطقة، تتجه إليه الاستثمارات الأجنبية وتنتقل إليه المقرات الإقليمية للشركات الدولية متعددة الجنسيات.
جرى أيضا تخفيض نطاق الخطر من خطر يهدد العالم العربي بسايكس / بيكو جديد ودويلات عرقية وطائفية إلي حصره في جنوب اليمن أو مدخل البحر الأحمر وباب المندب .. بل وصلت الرغبة في الهروب من مواجهة العدو الحقيقي بالبعض بالاحتفال المبكر الزائف بأن التهديد زال أو كاد مع انسحاب طرف من إحدى ساحات المواجهة.
تبريد أزمة وجودية نارها مشتعلة تحت جليد الخوف من الوضوح الاستراتيجي كان عجزا عن مراجعة مسار ثبت انه أنهى الأمن القومي العربي وحول العرب لأعداء لجيرانهم بالجغرافيا والتاريخ والدين، بل أعداء لبعضهم البعض يدعم بعضهم ميليشيات مسلحة أو مجموعات انفصالية، أو ينشئ قواعد لإسرائيل على حدود بلاد مجاورة.
لن توقف الخطوات المحدودة والجزئية في الإعلان عن اتفاقية هنا أو تحالف أمني ثنائي هناك خطرا وجوديا يشمل تطويقا وحصارا لدول عربية رئيسية، أو تفكيكا لوحدة دول أخرى .
وراء هذه الاستجابة المتساهلة تحد خطير أسبابه قطرية مختلفة وأسباب عامة مشتركة.
في المشترك يبدو أن العامل الرئيسي هو الخوف من استثارة غضب أمريكي من الإعلان الصريح أن إسرائيل وحلفاءها الإقليميين العدو الحقيقي، أو على الأقل العدو الرئيسي الآن الذي يهدد وحدة واستقرار الدولة الوطنية العربية.
لا يتعلق الأمر فحسب بالمصالح الاقتصادية والنفطية، بل بحقيقة أنه مع نهاية مشروع التحرر العربي بعد معاهدات السلام تم إدماج معظم البلدان العربية في بنية الأمن الأمريكي ومنظومات تسليحها.
كثير من النخب العربية الحاكمة لديها مشكلة شرعية سياسية، ويضعف هذا من قدرتها على مواجهة أزمة وجودية بجرأة قد تضعها أمام أوراق ضغط غربية بخصوص قضايا حقوق الإنسان والمشاركة السياسية.
في الأسباب القطرية تعوق الأوضاع الاقتصادية الصعبة والديون بعض الأطراف العربية الرئيسية من الانتقال من سياسة خارجية حذرة ودفاعية إلى سياسة خارجية جريئة وقيادية.
لم يعد الأمر هو عدم وجود فرص لكي يعود العرب إلى التاريخ الذي خرجوا منه بل وجود اختلالات بنيوية في العديد من النظم السياسية تحول دون استثمار هذه الفرصة والدفاع عن وجود دولها وسيادتها، وتفضل بدلا من ذلك الحفاظ على وجودها كنخب حاكمة.








