قلنا من قبل، ونقول الآن، وسنظل نقول إن القصص القرءاني ليس حكايات تاريخية تُروى للتسلية، ولا سردًا لأحداث مضت لملء الفراغ؛ بل إن هذا القصص هو منهج رباني حكيم، ووحي إلهي مُحكم، يُخاطب العقل والقلب، ويهدي البصيرة الإنسانية بإزالة “الغفلة”. يقول سبحانه وتعالى: “نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ” [يوسف: 3]. وهنا لنا أن نؤكد على أن المصطلح القرءاني “أَحۡسَنَ” لا يعني الجمال الأدبي والبلاغي وحسب؛ بل، يعني ويؤشر إلى “الأصدق” في الرواية، و”الأعمق” في المغزى، و”الأبلغ” في التأثير، و”الأهدى” إلى سبيل الرشاد.
فالقصص في القرءان يأتي ضمن الآيات الدالة على وحدانية الله وعلمه المُحيط؛ إذ، يسرد أحداث القرون الغابرة، وأحوال الأمم البائدة، بمنزلة “شاهد العِيان”. وهو أيضا دستور تربوي عظيم، يعرض نماذجَ متنوعة من البشر: مؤمنين وصادقين، وكافرين وظالمين، ليكونوا نماذجَ عملية تُقاس عليها المواقف والأخلاق. هذا، فضلا عن كونه (أي: القصص)، موعظة بالغة توقظ القلوب الغافلة، وتثبت نفوس المؤمنين. يقول سبحانه: “لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ…” [يوسف: 111].
الاستبدال الحضاري
في مقالين سابقين حول: “السُنن الإلهية في القصص القرءاني”، تناولنا “سبع” من هذه السُنن الإلهية، هي: سنة التمكين والاستخلاف المشروط، وسنة التدافع بين قوة الحق والباطل، وسنة التغيير الحضاري المرتبط بتغيير النفوس، وسنة الابتلاء والتمحيص واختبار الإيمان.. هذا، إضافة إلى: سُنة الجزاء من نفس العمل، وسُنة الهلاك بسبب الظلم، وسُنة تحقيق النصر “المشروط”.. وهنا، سنحاول الاقتراب من سُنة أخرى من هذه السُنن؛ إنها سُنة الاستبدال الحضاري لـ”الأمم”.
والواقع، أن القصص القرءاني يُبرز هذه السُنة ضمن أخطر السُنن الإلهية و”القوانين” التي تحكم مصير الأمم. فالقرءان الكريم يُعلن بوضوح أن الأمة التي تنحرف عن وظيفتها القيمية، وتفرط في الأمانة التاريخية، تُستبدل بغيرها؛ كما يرد في قوله سبحانه وتعالى: “هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم” [محمد: 38].
وتكشف قصص عاد وثمود وقوم سبأ أن القوة المادية لا تمنح حصانة من السقوط، وأن الحضارة حين تنفصل عن العدل تتحول إلى عبء على نفسها، وتبدأ عملية الانهيار من الداخل قبل أن يظهر أثرها في الخارج.. بل، وإن الطغيان في الأرض، والإكثار من الفساد، له عاقبة “سَوۡطَ عَذَابٍ” من رب العالمين. يقول سبحانه: “أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٭ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٭ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٭ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٭ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ٭ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٭ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ٭ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ٭ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ” [الفجر: 6-14].
الاصطفاء والإزاحة
وكما يبدو -من المنطق القرءاني- تقوم سنة الاستبدال الحضاري في التنزيل الحكيم على مبدأ جوهري، هو أن بقاء الأمم في موقع القيادة والشهادة ليس حقا مكتسبا ولا امتيازا دائما؛ وإنما هو وظيفة مشروطة بالقيام بالتكليف الأخلاقي والحضاري. فالقرءان لا ينظر إلى الأمم باعتبارها كيانات محايدة، ولكن باعتبارها “حوامل” لقيم ورسالات، فإذا فرّطت في هذه الوظيفة، زال موجب بقائها في الصدارة، وجاء غيرها ليؤدي الدور.
ولهذا يرد التحذير الإلهي صريحا لا لبس فيه، من خلال التعبير القرءاني: “يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ”، في قوله سبحانه: “إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ” [التوبة: 39].. وأيضًا، في قوله تعالى: “… وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم” [محمد: 38]. ومن الواضح، أن هذه الآيات لا تتحدث عن استبدال عددي أو عرقي، وإنما عن استبدال وظيفي حضاري؛ أي إن السنن الإلهية “لا تهتم بمن يكون، ولكن بمن يصلح لأن يكون”. فالاستبدال هنا ليس انتقامًا، وإنما تصحيح لمسار التاريخ حين تنحرف أمة عن دورها.. والدليل، هو ملاحظة خاتمة الآية الثانية: “ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم” [محمد: 38].
ويكشف القصص القرءاني أن الاستبدال لا يقع فجأة؛ بل، يمر بمراحل متدرجة تبدأ بالانحراف القيمي، ثم الجمود الأخلاقي، ثم فقدان القدرة على الإصلاح الذاتي، إلى أن تصل الأمة إلى مرحلة العجز عن أداء وظيفتها التاريخية.
ففي قصة بني إسرائيل، يتضح أن الاصطفاء لم يكن حصانة أبدية، بل تكليفا مشروطا؛ وحين تحوّل إلى شعور بالاستعلاء العرقي، والتمرد على الأمر الإلهي، جاء التوبيخ القرءاني حاسمًا؛ وذلك في قوله عزَّ وجل: “وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۗ…” [البقرة: 61]. فالاستبدال، هنا، لم يكن مجرد فقدان للأرض، بل فقدانا للريادة الأخلاقية. إذ إن هذا الغضب الإلهي، وتلك الذلة والمسكنة، كان السبب فيهما هو أنهم “كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ”، كما ورد في ختام الآية الكريمة: “ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ” [البقرة: 61]. ولنا أن نُلاحظ أن مصطلح “ءايَٰتِ ٱللَّهِ” ليس فقط الآيات الواردة في كتابه الكريم، وإنما أيضًا الآيات الكونية والسُنن الإلهية.
وتكشف قصص عاد وثمود أن القوة المادية إذا انفصلت عن القيم، تتحول من عامل بقاء إلى سبب هلاك. فقد بلغت هذه الأمم ذروة العمران والتمكين، ومع ذلك انتهت لأن حضارتها قامت على الاستكبار والظلم ورفض الإصلاح. يقول عزَّ من قائل عن عاد: “أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ ٭ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ ٭ وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ” [الشعراء: 128-130]؛ في إشارة إلى عمران بلا معنى أخلاقي، وقوة بلا رسالة، ناهيك عن كيفية البطش. فالاستبدال هنا لم يكن بسبب ضعف الموارد، ولكن بسبب فساد المنهج. ومن أخطر ما تكشفه سُنة الاستبدال الحضاري أن الانتماء الديني وحده لا يمنع السقوط… كيف؟ للحديث بقية.







