رؤى

باريس.. و”إعادة التموضع” في المشرق العربي

تشير الجولة الإقليمية لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في سوريا والعراق ولبنان منذ أيام، إلى عودة واضحة للنشاط الدبلوماسي الفرنسي في المشرق العربي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتقاطع فيها ملفات الأمن، وإعادة تشكيل موازين القوى، وتداعيات سنوات طويلة من النزاعات المفتوحة. فهذه الجولة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد تحرك بروتوكولي، أو متابعة تقنية لملفات عالقة؛ بل تعكس -في جوهرها- رؤية باريس لدورها الممكن -والمطلوب- في شرق أوسط يُعاد ترتيبه على إيقاع تحولات كبرى.

وفي ما يبدو، ففي خطوة دبلوماسية مكثفة وغنية بالرموز، تواصل فرنسا، عبر وزير خارجيتها، حشد أدواتها الناعمة والعسكرية في المشرق العربي. فهذه الجولة، تحمل في ثناياها أسئلة مصيرية عن مستقبل النفوذ الفرنسي، في منطقة كانت لقرون تحت جناح الحضور الفرنسي المباشر وغير المباشر. إذ، تُظهر هذه الجولة أن باريس، رغم كل التحديات الداخلية والأوروبية، ما زالت تصر على لعب دور “القوة المتوسطية العظمى”، والفاعل الجغراسياسي الذي لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط المعقدة.

أولا: في دمشق.. المصالحة المراقبة واستعادة النفوذ المفقود

كانت المحطة السورية هي الأكثر لفتا للأنظار، ليس فقط لأنها الأولى لوزير خارجية فرنسي إلى دمشق منذ سنوات، ولكن لكونها تتعامل مع ملف شائك للغاية. ما تريده باريس من دمشق واضحٌ ومركب، في آنٍ، واحد. من جهة، تأمين مصالحها في شمال شرق سوريا، المنطقة الغنية بالنفط والموارد والمحاذية لحدود حلف الناتو (تركيا)، والتي سيطرت عليها لفترة طويلة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة أمريكيا وفرنسيا.

والواضح، أن اتفاق “دمشق- قسد” لإدماج الأخيرة في المؤسسة العسكرية السورية، يُشكل فرصة ذهبية لباريس؛ حيث تريد فرنسا أن تتحول من داعم لقوة قد تُعتبر “منفصلة”، إلى وسيط وضامن لعملية اندماج تحفظ جزءا من نفوذها، وتُبعد شبح المواجهة المباشرة مع أنقرة، مع الحفاظ على ورقة ضغط في يد النظام السوري.

ومن ثم، في المحطة السورية، تبدو الدوافع الفرنسية متعددة الأبعاد.. ففي سياق متابعة تنفيذ الاتفاق الشامل بين دمشق و”قسد”، يمثل هذا الاتفاق اختبارا عمليا لمسار “إعادة دمج” الشمال الشرقي السوري ضمن بنية الدولة، دون الانزلاق إلى فراغ أمني أو عودة التنظيمات المتطرفة، مثل “داعش”. فرنسا، هنا، معنية بضمان أن يتم هذا الإدماج بطريقة تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار المحلي، وتراعي التوازنات العرقية والسياسية؛ وفي الوقت نفسه، تمنع أي انتكاسة أمنية قد تعيد فتح ملف الإرهاب العابر للحدود.

كما أن الانخراط الفرنسي، في هذا الملف، يعكس رغبة في تثبيت موطئ قدم سياسي داخل المشهد السوري المتغير. فباريس، التي تم هُمِّشَ دورها نسبيا خلال سنوات الصراع، لصالح أدوار روسية وإيرانية وتركية، ترى في مرحلة “ما بعد الاتفاقات” فرصة للعودة إلى طاولة التأثير، ولو عبر بوابة “أمنية-سياسية” محددة.

ثانيًا: في بغداد.. شراكة استراتيجية في مواجهة التهديدات

الانتقال إلى بغداد يحمل بدوره أبعادًا لا تقل أهمية. فالعلاقات الفرنسية-العراقية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا، جعل من باريس أحد أبرز الشركاء الأوروبيين لبغداد في ملفات الأمن والطاقة وإعادة الإعمار. لقاءات بارو مع القيادات العراقية تركز -ظاهريا- على تعزيز الاستقرار المشترك ومكافحة الإرهاب؛ لكن في العمق، تسعى فرنسا إلى أمرين رئيسين: تعزيز شراكة أمنية وعسكرية مربحة، من خلال صفقات السلاح والتدريب والدعم الاستخباري.. كما تهدف إلى ترسيخ العراق كـ”قاعدة لا مركزية” لنفوذها الإقليمي، حيث يمكن من بغداد التأثير ليس فقط في الملف السوري، ولكن أيضا في التوازن مع إيران ودول الخليج العربية.

ومن ثم، من زاوية فرنسية، يشكل العراق حلقة محورية في معادلة أمن المشرق. فهو بلد يتقاطع فيه النفوذ الأمريكي والإيراني، وتتحرك داخله فصائل مسلحة ذات ارتباطات إقليمية معقدة. باريس تحاول، عبر دبلوماسيتها الهادئة، أن تحافظ على علاقات متوازنة مع الدولة العراقية ومؤسساتها الرسمية، دون الانخراط في صراعات المحاور. هذا التموضع، أو بالأحرى يمنحها هامش حركة أوسع، ويعزز صورتها بوصفها وسيطا محتملا أو شريكا “غير صدامي”، مقارنة بقوى دولية أخرى. كما أن تعزيز الاستقرار في العراق يخدم المصالح الأوروبية الأوسع، سواء من حيث الحد من موجات الهجرة، أو منع تمدد التهديدات الأمنية نحو المتوسط.

ثالثا: في بيروت.. الورقة اللبنانية ومأزق نزع السلاح

لبنان، الحديقة الخلفية التقليدية للنفوذ الفرنسي، يمثل اليوم أحد أصعب الملفات. ما تريده باريس في بيروت يتجاوز بكثير “دعم الاستقرار”. إنها تسعى إلى إعادة هندسة المشهد اللبناني الداخلي بما يخدم مصالحها، ويحد من نفوذ خصمها الرئيس: حزب الله. شعار “نزع سلاح الحزب”، الذي ترفعه باريس علنا، هو محور استراتيجيتها؛ لكنه يمثل معضلة عميقة. فرنسا تدرك استحالة نزع السلاح بالقوة؛ لذا، فهي تعمل على مستويين: ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية عبر ربط المساعدات بالإصلاحات وتقليص صلاحيات “دولة حزب الله داخل الدولة اللبنانية”؛ وفي الوقت نفسه، فتح قنوات اتصال غير مباشرة لاحتواء الدور العسكري للحزب، ودفعه نحو التحول إلى حزب سياسي خالص.. وهو أمر يبدو بعيد المنال حاليا.

ومن ثم، تبدو المحطة اللبنانية الأكثر حساسية وتعقيدا في الجولة. فلبنان يعيش منذ سنوات على وقع أزمة بنيوية غير مسبوقة، ترافقت مع انهيار اقتصادي ومالي، وفراغات سياسية متكررة، وتوترات أمنية متصاعدة على خلفية الصراع الإقليمي. في هذا السياق، تأتي زيارة بارو لأجل التأثير في المعادلات الكبرى المرتبطة بسيادة الدولة اللبنانية. غير أن فرنسا تدرك، أكثر من غيرها، محدودية قدرتها على فرض حلول جاهزة في لبنان. لذلك تركز دبلوماسيتها على دعم المؤسسات الرسمية، ولا سيما الجيش، باعتباره ركيزة الاستقرار الأخيرة.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن ما تريده باريس، من هذه المحطات الثلاث، ليس مجرد معالجة ملفات منفصلة؛ بل، صياغة مقاربة شاملة لدورها في المشرق العربي. ففرنسا تسعى إلى إعادة تقديم نفسها كقوة متوسطة ذات نفوذ دبلوماسي، قادرة على التحرك بين العواصم، والتحدث مع أطراف متناقضة، وربط الأمن بالسياسة وبإعادة الاستقرار. في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا الحراك عن السياق الأوروبي الأوسع. ففرنسا، التي تطمح إلى لعب دور قيادي داخل الاتحاد الأوروبي في ملفات السياسة الخارجية والدفاع، تحتاج إلى نجاحات ملموسة خارج حدود القارة. المشرق العربي، بما يحمله من تحديات أمنية مباشرة لأوروبا، يشكل ساحة اختبار لقدرة باريس على تحويل الطموح إلى نفوذ فعلي.

خلاصة القول، إن جولة وزير الخارجية الفرنسي في سوريا والعراق ولبنان تمثل محاولة مدروسة لـ”إعادة تموضع” باريس بوصفها لاعبا فاعلا في تفاعلات المشرق العربي.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى