أعادت المحادثات التي احتضنتها سفارة الولايات المتحدة في مدريد، يومي 8 و9 فبراير الجاري، ملف نزاع الصحراء “الغربية” إلى واجهة الاهتمام الدولي، ليس بوصفها اختراقا حاسما، ولكن باعتبارها محاولة لإعادة هندسة مسار التفاوض ضمن مقاربة أكثر دقة وانضباطا. فالملف، الذي ظل لعقود رهين الجمود والتجاذبات الإقليمية، بدا وكأنه يدخل مرحلة اختبار جديدة تقودها واشنطن، في سياق دولي يتسم بإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، وتنامي رهانات النفوذ في غرب إفريقيا والساحل.
من هنا، تبرز الأسئلة حول دوافع الولايات المتحدة للانخراط المباشر، وأهدافها من وضع يدها على هذا النزاع، ومدى قدرتها على التأثير في حسابات المغرب والجزائر؛ هذا فضلا عن موقع موريتانيا داخل هذه المعادلة المعقدة.. ناهيك -بالطبع- عن موقع جبهة البوليساريو في المفاوضات التي جرت.
الدوافع الأمريكية لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الجغراسياسية الأوسع. فالولايات المتحدة، التي اعترفت في نهاية 2020، بسيادة المغرب على الصحراء، في مقابل تطبيع الرباط علاقاتها مع إسرائيل؛ وجدت نفسها لاحقا أمام ضرورة موازنة هذا الموقف، مع استمرار رعايتها الأممية لمسار التسوية. ومع تصاعد التنافس مع روسيا والصين في القارة الأفريقية، باتت واشنطن أكثر حرصا على تثبيت حضورها في مناطق العبور الحيوية، سواء من زاوية الأمن الطاقي أو مكافحة الإرهاب أو تأمين سلاسل الإمداد. ومن ثم، فإن الانخراط في النزاع الصحراوي يمنحها ورقة تأثير في منطقة تربط شمال أفريقيا بعمق الساحل، حيث تتشابك ملفات الهجرة غير النظامية والجماعات المسلحة والاستثمارات الاستراتيجية.
إضافة إلى ذلك، تدرك واشنطن أن استمرار التوتر بين المغرب والجزائر يحدّ من فرص بناء تكتل إقليمي متماسك في المغرب العربي، وهو ما يضعف قدرة المنطقة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية. فالقطيعة السياسية، وإغلاق الحدود، وتعليق التعاون الثنائي بين البلدين، يُفقدان المنطقة إمكانات تنموية معتبرة، ويجعلانها أكثر هشاشة أمام الاختراقات الخارجية. ومن المنظور الأمريكي البراغماتي، فإن تخفيف هذا التوتر، ولو من دون حل نهائي للنزاع، يساهم في خلق بيئة أكثر استقرارا تسمح بتعزيز الشراكات الاقتصادية والعسكرية مع كلا الطرفين.
وضع اليد على الملف لا يعني بالضرورة انتزاعه من الأمم المتحدة، بقدر ما يعكس رغبة أمريكية في ضبط إيقاع التفاوض، ومنع انزلاقه نحو تصعيد غير محسوب. فواشنطن تدرك أن أي انفجار عسكري واسع النطاق في الصحراء، سيؤثر مباشرة في استقرار شمال أفريقيا والساحل، وسيمنح قوى دولية منافسة فرصة لملء الفراغ. لذلك، تبدو المحادثات التي رعتها السفارة الأمريكية أقرب إلى محاولة اختبار نوايا الأطراف، واستكشاف هوامش التنازل الممكنة، وبناء قنوات اتصال غير معلنة تتيح إدارة الخلاف بعيدا عن الضغوط الإعلامية والسياسية.
أما عن قدرة الولايات المتحدة على الضغط على المغرب والجزائر، فهي مسألة معقدة.. فالمغرب يُعد حليفا استراتيجيا لواشنطن، ويحظى بعلاقات عسكرية وأمنية وثيقة؛ إضافة إلى اتفاقية تبادل حر قائمة منذ سنوات. هذا يمنح الولايات المتحدة أدوات تأثير معتبرة، سواء عبر التعاون الدفاعي أو الدعم السياسي في المحافل الدولية. غير أن الرباط تعتبر قضية الصحراء مسألة سيادة وطنية غير قابلة للمساومة، ما يحدّ من قابلية الضغط المباشر.
في المقابل، تمتلك الجزائر أوراقا مهمة، أبرزها موقعها بوصفها مورِّد طاقي رئيس لأوروبا، ودورها في ملفات الساحل وليبيا. ورغم أن علاقاتها بواشنطن ليست بعمق علاقات المغرب، فإنها شهدت في السنوات الأخيرة تقاربا نسبيا في مجالات الأمن والطاقة.
بناءً على ذلك، قد لا يكون الضغط الأمريكي ذا طبيعة إكراهية صريحة، بل أقرب إلى إدارة توازنات دقيقة. تستطيع واشنطن، عبر حوافز اقتصادية أو ضمانات أمنية أو دعم دبلوماسي، تشجيع الطرفين على خفض سقف التصعيد بين المغرب والجزائر؛ كما يمكنها استخدام نفوذها داخل مجلس الأمن للتأثير في مسار القرارات المتعلقة ببعثة الأمم المتحدة في الصحراء. غير أن الوصول إلى تسوية نهائية يظل رهين استعداد داخلي لدى الطرفين، لتغليب منطق التسوية على منطق الصراع الصفري، وهو أمر لم تتوفر شروطه بالكامل بعد.
في هذا السياق، تبرز موريتانيا فاعلا غالبًا ما يُنظر إليه بوصفه طرفا ثانويا، رغم أهميته الجغرافية والسياسية. فموريتانيا، التي كانت طرفا مباشرا في النزاع قبل انسحابها منه أواخر السبعينات، تبنت منذ عقود موقف الحياد الإيجابي، وسعت إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الرباط والجزائر؛ من حيث إن استقرارها الداخلي وأمن حدودها الشمالية الشرقية مرتبطان بشكل مباشر بتطورات النزاع. كما أن أي تصعيد عسكري قد ينعكس على وضعها الأمني والاقتصادي، خصوصا في ظل هشاشة منطقة الساحل. لذلك، فإن إشراك نواكشوط في المحادثات يمنح المسار التفاوضي بعدا إقليميا أوسع، ويعزز فرص بناء مقاربة جماعية للأمن.
الدخول الأمريكي على خط النزاع، قد يحمل أيضا بُعدا مرتبطا بالتحولات في سوق الطاقة العالمية. فالشمال الأفريقي بات يحظى باهتمام متزايد، باعتباره بديلا محتملا لتعويض اضطرابات الإمدادات في مناطق أخرى. والجزائر لاعب محوري في هذا المجال، بينما يسعى المغرب إلى تطوير مشاريع طاقية كبرى، بما في ذلك الطاقات المتجددة والربط الكهربائي. وعليه، فإن استقرار البيئة الإقليمية يشكل شرطا أساسيا لجذب الاستثمارات الضخمة في هذه القطاعات. ومن ثم فإن واشنطن التي تنظر إلى الطاقة باعتبارها عنصرا من عناصر الأمن القومي، تجد في تهدئة النزاع مدخلا لحماية مصالحها ومصالح حلفائها الأوروبيين.
مع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في تقدير قدرة الولايات المتحدة على فرض حل.. فالملف الصحراوي تشكل عبر عقود من التراكمات التاريخية والهوياتية والقانونية، وتداخلت فيه اعتبارات السيادة والشرعية الدولية وحق تقرير المصير. أي مبادرة أمريكية ستظل محكومة بسقف التوافقات داخل مجلس الأمن، وبمدى استعداد الأطراف المحلية والإقليمية للانخراط بجدية في تسوية وسط. كما أن انخراط واشنطن قد يثير حذر قوى أخرى ترى في ذلك توسيعا لنفوذها في منطقة حساسة.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن المحادثات التي جرت في مدريد، تمثل خطوة ضمن مسار أطول لإعادة تحريك المياه الراكدة، لا إعلانا عن تحول جذري في طبيعة الإشراف على الملف. الدوافع الأمريكية تتقاطع فيها اعتبارات الاستقرار الإقليمي، وموازين القوى الدولية، وأمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب. أما قدرتها على التأثير في المغرب والجزائر، فتبقى رهينة توازن دقيق بين الحوافز والضغوط، وبين المصالح المشتركة والخطوط الحمراء السيادية.
وبين هذا وذاك، تظل موريتانيا عنصرا مُهمّا في معادلة الاستقرار، بما تمثله من عمق جغرافي ورابط بين المغرب العربي والساحل. أما جبهة البوليساريو فسوف تظل الطرف الأضعف في معادلة النزاع الصحراوي.. رغم أنها الطرف الآخر لمعادلة هذا النزاع.








