ثقافة

معاذ بن جبل.. الأمّةُ القانت

في الثامنة عشرة من عمره أسلم معاذ، وشهد بيعة العقبة الثانية.. ومنذ أن أسلم كان أحرص الناس على طلب العلم؛ حتى قال عنه المعصوم -صلوات ربي وسلامه عليه-: “أعلم أمّتي بالحلال والحرام، معاذ بن جبل” وبذلك الفضل العظيم صار الفتى من كبار الصحابة، وهو بعد في أوائل العشرينات من عمره.

الفتى الجميل الطلعة المعروف بشدة الكرم- لازم النبي ﷺ منذ قدومه إلى المدينة، ولم يفارقه إلا عندما أرسله إلى اليمن قاضيا وداعيا؛ ليبقى بها إلى وفاة الحبيب ﷺ.

كان ابن جبل، لا يُسأل شيئا إلا أعطاه، حتى أدان دينا أغلق ماله.. فلزمه غرماؤه حتّى تغيَّب عنهم أياما فِي بيته، فطلب غرماؤه من رسول الله ﷺ أن يحضره، فأرسل إليه، فحضر ومعه غرماؤه، فقالوا: يا رسول الله خذلنا حقنا، فقال رَسُول الله ﷺ: “رحم اللَّه من تصدق عَلَيْهِ”، فتصدق عَلَيْهِ ناس، وأبى آخرون، فخلعه رَسُول الله ﷺ من ماله، فاقتسموه بينهم، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ: ليس لكم إلا ذلك. فأرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن، وقال: “لعل الله يجبرك، ويؤدي عنك دينك”.

لقد بلغ الفتى درجة من الصدق والاجتهاد في طلب العلم والعبادة؛ حتى أن النبي ﷺ خصّه بكثير من الأمور التي رفعت شأنه بين المسلمين، فكان يُردفه خلفه في السفر، ويوم أن غادر معاذ إلى اليمن، ودّعه المصطفى ماشيا، وكان معاذ راكبا. كما أرسل المعصوم لأهل اليمن رسالة جاء فيها: “إني بعثت لكم خير أهلي”. وحين ودّعه ﷺ قال له: “حفظك اللَّه من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك، ومن فوقك ومن تحتك، وأدرأ عنك شرور الإنس والجنّ”.

ويروي معاذ بن جبل ذلك الموقف مع رسول الله ﷺ حينما أخذ بيده ذات يوم فقال: يا معاذ، والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدَعَنَّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

روي البخاري في “الأدب المفرد” أن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- ردَّ على النبي ﷺ فقال: وأنا والله أحبك. وقال رسول الله ﷺ: خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة. وهذا هو الفاروق عمر يُثني عليه فيقول: “عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، ولولا معاذ لهلك عمر”.

وقد شهد معاذ مع النبي ﷺ بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وكان معاذ كثير الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل وكان إذا تهجد من الليل دعا: “اللهم نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم، اللهم طلبي الجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدي ترده إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.

في السنة الثامنة عشرة للهجرة، في ولاية عمر بن الخطاب، كان معاذ بالشام حين اجتاحها طاعون عمواس.. ويروي عمرو بن قيس: إن معاذ بن جبل لما حضره الموت قال: انظروا، أصبحنا؟ فقيل: لم نصبح، حَتَّى أتي فقيل: أصبحنا، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إِلَى النار، مرحبا بالموت، مرحبا زائر حبيب جاء عَلَى فاقة، اللَّهُمَّ، تعلم أني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.

وقال الحسن: لما حضر معاذا الموت جعل يبكي، فقيل له: أتبكي وأنت صاحب رسول الله ﷺ وأنت، وأنت؟ فقال: “ما أبكي جزعا من الموت إن حل بي، ولا دنيا تركتها بعدي، ولكن إنما هي القبضتان، فلا أدري من أي القبضتين أنا”.

وتوفي معاذ رضي الله عنه وله من العمر ثمانية وثلاثين عاما فقط؛ ورغم هذا العمر القصير إلا أن معاذا بلغ ذروة العلم والإخلاص في العمل حتى استحق تلك الشهادة العظيمة من المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه إذ قال: “معاذ أمام العلماء يوم القيامة برتوة أو رتوتين”.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى