شهدت العاصمة الليبية طرابلس، في الآونة الأخيرة، حراكا دبلوماسيا وعسكريا مكثفا يعكس عودة ليبيا إلى صدارة الحسابات الإقليمية والدولية، لا بوصفها ساحة نزاع داخلي فحسب، وإنما باعتبارها عقدة استراتيجية في معادلة البحر المتوسط. ظهور رئيس حكومة “الوحدة الوطنية” المؤقتة عبد الحميد الدبيبة إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، على الساحل الليبي، بالتوازي مع استقبال مسئولين عسكريين رفيعي المستوى من الولايات المتحدة وفرنسا، يختزل لحظة سياسية كثيفة الدلالات. فالمشهد يتجاوز البروتوكول إلى رسائل موجهة للداخل والخارج، ويعكس تقاطعا معقدا بين دوافع أمنية واقتصادية وجغراسياسية.
الدافع التركي يبدو الأكثر وضوحا من حيث الارتباط المباشر بملف شرق المتوسط. أنقرة تنظر إلى ليبيا بوصفها امتدادا حيويا لمعادلة ترسيم الحدود البحرية، التي أبرمتها مع حكومة الوفاق السابقة، التي كان يترأسها فائز السراج عام 2019. ذلك الاتفاق لم يكن تقنيا بحتا، ولكنه كان ركيزة استراتيجية لإعادة رسم توازنات الطاقة في مواجهة اليونان وقبرص ومشروعات الغاز المنافسة.
من هذا المنظور، فإن تحصين الشراكة مع طرابلس يعني تثبيت شرعية الاتفاق البحري، وضمان بقاء سلطة حليفة في غرب ليبيا قادرة على صونه. الظهور على الساحل المتوسطي لم يكن تفصيلا عابرا؛ إنه استحضار رمزي للبعد البحري في العلاقات، ورسالة بأن أمن المتوسط جزء من الأمن القومي التركي.
إلى جانب الاعتبارات البحرية، تسعى تركيا إلى تثبيت حضورها العسكري والتقني داخل المؤسسات الأمنية الليبية. فالدعم العسكري الذي قدمته خلال السنوات الماضية، منحها نفوذا ملموسا في هيكلة بعض الوحدات، وفي تدريب كوادر أمنية؛ هذا فضلا عن عقود إعادة الإعمار والبنية التحتية. ومع تعقّد المشهد الإقليمي، تدرك أنقرة أن الحفاظ على موطئ قدم ثابت في ليبيا يمنحها أوراق ضغط في ملفات أوسع، من الطاقة إلى الهجرة غير النظامية، وصولا إلى التوازن مع القوى الأوروبية في جنوب المتوسط.
في المقابل، تأتي التحركات الأمريكية من زاوية مختلفة وإن لم تكن منفصلة. الولايات المتحدة، عبر «أفريكوم»، تنظر إلى ليبيا بوصفها مساحة حساسة تتقاطع فيها مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، ومنع تمدد قوى دولية منافسة. زيارة نائب قائد «أفريكوم»، الفريق أول جون برينان، تعكس اهتماما بإعادة تنشيط قنوات التنسيق العسكري، وربما إعادة تقييم الانتشار غير المباشر الذي اعتمدته واشنطن خلال السنوات الماضية. فليبيا، في الحساب الأمريكي، ليست فقط بلدا مضطربا، وإنما منصة محتملة لأي فراغ أمني يمكن أن تستغله جماعات متطرفة، أو قوى دولية تسعى إلى توسيع نفوذها في أفريقيا.
تدرك واشنطن أيضا أن استقرار ليبيا يؤثر في أمن الطاقة الأوروبي، وفي مسارات الهجرة عبر المتوسط، وهي ملفات ترتبط مباشرة بأمن الحلفاء داخل “الناتو”. لذلك، فإن انخراطها لا ينفصل عن محاولة إدارة التوازن بين شركاء أوروبيين، وفي مقدمتهم فرنسا، وشريك أطلسي إقليمي هو تركيا، بما يمنع تحول ليبيا إلى ساحة صدام مفتوح بينهم. من هنا، يمكن فهم الحضور الأمريكي بوصفه محاولة ضبط الإيقاع، أكثر منه سعيا إلى احتكار المشهد.
أما فرنسا، فتنطلق من اعتبارات تاريخية وجغرافية متشابكة. باريس ترى في جنوب المتوسط امتدادا مباشرا لأمنها القومي، سواء في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي، أو في ما يتصل بمسارات الهجرة والطاقة. حضور قائد الأسطول الفرنسي في المتوسط، الأدميرال كريستوف لوكاس، إلى طرابلس، يحمل دلالات بحرية واضحة، ويعكس اهتماما بتأمين خطوط الملاحة، ومراقبة التحركات العسكرية في حوض المتوسط الشرقي والغربي. فرنسا، التي خاضت تجارب متباينة في ليبيا خلال العقد الماضي، تبدو اليوم أكثر ميلا إلى إعادة تموضع براغماتي، يوازن بين مصالحها الطاقوية وعلاقاتها الأوروبية والأطلسية.
نقاط التقاطع بين تركيا والولايات المتحدة وفرنسا تتجلى، أولا، في الحاجة إلى منع انهيار أمني شامل في ليبيا. فالفوضى لا تخدم أيا منهم، بل تفتح المجال أمام تهديدات عابرة للحدود. كما تتمثل، ثانيا، في الرغبة في حماية منشآت الطاقة، وضمان استمرار تدفق النفط والغاز الليبيين إلى الأسواق العالمية، خاصة في ظل هشاشة أسواق الطاقة. كذلك، يشترك الثلاثة في إدراك أهمية البحر المتوسط باعتباره ممرا استراتيجيا للتجارة والطاقة، ومجال تنافس جغراسياسي متصاعد.
غير أن هذا التقاطع لا يلغي التباينات. فتركيا تنظر إلى ليبيا من منظور شراكة سياسية وأمنية وثيقة مع حكومة طرابلس؛ بينما تحرص الولايات المتحدة على إبقاء مسافة، تسمح لها بالتواصل مع مختلف الأطراف الليبية. فرنسا بدورها تتحرك ضمن إطار أوروبي أوسع، وتضع في اعتبارها حساسيات داخل الاتحاد الأوروبي، لا سيما ما يتعلق بالتنافس مع تركيا في شرق المتوسط. هذا التباين في زوايا النظر قد يتحول أحيانا إلى تنافس مكتوم حول طبيعة النفوذ وترتيبات الأمن البحري.
ومن ثم، فإن السؤال حول وجود تنافس في شرق المتوسط يظل محوريا. والواقع أن شرق المتوسط بات ساحة معقدة تتداخل فيها حسابات الغاز، وترسيم الحدود البحرية، والتحالفات الإقليمية. تركيا تخوض نزاعا حادا مع اليونان وقبرص، وتعتبر أن أي ترتيبات تستثنيها غير مقبولة. فرنسا، المنخرطة بقوة في دعم اليونان وقبرص ضمن الإطار الأوروبي، تنظر بحذر إلى التحركات التركية، وترى في تعزيز حضورها البحري رسالة ردع سياسية. الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين حليفين أطلسيين، من دون الانحياز العلني لأي طرف في النزاع البحري.
ومن ثم، يبدو أن المشهد الليبي الداخلي يتأثر بدوره بهذه التحركات. حكومة الدبيبة تستفيد من تعدد الزوار، لتأكيد شرعيتها وإظهار قدرتها على إدارة علاقات متوازنة مع قوى كبرى. غير أن هذا الانفتاح يضعها أيضا أمام تحدي عدم التحول إلى ساحة تصفية حسابات بين شركاء متنافسين. فكلما تعمّق الحضور العسكري أو الاستخباراتي الخارجي، زادت حساسية التوازنات المحلية، وارتفعت احتمالات توظيفها في الصراع الداخلي.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن ما يجري في طرابلس ليس مجرد سلسلة زيارات بروتوكولية، ولكن تعبير عن إعادة تموضع دولي في لحظة إقليمية دقيقة. الدوافع التركية والأمريكية والفرنسية تتقاطع في هدف الاستقرار وحماية المصالح البحرية والطاقوية؛ لكنها تتباين في الأولويات وطرق إدارة النفوذ. ليبيا، بما تمثله من موقع جغرافي وثروة طاقوية، ستظل محورا لهذا التفاعل المركب.
أما شرق المتوسط، فسيبقى ساحة اختبار لقدرة هذه القوى على إدارة تنافسها، ضمن حدود لا تنزلق إلى مواجهة مباشرة، وإنما تبقى في إطار شد وجذب تحكمه المصالح المشتركة، بقدر ما تغذيه الحسابات المتعارضة.








