رؤى

الصراع الجزائري المغربي.. حول الصحراء الغربية

مثَّل الصراع الجزائري المغربي، عبر التصدعات الناشبة بينهما، وتبدلات الموقف في ما يتعلق بملف الصحراء الغربية، وما تبعه من اتخاذ الجزائر سياسة تصعيدية ضد المغرب، أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما – عاملًا مهمًا في التنافس بين البلدين على أكثر من صعيد، خاصة في المنطقة المغاربية؛ وهو الأمر الذي كان له بالغ الأثر في إمدادات الطاقة الجزائرية لأوروبا، بسبب توقف خط أنابيب الغاز الجزائري، الذي يمر إلى إسبانيا ومنها للدول الأوروبية عبر المغرب، ما فرض ضرورة إيجاد الفرصة البديلة لاستمرار الجزائر في تنفيذ التزامات تصدير الغاز إلى أوروبا، عن غير طريق المغرب.

وإضافة إلى تخصيص سفن بحرية لإيصال الغاز إلى إسبانيا، فقد اتبعت الجزائر أسلوب الدخول في تحالفات جديدة خاصة بالطاقة، في منطقة غرب أفريقيا؛ كان من أهمها: تفعيل مشروع “الطريق العابر للصحراء”، فضلًا عن الدخول مع المغرب في تنافسية متصاعدة، بخصوص الغاز النيجيري.

الصحراء الغربية

يُمثل النزاع حول الصحراء الغربية أحد أكثر النزاعات استعصاءً على الحل في العالم؛ فالمغرب يعتبر الصحراء جزءًا من أراضيه، في حين تستمر الجزائر “داعما رئيسا” لحركة البوليساريو الموجودة بـ”تيندوف”، والتي تسعى إلى استقلال الإقليم. وقد صدم وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، المحيط الإقليمي للجزائر، وربما المحيط الدولي أيضًا، بإعلانه القطع المفاجئ للعلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والرباط، بعد ثلاثة عقود من تجاور بارد بين القوتين المغاربيتين. وكان لعمامرة قد اتهم، في بيان رسمي تلاه أواخر أغسطس 2021، المغرب بالتخلي عن التزامه بتنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية، من بين ما أسماه “أعمال عدائية” ارتكبها ضد الجزائر.

وتتبدى ملامح الصراع الجزائري المغربي، عبر أكثر من مؤشر.. أهمها ما يلي:

هناك المؤشر الخاص بالحدود وإشكاليات العلاقات الجزائرية المغربية؛ حيث يُخيم الفشل على العلاقات الجزائرية المغربية، في أعقاب “حرب الرمال” عام 1963، في حل النزاعات الحدودية الشائكة بينهما، ما لا يزال يؤثر على مواقف كل بلد منهما تجاه الآخر. ومنذ ذلك الحين، اشتد التنافس بين الجزائر والمغرب، ليصبح نزاع الصحراء الغربية، نتيجة لكل تلك التراكمات، محركا قويا للسلوك الدبلوماسي الجزائري.

من الملاحظ أيضا أن القضية الصحراوية أصبحت هي “القضية المفصلية”، في العلاقة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب، وذلك منذ عام 1976، على خلفية دعم الجزائر لجبهة البوليساريو، وموقف المغرب المعادي لها؛ حيث قُطعت العلاقات بين البلدين، في مارس من نفس السنة. وفي عام 1980، شيّد المغرب جدارا أمنيا على طول الحدود البرية مع الجزائر، استغرق 7 سنوات لإنجازه، تحت مبرر دعم الجزائر لجبهة البوليساريو عسكريًا ولوجستيًا.

وقد تواصل مسلسل الصراع الجزائري المغربي، الذي تحول إلى الصراع حول الصحراء الغربية، منذ ثمانينات القرن العشرين الماضي، حيث أعلن المغرب انسحابه من منظمة الوحدة الأفريقية عام 1984، وذلك قبل أن تتحول المنظمة إلى الاتحاد الأفريقي في 9 يوليو 2002.

وقد ساعدت الأوضاع غير المستقرة، التي عاشتها الجزائر في تسعينات القرن الماضي، في ما عُرف بـ”العشرية السوداء” – المغرب على فرض “تأشيرة” على الرعايا الجزائريين فيها؛ وهو الأمر الذي رفضته الجزائر، وأغلقت الحدود البرية بين البلدين، والذي لا يزال ساري المفعول. وبعد تولي الرئيس الجزائري السابق، عبد العزيز بوتفليقة، زمام الحكم في الجزائر، في عام 1999، قام بمحاولة للتقارب بين الجزائر والمغرب، غير أنها باءت بالفشل، بعد أن جاءت إشارات من الحكومة الجزائرية بأن المغرب يأوي الجماعات الإرهابية.

أيضًا، هناك المؤشر الذي يتعلق بمسببات الخلاف الجزائري المغربي حول ملف الصحراء؛ إذ يتوقف الوضع العام للعلاقات الجزائرية المغربية بصفة عامة، والتناقض الحاد بين البلدين بشأن قضية الصحراء الغربية على وجه الخصوص، على عدة عوامل تاريخية وجغرافية وأيديولوجية ودولية.

ولقد تشكلت هذه العوامل على امتداد العقود السابقة، التي تصل إلى ستينات القرن الماضي. وبالتالى، تبدو الرغبة الجزائرية في عدم التخلي عن دورها في مشكلة الصحراء الغربية، سواء باعتبارها “ورقة” في العلاقات مع المغرب، أو أنها استمرار للموقف الجزائري “التاريخي”، المُعلن منذ عام 1975، خاصة وأن “الحكومة الصحراوية” في المنفى تُقيم في الأراضي الجزائرية، فضلًا عن وجود اللاجئين الصحراويين في مخيمات “تيندوف” بالجزائر.

ثم، يأتي المؤشر الذي يتمحور حول حق “تقرير المصير” والرؤية الدولية لحل النزاع؛ فقد قادت الأمم المتحدة مساعي عديدة للتوسط في حل النزاع حول الصحراء الغربية، بما في ذلك محاولات لتنظيم استفتاء، واجهته صعوبات عملية، بسبب تعسر تحديد الساكنة المؤهلة للمشاركة فيه.

وقد اقترحت الجزائر وجبهة البوليساريو، في نوفمبر 2001، “تقسيم الإقليم كحل سياسي للنزاع حول الصحراء الغربية” (S/2002/178، الفقرة 2)، وهو ما رفضه المغرب بشكل قاطع. وفي عام 2007، اقترح المغرب خطة لـ”الحكم الذاتي” للصحراء الغربية، قدمت بوصفها حلا عمليا يضمن وضعية “رابح – رابح” لجميع أطراف النزاع.

وينص الاقتراح المغربي على إنشاء مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية تتمتع بصلاحيات مستقلة، بقصد تمكين ساكنة الصحراء الغربية من “إدارة شئونهم المحلية بشكل ديمقراطي”، حيث تتعهد الفقرة “8” من المشروع المقترح تعهدًا من المغرب بتقديم “قانون الحكم الذاتي لاستفتاء تشارك فيه الساكنة المعنية، تماشيًا مع مبدأ تقرير المصير، ومع أحكام الأمم المتحدة”. وقد استرعى المقترح المغربي اهتمامًا دوليًا، فقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، في عام 2020، حيث وصفت الاقتراح المغربي بأنه “واقعي وذا مصداقية، ويُشكل الأساس لحل عادل ودائم للنزاع حول أراضي الصحراء الغربية”.

ولأن هذا الإنجاز الدبلوماسي للمغرب، كان قد جاء من خلال “اتفاق ثلاثي” توسطت فيه الولايات المتحدة، وأقامت بموجبه الرباط علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل؛ فقد ثارت حفيظة المسئولين الجزائريين، الذين وصفوه بـ”محور عسكري مغربي صهيوني موجه ضد الجزائر”.

أيضًا، فقد أيدت إسبانيا، في مارس 2022، خطة المغرب للحكم الذاتي للصحراء الغربية، على غرار ألمانيا وفرنسا، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية بين مدريد والجزائر؛ إذ في رد فعل مباشر، أعلنت الجزائر عن استدعاء سفيرها بإسبانيا، وأدانت عبر بيان رسمي “التحول المفاجئ” في موقف مدريد تجاه نزاع الصحراء الغربية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ولكن اتخذت الجزائر خطوة أخرى، في 8 يونيو 2022، حيث علقت “معاهدة الصداقة” التي كانت تربطها مع إسبانيا، فضلًا عن حظر الواردات منها.

استمرار الخلاف

في هذا السياق، يمكن القول بأنه، وبعد ما يقارب الخمسة عقود من اندلاعه، لم يُتوصل إلى حل نهائي وتوافقي للنزاع بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية؛ بل وليصبح نزاع الصحراء جوهر الصراع الجزائري المغربي حتى يومنا هذا. ومن ثم سيكون من التفاؤل المبالغ فيه توقع التغير في الموقف الجزائري على المدى المنظور؛ حيث لا تبدي الجزائر أي اهتمام لدعوات المغرب لإطلاق “حوار مفتوح وصريح”، قصد إعاد الثقة بين البلدين.

وفي ما يبدو، فإن “استمرار الخلاف”، أو استحضار الاختلاف بالأحرى، بين مسارات البلدين التاريخية، وأنظمتهما السياسية، يُلقي بظلاله على محاولات التقريب بينهما؛ لذا، فإن التقريب بين هذين البلدين، الجارين، يبقى أمرًا صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا.. بشرط الإقلاع عن الخطابات التي تغذي العداء السياسي بينهما.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock