أبو دُجانة سمّاك بن خرشة الأنصاري الساعدي، ذو المَشْهَرة (درع كان يلبسها في الحرب)، وهو ذو السيفين، صاحب المشهد الشهير في غزوة أحد، عندما سأل النبي ﷺ أصحابه “مَن يأخذ هذا السيف بحقه؟”، فقام رجال ليرد عليهم، حتى سأل أبو دجانة: “وما حقه يا رسول الله؟”، قال: “أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني”، فأخذه واعتصب بعصابته الحمراء وتبختر بين الصفين. فقال النبي ﷺ: “إنَّها لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا في هذا المَوْطِنِ”.
وكان أبو دجانة قد اشتهر بعصابة حمراء يلفها حول رأسه تسمى “عصابة الموت”؛ إذا لبسها علم الجميع أنه سيقاتل حتى الشهادة.
وحين انفضّ الناس عن النبي ﷺ وقت اشتداد القتال يوم أحد، كان أبو دجانة ممن ثبتوا معه، بل وجعل من ظهره ترسا (درعا) للنبي ﷺ، فكان النبل يقع في ظهره، وهو لا يتحرك لحماية رسول الله.
عُرف أبو دجانة بصفات كريمة يصعب حصرها، فهو شجاع ذو قلب قُدَّ من حديد، له من البسالة، ما ليس لغيره، يملأ حب الله تعالى وحب رسول الله ﷺ فؤاده، ميدان الحرب ميدانه الأثير، يبلي فيه بلاء حسنا، ويذيق فيه أعداء الله منه ما يكرهون. وهو مع ذلك حريص كل الحرص على ألا يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يسأل فيما لا يخصه.. يحفظ قلبه من كل ما يشوب القلوب من أدران. مرض ذات يوم فعاده أصحابه، فلما رأوا البشر في وجهه والنور يشرق من جبينه، عجبوا كل العجب، وألحوا عليه في السؤال عن سبب ذلك فأجابهم: “ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليما”.
آخى النبي ﷺ بينه وبين عتبة بن غزوان فكان له نعم الأخ، حتى صارت أخوّتهما مضرب الأمثال، لم يكن سمّاك ذا نسبٍ مرموق، ولا صاحب مالٍ يفخر به؛ لكنه كان يملك قلبا صادقا وإيمانا راسخا.. شبّ بين قومه على الإخلاص والشجاعة ومكارم الأخلاق، حتى سمع بأمر بعثة الهادي البشير، فطار قلبه مستجيبا لنداء الإسلام، فأسلم مبكرا وكان في أول الصفوف يتقدم حين يتراجع الصناديد من الرجال.. وكان يعفُّ عند المغنم.. فليست الدنيا مبتغاه، لقد رأى الجنة دون أحد، فزاد شوقه إليها، واستبد به التوق إلى لقاء ربه، وقد تقلّد تاج الشهادة.
أراه وهو يقف بين الأنصار مستقبلا الرسول ﷺ على مشارف يثرب، يتساءل في نفسه، أي رجل هو، كيف اصطفاه الله من بين خلقه كافة؛ ليكون سيدا للمرسلين وخاتما للنبيين، وعندما أشرقت أنوار النبوة بين الربوتين، انخلع قلب سمّاك، هذا رسول الله ﷺ يدخل المدينة مهاجرا من مكة، بعد أن آذاه قومه أشد الإيذاء؛ فاختار الله له قومك -يا سمّاك- ليكونوا للحبيب السند والعون والأنصار الخُلَّص، فأي شرف ناله قومك وأي مسئولية جسيمة ألقيت على عواتقهم، وأنت يا -سمَّاك- ما نصيبك من تلك التبعة العظيمة.. قال في نفسه: فداك أبي وأمي يا رسول، والله لأحولن بين القوم وبينك فلا يصلون إليك إلا على جسدي.. فكانت حياته إلى جوار النبي ﷺ حياة الحارس الأمين الذي يرد عن سيده المحبوب كل سوء.
شهد سمَّاك مع الرسول ﷺ كل المشاهد، وكان لا يغفل عنه طرفة عين.. ويوم أن انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى.. لم يجد أبو دجانة سلوى عن فراق الحبيب محمد ﷺ إلا الجهاد في سبيل الله، حين ارتدت بعض القبائل، اندفع بطلنا في الحرب على المرتدين، يذيقهم بأسه حتى كان يوم اليمامة، نرى بطلنا يقاتل في هذا اليوم المشهود على نحو يشبه الأساطير، حتى كان من الظافرين برأس عدو الله مسيلمة الكذاب؛ وكان قد أثخن في بني حنيفة، وقد ألقى الله الرعب في قلوبهم لمرآه.. ثم يكافئه العلي القدير بتاج الشهادة الذي طالما سعى لتقلُّده، ليلقى الله راضيا مرضيا بعد أن ضرب أروع الأمثلة في التضحية والفداء.








