رؤى

المسكوت عنه.. في الحرب الأمريكية على إيران

يثير الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، بما انطوى عليه من استهداف مباشر لرمز النظام السياسي عبر اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، أسئلة عميقة حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل نحن أمام ضربة محدودة ذات أهداف تكتيكية، أم أمام محاولة لإعادة هندسة “التوازنات” الإقليمية والدولية عبر صدام طويل الأمد متعدد الأهداف؟

المقارنة مع الضربات التي شنّتها إسرائيل بدعم أمريكي، خلال ما عُرف بحرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي تبدو قاصرة؛ فحينها كان التركيز منصبا على البنية التحتية للبرنامج النووي، أما الآن فالمعركة تمسّ رأس السلطة، بما يحمله ذلك من دلالات تتجاوز النووي إلى مجمل الموقع الجغراسياسي لإيران.

أولا: موقع النفط والغاز الإيرانيين

أحد أهم مفاتيح فهم الدوافع الأمريكية يتعلق بموقع إيران في معادلة الطاقة العالمية. تمتلك إيران “رابع” أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، و”ثاني” أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي. ورغم العقوبات، بقي النفط الإيراني عنصرا مؤثرا في حسابات السوق، سواء عبر الصادرات الرسمية أو عبر قنوات التفاف على العقوبات. السيطرة على تدفقات الطاقة، أو على الأقل منع خصوم واشنطن من الوصول الحر إليها، ظل هدفا ثابتا في الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. في هذا السياق، لا يُنظر إلى النفط والغاز الإيرانيين بوصفهما مجرد ثروة وطنية، بل كأدوات قوة محتملة في يد خصم استراتيجي.

الغاز الإيراني أيضا، يكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا. تراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي فتح شهية البحث عن بدائل، وإيران تملك احتياطيات ضخمة يمكن -نظريا- أن تشكل جزءا من معادلة إمداد جديدة. غير أن دمج إيران في منظومة الطاقة العالمية بشروطها الخاصة قد يمنحها موارد مالية هائلة، تعزز حضورها الإقليمي وتمنحها هامش مناورة أوسع في مواجهة الضغوط الغربية. من هنا، يمكن فهم كيف يصبح إضعاف الدولة الإيرانية، أو تغيير سلوكها، هدفا يتجاوز البعد الأمني إلى البعد الاقتصادي البنيوي.

أضف إلى ذلك، من ناحية أخرى، أن الصين تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني، حيث تشتري أكثر من 80% من صادرات النفط الإيراني المنقولة بحرا، والتي تشكل نحو 14% من وارداتها النفطية. وبالتالي، فإن ضرب البنية التحتية للنفط الإيراني يعني توجيه ضربة قاسية، ليس فقط لطهران، ولكن أيضا لأمن الطاقة الصيني، وهو ما يمثل رسالة أمريكية غير مباشرة إلى بكين.

ثانيا: موقع الليثيوم والموارد الاستراتيجية

إلى جانب النفط، برز عنصر جديد في حسابات الحرب وهو “الليثيوم”. فقد أعلنت إيران مؤخرا عن اكتشاف احتياطيات ضخمة من هذا المعدن النفيس بتركيزات عالمية تنافسية، وذلك بالتعاون مع خبراء روس. ويُعد الليثيوم عصب الثورة الصناعية الجديدة؛ إذ، يدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية وأجهزة التخزين، ويتوقع أن يصل الطلب العالمي عليه إلى 2.4 مليون طن بحلول عام 2030.

إيران، بفضل مساحاتها الشاسعة من الأحواض الملحية المناسبة للاستخراج، يمكنها أن تصبح واحدة من أقل منتجي “الليثيوم الأخضر” تكلفة في العالم. ومن ثم، فإن السيطرة على هذا المورد الثمين، أو حرمان إيران من استغلاله، يمثل هدفا اقتصاديا طويل الأمد للحرب. ففي عالم يتجه نحو الطاقة النظيفة، فإن من يسيطر على الليثيوم يسيطر على مستقبل التكنولوجيا والصناعة. لذلك، فإن توجيه ضربة عسكرية لإيران قد يهدف كذلك إلى تأخير أو منع دخول هذا المنافس الجديد إلى السوق العالمية، خاصة مع وجود شراكات روسية في هذا القطاع.

ثالثا: الصين ومبادرة الحزام والطريق

الصين هي اللاعب الأكبر في المشهد الإيراني. فبالإضافة إلى استيراد النفط، وقعت بكين وطهران، في مارس عام 2021، اتفاق تعاون استراتيجي لمدة 25 عاما، بقيمة 400 مليار دولار. كما أن إيران تمثل حلقة رئيسة في “مبادرة الحزام والطريق” الصينية الطموحة، سواء عبر خطوط السكك الحديدية الحالية التي تربط البلدين (وهي أسرع بنسبة 50% من الطرق البحرية)، أو عبر مشاريع مستقبلية تربط الصين بإيران عبر آسيا الوسطى.

لذا، فإن أي حرب تؤدي إلى زعزعة استقرار إيران، أو تفكيكها، ستوجه ضربة قاصمة للمشروع الصيني في المنطقة؛ كما ستهدد الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، البالغة قيمته 60 مليار دولار، والذي يعتمد على الاستقرار الإقليمي. من هنا، تعمل الصين على “تحصين” إيران منذ أشهر، حيث زودتها بأنظمة ملاحة “بيدو” بديلة عن نظام “GPS”، ومنظومات دفاع جوي متطورة “إتش كيو-9 بي”، قادرة على كشف الطائرات الشبحية، كما تجري مفاوضات متقدمة لبيع صواريخ “سي إم-302” الأسرع من الصوت المضادة للسفن. إن الحرب الحالية هي، بشكل أو بآخر، مواجهة بالوكالة لعرقلة التمدد الصيني في غرب آسيا.

رابعا: التحالف الروسي الصيني الإيراني

في مواجهة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، شكلت روسيا والصين سندا استراتيجيا لإيران، لكن هذا السند له حدود واضحة. على المستوى الميداني، كثفت روسيا دعمها اللوجستي، حيث رصدت رحلات شحن عسكرية روسية إلى طهران. ومن المتوقع أن تزودها بمنظومات دفاع جوي متقدمة وقطع غيار حيوية وبيانات استخبارية عبر الأقمار الصناعية. كما ساعدت الصين في تعزيز القدرات التقنية والعسكرية الإيرانية.

غير أن هذا الدعم لا يصل إلى مستوى التدخل العسكري المباشر (لنكن أكثر منطقية، بعيدا عن الهمهمات العاطفية السائدة عند بعض العرب). روسيا أكدت صراحة أن معاهدتها الاستراتيجية مع إيران ليست حلف دفاع مشترك، ولن تقدم موسكو على التضحية بجنودها في حرب مع أمريكا. الصين أيضا، رغم أهميتها الاقتصادية، لن تخوض حربا دفاعا عن طهران، وهي تفضل الاستقرار لضمان مصالحها التجارية الضخمة.

الهدف المشترك لموسكو وبكين هو تحويل إيران إلى “مستنقع” يستنزف الولايات المتحدة، وإطالة أمد الصراع لصرف الأنظار عن أوكرانيا (بالنسبة لروسيا)، وإضعاف الهيمنة الأمريكية(بالنسبة إلى كليهما). باختصار، تشكل روسيا والصين “جبهة خلفية” للإسناد السياسي والاقتصادي والعسكري غير المباشر، لكن إيران تبقى وحيدة في خندق المواجهة المباشر.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران يتجاوز كونه عملية عسكرية لإنهاء برنامج نووي؛ إنه حرب وجودية شاملة بأهداف متعددة ومعقدة، تسعى إلى تغيير النظام في طهران، والسيطرة على مفاصل الطاقة العالمية (النفط والغاز)، ومنع بروز قوة تعدينية جديدة في الليثيوم، وضرب العمق الاستراتيجي للمشروع الصيني (الحزام والطريق)، واحتواء التحالف الشرقي الناشئ (روسيا، الصين، إيران). ورغم أن طهران ليست وحيدة بالكامل في مواجهتها، إلا أن الدعم الذي تتلقاه من حلفائها يبقى ضمن إطار “الردع غير المتماثل”، لا “التحالف العسكري التقليدي”، مما يضع مستقبل المنطقة على كف “عفريت”.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى