عاد الأكراد إلى واجهة المشهد الإقليمي مرة أخرى، في لحظة تتسم بتصاعد التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فمع اتساع رقعة المواجهة، بدأ الحديث يتردد عن احتمال فتح جبهة داخل الأراضي الإيرانية عبر فصائل كردية معارضة لطهران. وقد اكتسب هذا الاحتمال زخما بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أبدى فيها تأييده لقيام مقاتلين أكراد إيرانيين بشن هجمات ضد إيران، في سياق الحرب الجارية.
وبينما يرى البعض في هذه التصريحات مؤشرا على رغبة أمريكية في توسيع الضغط على طهران، يطرح آخرون تساؤلات أعمق حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى بالفعل إلى توظيف الورقة الكردية مرة أخرى، كما فعلت في ساحات أخرى من المنطقة.
والملاحظ، أن تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة والحركات الكردية في الشرق الأوسط مليء بالتقلبات. فمنذ سبعينات القرن الماضي، استخدمت واشنطن الأكراد أحيانا حليفا تكتيكيا في صراعاتها الإقليمية، لكنها لم تتردد في التخلي عنهم عندما تغيرت أولوياتها الاستراتيجية. ويستحضر كثير من الأكراد اليوم تجارب مريرة، أبرزها ما حدث في شمال العراق بعد اتفاق الجزائر، في عام 1975، حين توقفت الولايات المتحدة عن دعم التمرد الكردي ضد حكومة بغداد. كما يتذكرون أيضا التحولات التي شهدها الموقف الأمريكي في سوريا في السنوات الأخيرة، حيث أقامت واشنطن شراكة عسكرية وثيقة مع قوات كردية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، قبل أن تعيد ترتيب أولوياتها الإقليمية لاحقا.
خلال الحرب السورية، برزت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بوصفها أحد أبرز الشركاء المحليين للولايات المتحدة في محاربة التنظيمات المتطرفة. وقد وفرت واشنطن دعما عسكريا وسياسيا لهذه القوات، التي تشكل الوحدات الكردية عمودها الفقري. لكن هذا التعاون لم يخلُ من التوترات، خصوصا مع اعتراض تركيا، التي تعتبر بعض الفصائل الكردية امتدادا لحزب العمال الكردستاني. وفي مراحل لاحقة، بدا أن الولايات المتحدة مستعدة لتقليص التزاماتها تجاه شركائها الأكراد، وهو ما أثار مخاوف واسعة داخل الأوساط الكردية من أن تكون الشراكة مع واشنطن مؤقتة ومشروطة بالمصالح الأمريكية.
اليوم، ومع تصاعد المواجهة مع إيران، يعود السؤال القديم: هل تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة استخدام الأكراد كورقة ضغط إقليمية؟
من الناحية النظرية، قد يبدو هذا الخيار مُغريا لواشنطن، لأنه يسمح بفتح جبهة إضافية ضد طهران من دون الانخراط المباشر بقوات أمريكية كبيرة داخل الأراضي الإيرانية. فالفصائل الكردية الإيرانية تمتلك خبرة قتالية طويلة، وتتمركز بعض قياداتها في إقليم كردستان العراق، حيث يمكنها التحرك عبر الحدود الجبلية الوعرة، التي يصعب على الجيش الإيراني السيطرة الكاملة عليها.
من بين هذه الفصائل أحزاب كردية معارضة، مثل: الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب كومله لكردستان إيران؛ وهي تنظيمات تسعى منذ عقود إلى الحصول على حكم ذاتي أكبر داخل إيران. وقد خاضت هذه الأحزاب مواجهات مسلحة مع السلطات الإيرانية في فترات مختلفة، لكنها ظلت محدودة النطاق خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد الضربات الإيرانية المتكررة لقواعدها في شمال العراق.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة، اتهمت طهران هذه الفصائل بالتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وردت بضربات صاروخية استهدفت مواقعها في إقليم كردستان العراق. ويعكس هذا التصعيد حجم القلق الإيراني، من احتمال تحول المناطق الكردية إلى ساحة ضغط إضافية. فإيران تضم أقلية كردية كبيرة تقطن في محافظات غرب البلاد، وتخشى السلطات أن يؤدي أي تصعيد مسلح إلى إشعال اضطرابات داخلية في هذه المناطق.
مع ذلك، فإن مسألة دخول الأكراد الإيرانيين في حرب واسعة ضد الحكومة في طهران، ليست قرارا سهلا. فالفصائل الكردية تدرك أن ميزان القوى العسكري يميل بشدة لصالح الدولة الإيرانية، وأن أي تمرد واسع قد يواجه برد قاسٍ من الحرس الثوري. كما أن التجربة التاريخية مع القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تجعل هذه الفصائل حذرة من الاعتماد الكامل على دعم خارجي قد يتغير في أي لحظة.
أضف إلى ذلك الاعتبارات السياسية الداخلية؛ فالمعارضة الإيرانية ليست موحَّدة في موقفها من القضية الكردية. فبعض التيارات، خصوصا القريبة من “التيار الملكي” الذي يستلهم إرث الشاه محمد رضا بهلوي، تؤكد على وحدة الأراضي الإيرانية وترفض أي مشاريع قد تُفهم على أنها خطوة نحو الانفصال. وبالتالي، فإن تحركا كرديا مسلحا قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل صفوف المعارضة، بدلا من توحيدها ضد الحكومة.
أما الولايات المتحدة، فهي تدرك أيضا حساسية المسألة الكردية في المنطقة. فدعم تمرد كردي داخل إيران، قد يثير قلق دول أخرى مثل تركيا والعراق، اللتين تخشيان من انتقال العدوى الانفصالية إلى أراضيهما. كما أن واشنطن، رغم تصريحات بعض قادتها، غالبا ما تفضل إدارة الصراعات الإقليمية بطرق لا تؤدي إلى تفجير نزاعات قومية واسعة يصعب السيطرة عليها لاحقا.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد سيناريو التصعيد المحدود. فقد تلجأ بعض الفصائل الكردية إلى تكثيف عملياتها المسلحة داخل المناطق الحدودية، مستفيدة من انشغال إيران في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية. وفي هذا السيناريو، قد يظل الدور الأمريكي غير مباشر، عبر الدعم السياسي أو الاستخباراتي، من دون إعلان صريح عن شراكة عسكرية جديدة.
هناك كذلك احتمال ثالث، يتمثل في استخدام الورقة الكردية بوصفها ورقة ضغط تفاوضية، أكثر منها جبهة عسكرية فعلية. فمجرد التلويح بإمكانية تحريك الفصائل الكردية، قد يكون كافيا لإثارة قلق طهران وإجبارها على توزيع قواتها بين جبهات متعددة. وفي هذه الحالة، تصبح المسألة الكردية جزءا من لعبة الردع المتبادل بين القوى المتصارعة.
لكن الاحتمال الأكثر واقعية، على المدى القريب -في نظرنا- قد يكون بقاء الوضع في حالة توتر منخفض الشدة. فالفصائل الكردية قد تستمر في تعزيز استعداداتها العسكرية، وإرسال رسائل سياسية إلى طهران، من دون أن تنخرط في حرب مفتوحة. وفي المقابل، ستواصل إيران استهداف هذه الجماعات بضربات محدودة لمنعها من التحول إلى تهديد استراتيجي.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن مستقبل الجبهة الكردية في إيران، يبقى مرتبطا بعدة عوامل متشابكة: مسار الحرب الحالية، ومستوى الدعم الخارجي الذي قد تحصل عليه الفصائل الكردية، وقدرة طهران على احتواء الاضطرابات في مناطقها الغربية. لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن الأكراد غالبا ما يجدون أنفسهم في قلب الصراعات الإقليمية، من دون أن يمتلكوا السيطرة الكاملة على مسارها.
ولهذا السبب، فإن قرار الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة الإيرانية، لن يكون مجرد خطوة عسكرية، بل مقامرة سياسية كبرى. فالأكراد يدركون – بالخبرة التاريخية- أن التحالف مع القوى الكبرى قد يوفر فرصا مؤقتة، لكنه لا يضمن تحقيق طموحاتهم القومية على المدى الطويل. وبين حسابات واشنطن الاستراتيجية، ومخاوف طهران الأمنية، وتطلعات الأكراد السياسية، تبقى الجبهة الكردية احتمالا قائما، لكنه ليس حتميا في معادلة الحرب الدائرة في المنطقة.








