رؤى

ما بعد الحرب.. «سيناريوهات» المستقبل الإيراني

مع إعلان نبأ اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في الضربات الأمريكية الإسرائيلية المفاجئة صباح 28 فبراير الماضي، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة كليا. لم يعد السؤال يقتصر على “ما إذا كان النظام سيسقط”، ولكنه تحول إلى “ما طبيعة الكيان الذي سيخلفه”. صحيفة “الجارديان”، في 3 مارس الجاري، استعرضت أربعة سيناريوهات رئيسة، تتراوح بين “الانتقال السلس للسلطة” وصولا إلى “الفوضى الدامية”؛ مرورا بكل من: “نموذج مادورو”، و”صمود النظام أمام العاصفة”.

لكن محاولة استقراء هذه السيناريوهات الأربعة، توضح أنها ليست سوى جزء من معادلة معقدة؛ إذ توجد سيناريوهات أخرى أكثر ترجيحا من تلك المطروحة في الصحيفة، تقع في المنطقة الرمادية بين “صمود النظام” و”انهياره الكامل”. فإذا كانت تلك السيناريوهات المذكورة تمثل الأطراف المثالية للطيف المحتمل (من الاستسلام السلمي إلى الفوضى الشاملة)؛ فإن هناك سيناريوهات أخرى -في نظرنا- يمكن إضافتها لتكتمل ملامح الصورة التي تُمثل معادلة الحرب الدائرة.. راهنا.

أبرز هذه السيناريوهات هو “سيناريو التصلب العسكري”، أو “نموذج كوريا الشمالية”. في هذا السيناريو، لا ينهار النظام، ولا ينتقل إلى نموذج مادورو الليبرالي، وإنما يخضع لـ”تحول جذري” نحو الديكتاتورية العسكرية الصرفة.

بمعنى آخر، في هذا السيناريو وبعد اغتيال خامنئي وربما عدد من كبار رجال الدين، ينتقل مركز الثقل في السلطة بشكل كامل إلى الحرس الثوري. فالنظام الإيراني، هو نظام “مؤسساتي جامد” ولا يعتمد على فرد واحد. تشير المعلومات المتوافرة إلى أن قيادة الحرس الثوري، التي أشرفت على قمع الاحتجاجات الأخيرة (التي راح ضحيتها قرابة 30 ألف شخص حسب بعض التقارير)، قد تعتبر أن الردع الحقيقي الوحيد هو سباق التسلح النووي الكامل.

ومن ثم، إذا تبنى الناجون من القيادة عقيدة تقول إن “القنبلة النووية هي الضامن الوحيد للبقاء”، فإن إيران قد تتحول إلى ثكنة عسكرية منغلقة، تتخلى حتى عن الغطاء الديني الهش، وتستمر في دعم وكلائها باعتبارهم وسيلة لتصدير الأزمة إلى الخارج؛ تعويضا عن انهيار الداخل. وكما يبدو، فإن هذا السيناريو لا يتضمن “صمود النظام أمام العاصفة” فحسب، وإنما “استدارة النظام” نحو تشدد وجودي غير مسبوق؛ بما قد يجعل التهديد الإقليمي أكبر مما كان عليه في السابق، وليس أقل. ولعل ذلك ما يتبدى بوضوح بعد اختيار المرشد الجديد، مجتبى خامنئي؛ وهو الأكثر تشددا من والده.

أما السيناريو الآخر، الذي يمكن طرحه، في هذا السياق، فهو “سيناريو التغيير بالتراجع”، أو “الردع الذاتي”. ينص هذا السيناريو على أن إيران ما بعد القصف قد لا تشهد تغييرا في النظام، ولكنها ستشهد “تغييرا في السلوك”. في هذه الحال، يبقى النظام قائما ولكن “مضروبا” و”مستنزفا”. وهنا، ستكون الأولوية للبقاء وليس للتوسع. قد يضطر المرشد الجديد إلى كبح جماح الحرس الثوري، ووقف برامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، والدخول في مفاوضات جدية مع الغرب. وهو ما يتبدى من خلال رسالة أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، على منصة “إكس” (الإثنين 16 مارس)؛ إذ، إن ما بين السطور يوضح أن المفاوضات هي الحل، خاصة في إطار الاستشهاد بالحديث النبوي: “من سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يُجِبْهُ فليس بمسلم”.

هذا السيناريو لا يحقق حلم “إيران الديمقراطية” الذي يروج له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، “مبررا للحرب”؛ لكنه يحقق الهدف الأمني الإسرائيلي الأمريكي بتفكيك “محور المقاومة” وتحييد إيران كقوة إقليمية.. وذلك مقدمة ضرورية للسيطرة على الطاقة والممرات، من أجل كبح جماح القوى الآسيوية الكبرى، الصين وروسيا.

أما بالنسبة للآفاق المستقبلية، وإمكانية تحقق هذه السيناريوهات على أرض الواقع، فإن الترجيحية تشير إلى أن السيناريو الأكثر تفاؤلا (الانتقال السريع للسلطة)، المطروح أمريكيا، هو الأقل احتمالا، وأن السيناريو الأكثر تشاؤما (الفوضى الدامية)، هو الأكثر ترويعا؛ لكن المنطقة الرمادية، في اعتقادنا، هي الأكثر ترجيحا.

السيناريو الأكثر احتمالا، إذن في رأينا: “التشظي المنظم تحت وصاية الحرس الثوري”.

وأسباب ذلك واضحة.

إذ إن سيناريو “الانتقال السريع للسلطة” برئاسة رضا بهلوي، هو سيناريو مستبعد. فإيران ليست فنزويلا، وحجمها وتعقيدها الأمني والديموغرافي يجعل من استسلام قوات الحرس الثوري، وهيكل الدولة الأمنية، أمرا أشبه بالخيال. كما أن فكرة قيام “نموذج مادورو” (حيث تحل شخصية معتدلة محل خامنئي)، تبدو صعبة في اللحظة الراهنة، لأن المرشد الجديد جاء في لحظة حرب، ما سيدفعه إلى التصلب وليس الانفتاح.

بدلا من ذلك، يبدو المشهد الأقرب للواقع هو سيناريو هجين: بين “صمود النظام أمام العاصفة”، و”نموذج كوريا الشمالية”؛ فالحرس الثوري، ورغم الضربات القاسية التي تلقاها، ما يزال الكيان الأكثر تنظيما في البلاد. في غياب خامنئي، سيسيطر الحرس على عملية اختيار المرشد الجديد. هذا يعني أن إيران ستتحول بشكل غير رسمي إلى نظام عسكري طائفي، حيث يصبح القائد الفعلي “العملياتي”، هو قائد الحرس الثوري أو رئيس أركانه. فماذا عن التهديد الخفي.. “سيناريو الصوملة”؟

رغم أن الكثيرين في الداخل الإيراني يريدون التغيير، إلا أن هناك فرقا كبيرا بين الرغبة في إسقاط النظام وبين بناء آخر. في حال انهيار السلطة المركزية (وهو ما تسعى إليه الضربات الأمريكية)، فإن البديل لن يكون ديمقراطية على الطراز الغربي (الأمثلة العربية.. متعددة).

الأرجح هو أن تشهد إيران سيناريو شبيه بالعراق أو ليبيا بعد الغزو. مع وجود أقليات كردية وعربية وبلوشية تمتلك مطامح انفصالية، وفي ظل تدفق الأسلحة عبر حدود مكشوفة، قد تتحول البلاد إلى ساحة حرب أهلية شاملة. في هذه الحال، سيكون “الربيع الإيراني” بمثابة “شتاء إيراني” طويل، تغرق فيه البلاد في مستنقع من العنف الطائفي والصراعات الإقليمية، مع استمرار نزيف اللاجئين وتدفق الأموال لدعم الميليشيات المتناحرة.

هذا هو “الخطر الاستراتيجي” الذي يجب أن تحذر منه الدول العربية، خاصة الخليجية منها؛ حيث إن إيران الضعيفة والمتفككة ستخلق فراغا أمنيا ستملأه التنظيمات المتشددة والإرهابية.. والنموذج السوري ليس ببعيد، لكن مع الاختلاف هذه المرة من حيث درجة الخطورة على الجوار الجغرافي القريب.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن مستقبل إيران في ظل الحرب الأمريكية، وأهدافها: سواء المصرح بها، أو المسكوت عنها.. لن يتحدد فقط بنتائج العمليات العسكرية؛ بل أيضًا بقدرة النظام على التكيف، وبمواقف القوى الدولية، وبردود فعل المجتمع الإيراني نفسه. ولذلك فإن السيناريوهات المطروحة اليوم ليست سوى محاولات لتصور المسارات الممكنة في الأفق، لكنها تبقى مفتوحة على مفاجآت السياسة والتاريخ، التي كثيرا ما تتجاوز التوقعات والتحليلات الاستراتيجية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى