تمثل قصة إبليس في القرءان الكريم نموذجا فريدا للتحول من العبادة إلى العصيان، ومن القرب إلى الطرد، ومن النعمة إلى اللعنة. وفي هذه القصة تتجلى سُنن إلهية كبرى تتعلق بعقوبة المعصية، وسُنة المهلة والابتلاء المستمر، وسُنة حماية الله لعباده المخلصين. إن التأمل في هذه السنن يكشف عن قوانين ربانية ثابتة تحكم مسيرة الإنسان وتفسر الكثير من أحداث التاريخ.
والمدقق في القصة القرءانية، قصة إبليس، لابد له أن يُلاحظ كيف كان الاستكبار بداية الطريق إلى الكفر، كما في قوله سبحانه وتعالى: “وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ” [البقرة: 34]. فهذه الآية تفيد أنه صار من الكافرين بعصيانه واستكباره، أو أنه كان في علم الله السابق من الكافرين؛ وهي فيها سُنة مهمة: إن الكِبر والاستكبار قد يؤديان بصاحبهما إلى الكفر، إذا بلغ به الحد إلى رفض أوامر الله والاعتراض على حكمته سبحانه.. رفض أوامر الله التي وردت في كتابه الكريم، وليس أي مرويات أخرى.
عقوبة المعصية
اللعن، لغة، يعني الطرد والإبعاد على سبيل السخط، ومنه قيل للشيطان: اللعين، لبعده عن رحمة الله؛ أي إن اللعن يدل على: “الإقصاء والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، والإبعاد من درجة الأبرار ومقام الصالحين”؛ فاللعين والملعون هو من حقت عليه اللعنة، أي الدعاء عليه بالبعد والطرد من رحمة الله. وقد كانت عاقبة هذا العصيان والاستكبار “الإبليسي” واضحة، في قوله سبحانه: “قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٭ وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ” [الحجر: 34-35]؛ وأيضا، في قوله تعالى: “قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٭ وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ” [ص: 77-78]؛ وهذه سُنة إلهية مطردة: إن المتكبرين لا مكان لهم في حضرة الله، ومعيته؛ وإن الكِبر يؤدي إلى السقوط والهوان والطرد من رحمة الله.
كانت عاقبة استكبار إبليس، إذًا، واضحة: ليس فقط الطرد من رحمة الله؛ ولكن أيضًا التحول الكامل في المكانة. يقول تبارك وتعالى: “قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ” [الأعراف: 13].
هذه العقوبة الإلهية تتضمن عدة عناصر:
أولا: الطرد والاحتقار.. فالطرد، من المكان المبارك، يدل عليه التعبير القرءاني “فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا”؛ والهبوط، ليس هبوط من علٍ، أو هبوط مكان، ولكنه “هبوط مكانة”. وهذا طرد من مقام القرب إلى مقام البعد. أضف إلى ذلك، وصف إبليس “فَإِنَّكَ رَجِيمٞ”، أي مرجوم مطرود من كل خير؛ وهو وصف يدل على الاحتقار والطرد.
ثانيا: اللعنة المستمرة.. فالاستمرار في اللعن، يدل عليه التعبير القرءاني “وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ”؛ أي إن البعد والطرد من رحمة الله مستمر إلى يوم القيامة. واللعنة، هنا، تعني الإبعاد المقترن بسخط الله، فهي عقوبة دائمة لا تنقطع. هذا، فضلا عن التحول الكامل في المكانة، من خلال الأمر الإلهي “إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ”، أي الأذلاء المهانين، بعد أن كان متكبرا متجبرا. وهذا تحول في المكانة: من مقام العبادة والقرب إلى مقام الذل والهوان.
لقد تحوَّل إبليس من مقام العبادة والقرب إلى مقام الطرد واللعن، جزاءً له على معصيته واستكباره؛ وفي هذا عبرة لكل من يرفض أوامر الله أو يعترض على حكمته تعالى.
المتكبرين والمخلصين
وهكذا، تؤسس قصة إبليس لسُنة إلهية مطردة: إن المتكبرين لا مكان لهم في معية الله، وأن الكِبر يؤدي إلى السقوط والهوان والطرد من رحمة الله. هذه السُنة لا تقتصر على إبليس، وإنما تشمل كل متكبر في كل زمان ومكان. يقول عزَّ وجل: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” [غافر: 60].
ولنا هنا أن نُلاحظ أن ثمة فارق كبير بين عقوبة إبليس وتوبة آدم.. إذ اللافت في قصة آدم وإبليس أن كليهما أخطأ، لكن الفرق كبير: آدم أخطأ ثم بادر بالتوبة فتاب الله عليه، بينما إبليس أخطأ واستكبر وتمادى في معصيته فطرد من رحمة الله. يقول سبحانه عن آدم: “فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ” [البقرة: 37]. وهذا يؤكد سُنة مهمة: إن الخطيئة مع التوبة تغفر، وأن الاستكبار مع الإصرار يهلك.
(1) سُنة المهلة والابتلاء المستمر
بعد أن تيقن إبليس من عقوبة الله، لم ييأس بل طلب أمرًا آخر.. طلب المهلة. يقول عزَّ من قائل: “قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ” [الحِجر: 36 & ص: 79]. وقد أعطاه الله هذه المهلة؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: “قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٭ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ” [الحجر: 37-38 & ص: 80-81]. وهذه سنة الابتلاء المستمر، حيث يبقى الشيطان حيا إلى يوم القيامة، ليكون اختبارا للبشر، وليظهر – بناءً على ذلك- من يتبعه ممن يطيع ربه.
إلا أن إمهال إبليس لم يكن لمجرد الموافقة الإلهية على طلبه، ولكن لحكمة إلهية:
أولا: الابتلاء المستمر للإنسان.. بقاء إبليس حيا إلى يوم القيامة هو اختبار دائم للإنسان، ليميز الله من يطيعه ممن يتبع الشيطان. فالابتلاء سُنة من سُنن الله في خلقه، والله تعالى خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملًا؛ كما في قوله سبحانه: “ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ” [الملك: 2]. ثم، إتمام الحجة على بني آدم؛ إذ إن وجود الشيطان معهم، وتحذير الله لهم منه، وإرسال الرسل، يقطع حجة الإنسان يوم القيامة.
ثانيا: تمييز الخبيث من الطيب.. فالابتلاء يكشف حقائق النفوس، ويميز المؤمن الصادق من المنافق. يقول تعالى: “مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ…” [آل عمران: 179].
(2) سُنة حماية العباد المخلصين
لكن رحمة الله وسعت كل شيء؛ فقد استثنى الله من سلطان إبليس عباده المخلصين: “قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ ٭ إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ” [الحجر: 41-42]. وهذه سُنة الطمأنينة للمؤمنين: إن الشيطان لن يستطيع إغواء من أخلصوا لله؛ وإن سلطانه محدود بضعفاء الإيمان.
واللافت، أن التعبير القرءاني “عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ”، قد ورد على لسان إبليس.. في قوله سبحانه: “قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٭ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ” [الحِجر: 39-40]؛ وفي قوله تعالى: “قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٭ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ” [ص: 82-83].
وهذا يطرح التساؤل حول: من هم العباد “ٱلۡمُخۡلَصِينَ؟
للحديث بقية.








