ترجمة: أحمد بركات
وضعت أيام قلائل من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية نظام طهران على حافة الانهيار.
كان يتعين في هذه الفترة أن تلجأ إيران إلى الاستفادة القصوى من مساعدات حلفائها، خاصة تلك الدول التي تنتمي إلى محور CRINK (الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية)، والتي تعارض النظام العالمي الديمقراطي.
رغم ذلك، لم تقدم موسكو وبكين أي دعم ملموس لطهران، واكتفتا -بدلا من ذلك- بتوجيه بعض الانتقادات العلنية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي حين يمكن تفسير حالة “الكمون” الروسية تجاه إيران بانشغال موسكو بحربها في أوكرانيا، إلا أن جميع التوقعات المتعلقة بدعم الصين لإيران عسكريا لم تتحقق على الأرض أيضا. يرجع ذلك إلى حقيقة أن الصين ليست “أمريكا الجديدة”، وأنها تمتلك أفكارا مختلفة تماما حول كيفية العمل بفاعلية في عالمنا المعاصر.
فروسيا والصين هما أكبر شريكين لإيران بدون منازع. وقد توثقت العلاقة بين موسكو وطهران على نحو خاص خلال فترة الحرب على أوكرانيا، حيث أسهمت العقوبات الغربية في تهيئة ظروف التعاون المتبادل بينهما.
فمنذ اندلاع الحرب الشاملة التي شنتها روسيا على أوكرانيا في عام 2022، تبادلت موسكو وطهران العديد من الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، ووقعتا اتفاق شراكة استراتيجية، وعززتا علاقاتهما العسكرية.
في هذا الإطار اشترت موسكو من طهران أنظمة أسلحة تتجاوز قيمتها 4 مليارات دولار، معظمها من مسيرات شاهد كاميكازي. وفي المقابل، حصلت إيران على طائرات تدريب ومروحيات هجومية ومركبات مصفحة وبنادق روسية.
وسعى البلدان معا لإيجاد سبل للالتفاف على العقوبات الغربية، وتبادلا الخبرات في مجال تكنولوجيا المراقبة. وفي عام 2023، وقعت إيران اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده روسيا.
أما العلاقات بين إيران والصين فقد توثقت في مرحلة سابقة. فخلال جولته في منطقة الشرق الأوسط في عام 2016، زار الرئيس الصيني شي جين بينغ طهران زيارة رسمية، وقع خلالها البلدان اتفاق شراكة استراتيجية.
وفي عام 2021، وضعت بكين وطهران خطة مدتها خمسة وعشرون عاما تعهدت بموجبها بكين باستثمار 400 مليار دولار مقابل استمرار إمدادات النفط الإيراني دون توقف.
إلى ذلك، فقد طورت إيران وروسيا والصين أيضا صيغا مختلفة للتعاون الثلاثي، حيث أجرت الدول الثلاث معا مناورات عسكرية مشتركة بانتظام، عُرفت باسم “حزام الأمن البحري”، منذ عام 2019. وغالبا ما اتخذت العواصم الثلاث مواقف موحدة تجاه القضايا العالمية.
وزاد انضمام إيران إلى المنظمات الدولية التي تقودها موسكو وبكين، مثل “منظمة شنغهاي للتعاون” في عام 2023، ومجموعة “بريكس” للدول النامية في العام التالي، من سهولة التنسيق بين الدول الثلاث.
ورغم ذلك، لم تسارع روسيا والصين لمساعدة إيران بشكل واضح وفعال في معركتها الحالية، باستثناء بعض التقارير التي تفيد تقديم موسكو بيانات عن السفن الحربية والطائرات الأمريكية لطهران، وهو ما يمكن اعتباره -حال تأكيده- ردا بالمثل من قبل الكرملين على الدعم الاستخباراتي الأمريكي الكبير لأوكرانيا على مدى السنوات الأربع الماضية، والذي ساهم في مقتل آلاف العسكريين الروس.
أما الصين فلم تقدم أي دعم ملموس لطهران، أو -على الأقل- لم تكشف الحكومة الأمريكية حتى الآن عن تحركات صينية تضاهي دعم موسكو. ورغم الانتقادات التي وجهتها موسكو وبكين للحملة العسكرية الأمريكية على إيران، وسعي الدولتين لعقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي، إلا أن هذه المبادرات لا تتناسب وعمق العلاقات الثلاثية في الفترة الماضية.
فروسيا تقف مكبلة عن دعم إيران بأنظمة الدفاع الجوي S-400 والطائرات والصواريخ الحديثة لحاجتها الماسة إليها في حربها في أوكرانيا. وبالإضافة إلى ذلك لا يزال الكرملين يخوض غمار مفاوضات مع واشنطن، وقد يعرقل دخوله في مواجهة في منطقة الشرق الأوسط تلك المفاوضات.
على الجانب الآخر، يعتقد البعض أنه نظرا لمساعي الصين لأن تصبح “أمريكا الجديدة”، فإنه كان يتعين عليها أن تعامل حلفاءها الإيرانيين كما تعامل واشنطن حلفاءها. ولكن الظروف تغيرت. فعندما تربعت الولايات المتحدة على عرش العالم، كان الوضع مختلفا تماما.
ففي ذلك الحين وسّعت الولايات المتحدة نطاق دورها العالمي في إطار حربها الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، ما تطلّب إنشاء شبكة حلفاء موسعة يمكن حشدها ضد مجموعة أعداء محددة ومعروفة. ومن ثم كان على واشنطن أن تكسب حلفاء جددا نظير عروض مغرية، من بينها تقديم ضمانات أمنية.
لكن هذا النموذج الريادي الذي ساد النصف الثاني من القرن العشرين لا يصلح في الوقت الراهن، إذ لم يعد العالم منقسما إلى معسكرات واضحة ومتمايزة، فالتفاعلات والتطورات تسير بوتيرة متسارعة وعلى نحو متزامن، والاقتصادات تتشابك على نحو معقد، والتكنولوجيا تزيد من سهولة عمليات التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى.
وإذا كان قد فات آوان تراجع الولايات المتحدة عن الضمانات الأمنية التي منحتها في السابق لحلفائها، حيث يصيب ذلك سمعتها في مقتل، فإن الصين قد رفعت عن كاهلها ربقة تقديم تلك الضمانات، وليس لديها أي توجه أو نية للشروع في تقديم شيء من ذلك في الفترة الحالية، خاصة في ظل رصدها عن كثب وبدقة الصعوبات التي تكابدها الولايات المتحدة في الوقت الراهن.
كما أن الصين، في واقع الأمر، لا تستخدم مصطلح “حليف” من الأساس، مفضلة توصيفات أخرى لعلاقاتها من قبيل “صداقة بلا حدود”، أو “تعاون استراتيجي في جميع الأحوال”.
وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه ليست المرة الأولى التي لا تسارع فيها بكين لمساعدة شركائها الاستراتيجيين في أوقات الأزمات. فقد غابت الصين بشكل لافت عن روسيا في أوكرنيا، وعن الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا، وعن باكستان في صراعها ضد طالبان في أفغانستان.
رغم ذلك فإن هذا الغياب لم يكن علامة ضعف، وإنما لأن الدعم العسكري للأنظمة الصديقة لم يكن يوما جزءا من استراتيجية الصين لقيادة العالم.
كما يمثل التنوع ركنا ركينا في السياسة الخارجية الصينية. فبينما تثمن بكين علاقاتها مع طهران، إلا أن لديها شركاء مهمين آخرين في منطقة الشرق الأوسط، مثل المملكة العربية السعودية، التي تتجاوز صادراتها النفطية إلى بكين الصادرات الإيرانية. كما يجري دمج مبادرة الحزام والطريق الصينية مع رؤية الرياض 2030، وقد وقع البلدان في هذا الإطار اتفاقية بقيمة 50 مليار دولار.
ويبلغ حجم البتادل التجاري بين الصين وبعض الدول العربية، مثل الإمارات العربية المتحدة، قرابة عشرة أضعاف حجم التجارة بين الصين وإيران. كما ترتبط الصين بعلاقات تعاون وثيقة مع شركات من دول خليجية أخرى. فعلى سبيل المثال تتعاون بكين مع شركة “أكوا باور” السعودية لتطوير مشروع طاقة شمسية في أوزبكستان تبلغ تكلفته مليار دولار.
وستواجه هذه المشروعات المشتركة، بالإضافة إلى علاقات بكين مع إسرائيل، تهديدا بالغا إذا سارعت الصين إلى تقديم الدعم العسكري لطهران، وبخاصة في ظل القصف الإيراني لدول الخليج العربي.
وأخيرا، يعتزم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب زيارة بكين في أبريل، وهي الزيارة الأولى لرئيس لأمريكي منذ نحو عقد تقريبا. ورغم أنه لا يُتوقع أن تحقق هذه الزيارة تقدما كبيرا على صعيد حل الخلافات يبن البلدين، إلا أنها تحمل أهمية رمزية كبيرة، حيث لا تريد الصين تقويض علاقاتها بالولايات المتحدة بسبب إيرن.
كما تتمثل الأولوية الأولى للصين في الوقت الرهن في تمرير ولاية ترمب دون خوض حرب تجارية شعواء أو للجوء إلى تصعيد من أي نوع ضد واشنطن.
بالطبع ستسعى الصين بهدوء إلى ترسيخ تفوقها في مجال تعدين المعادن الأرضية النادرة، والاستفادة إلى أقصى درجة بالتكنولوجيا الغربية طالما أنها لا تزال تستطيع إليها سبيلا، ومضاعفة جهودها للحصول على الواردات البديلة التي تحظى بأولوية خاصة في الخطة الخمسية 2026 ـ 2030.
وحتى إذا لم يصمد النظام الإيراني أمام القصف الأمريكي الإسرائيلي، فلن يكون أمام خلفائهم أي خيار سوى التعامل مع الصين التي تحتكر توريد التكنولوجيا المتقدمة إلى طهران، والمشتري الرئيسي للنفط الإيراني، خاصة أنه سيكون أسهل بكثير على بكين أن تجد لنفسها موردا آخر (روسيا، على سبيل المثال)، من أن تجد إيران مشترين جدد. ناهيك عن تراجع أهمية إمدادات النفط الإيراني للصين التي تطور مصادر طاقة بديلة.
وفي ضوء ما سبق، فإنه لا يوجد لدى الصين أي سبب على الإطلاق للانخراط في حرب إقليمية مجهولة المآلات، فيما يدفعها المنطق دفعا إلى البقاء على الحياد، وتعزيز موقعها، وتجنب إهدار مواردها على قضايا هامشية.
https://carnegieendowment.org/russia-eurasia/politika/2026/03/china-russia-rescue-iran








