ثقافة

أبو طلحة الأنصاري.. “نَحْرِي دُوْنَ نَحْرِكَ يا رَسُولَ اللهِ”

في أُحد انكسر المسلمون وانكشفوا عن النبي الأمين، فوصل إليه أعداء الله، كُسِرَت رباعيته وشُجَّ الجبين الشريف، ودخلت حلقتان من حلقات المغفر في وجنته، وأصيبت كتفه وسقط في حفرة فتأذَّت ركبته، وسال الدم الطاهر على وجه الحبيب.. مشهد تنخلع له القلوب، وتزول الأقدام ولا يصمد فيه إلا رجال الله الأشداء.. الراسخون في الإيمان.. يظهر أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري، وقد تقلّد قوسه، يبغي الوصول إلى حيث يقف الرسول صلى الله عليه ويسلم.. يصل فارسنا ويَمْثُل أمام الحبيب محمد، طالبا منه أن يتترس به، وهو يرمي أعداء الله بالسهام، ليردهم عن مهاجمة الرسول.. تنكسر الأقواس قوس تلو قوس، وأبو طلحة لا ينفك يدافع بكل قوته عن المصطفى، لا يهاب الموت.. ويوجه كلامه للمبعوث رحمة فيقول: نفسي لنفسك الفداء.. ووجهي لوجهك الوِقَاء. ثم ينشر كنانته بين يديه فيقول النبي: “لَصَوتُ أبي طلحة في الجيش؛ خيرٌ من مئةِ رجلٍ”.

كان أبو طلحة بين يدي رسول الله، وكان رسول الله يرفع رأسه من خلف أبي طلحة؛ ليرى مواقع النبل، وكان أبو طلحة يتطاول بصدره؛ يقي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: “نحري دون نحرك”.

في هذه اللحظات الصعبة يتذكر أبو طلحة كيف تحوّلت حياته هذا التحول الجذري، عندما تقدّم لخطبة أم سليم فقالت له: إن مثلك -يا أبا طلحة- لا يُرد، ولكني لن أتزوجك! فأنت رجل كافر. فقال: والله ما هذا الذي يمنعكِ مني يا أم سليم. قالت: فماذا إذن؟! قال: الذهب والفضة. يعني أنها آثرت غيره عليه أكثر غنىً منه. قالت: بل إني أشهِدك -يا أبا طلحة- وأشهد الله ورسوله؛ أنك إن أسلمت؛ رضيت بك زوجا، وجعلت إسلامك لي مهرا.

فلما سمع أبو طلحة كلام أم سليم، انصرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه من الخشب، يتوجه إليه بالعبادة. هنا قالت أم سليم: ألست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده -من دون الله- قد نبت من الأرض؟! فقال: بلى. قالت: ألا تشعر بالخجل وأنت تعبد جذع شجرة، جعلت بعضه لك إلها، بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقودا يخبز عليه عجينه؟!

قال: ومَن لي الإسلام؟ قالت: أنا أعلمك كيف تدخل فيه: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم تذهب إلى بيتك فتحطم صنمك وترمي به. ففعل أبو طلحة كل ذلك. ثم تزوج من أم سليم. فكان المسلمون يقولون: “ما سمعنا بمهرٍ قط كان أكرم من مهر أم سليم، فقد جعلت مهرها الإسلام”.

في بيعة العقبة الثانية كان زيد أحد الاثني عشر نقيبا، ومن لحظة أن رأى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؛ تعلّق قلبه به وظل كذلك، لا يطيق للرسول فراقا.. شهد معه بدرا والمشاهد كلها، وكان مبادرا للخيرات سابقا إلى الطاعات. فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه لما نزلت: “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ” [آل عمران: 92] قال أبو طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحب أموالي إليَّ “بيرحاء” (بستان له) -وكانت مستقبِلةَ المسجدِ وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدخُلُها ويشرَبُ مِن ماءٍ فيها طيِّبٍ- وإنها صدقة أرجو برها وذخرها. فقال النبي: “بخن بخن ذاك مال رابح وقد سمِعْتُ ما قُلْتَ فيها وإنِّي أرى أنْ تجعَلَها في (الأقربينَ) فقال أبو طلحةَ: أفعَلُ يا رسولَ اللهِ فقسَمها أبو طلحةَ في أقاربِه وبني عمِّه “.

ليس ذلك فحسب.. فقد أحبَّ زيد الجهاد في سبيل الله، فكان لا يشغله عنه شاغل، حتى أنه لم يكن يُكثر من صيام التطوع، إلى أن التحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى؛ فقرر أبو طلحة أن يبدأ صياما لا تقطعه إلا أيام العيدين، وظل على ذلك لنحوٍ من ثلاثين سنة.

وعندما مات ولده، وكان أحب بنيه إليه؛ صبر ولم يجزع واسترجع، وعندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمصابه، دعا له بخير فبارك الله له في ذريته، فكان من أحفاده -أبناء عبد الله بن زيد- عشرة رجال كلهم قرَّاء للقرآن، أشهرهم إسحق وكان من رواة الحديث.

وعلى قدر روعة البدايات وعظمة المواقف.. تأتي خاتمة حياة هذا البطل الذي أصر على الخروج غازيا في سبيل الله على عهد عثمان بن عفان، رغم أن أبناءه حاولوا إثناءه عن ذلك إذ قالوا له: “يرحمك الله يا أبانا، لقد صرت شيخا كبيرا، وقد غزوت مع رسول الله وأبي بكر وعمر، فهلا رَكَنتَ إلى الراحة، وتركتنا نغزوا عنك”. فقال: إن الله تعالى يقول: “انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً” [التوبة: 41]. فهو قد استنفرنا جميعا شيوخا وشبابا, ثم أبى إلا الخروج. وكان الغزو بحرا. وقد فاضت روحه الطاهرة على متن السفينة في عرض البحر، وبقى سبعة أيام حتى وجدوا جزيرة ليدفنوه بها.. وقد شهد من كان معه أن زيدا لم يتغير.. وهذا من كراماته رضي الله عنه وأرضاه.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى