رؤى

الخسائر البشرية في الكيان المحتل.. من ورقة ضغط إلى مبرر للعدوان!

من المؤكد أن ثمة شيء تغيّر في تعاطي مستوطني دولة الاحتلال مع مسألة الخسائر البشرية، فقد شهدت الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، سقوط أعدادٍ كبيرة من جنود جيش الاحتلال على مختلف الجبهات، لكن رد الفعل في الداخل المحتل، وفي مجتمعات الاستيطان اليهودي، لم يعد كما كان في السابق، ويمكن رصد التغير الأكبر الذي حدث عشية حرب أكتوبر عام 1973، حين علا الصوت العلماني للطبقة المتوسطة التي رأت أن التكلفة يجب أن تحسب وفق ما تحدد من أهداف، ومدى النجاح في تحقيقها، وكانت الفكرة المسيطرة قبل ذلك هي أن الدولة التي وُلدت بالحرب، يصبح بقاؤها نفسه مشروطا بالتضحية. وكان يُنظر إلى الخسائر البشرية بوصفها قدرا حتميا لبناء الدولة، وكان أي نقاش حول جدوى الحرب محدودا للغاية.

استطاعت وجهة النظر العلمانية أن تهيمن بطريقة ما على الرأي العام، حتى كان زلزال السابع من أكتوبر، الذي استطاع إجبار المحتل على إعادة النظر في كثير من ثوابته، ومع ارتفاع صوت لغة الانتقام التي تبنتها الحكومة وقيادات الجيش، كانت مسألة الأسرى تضغط بالمقابل لضبط إيقاع الشارع في الداخل المحتل.. ومع استمرار الحرب لنحو عامين ونصف في أكثر من جبهة، كانت الحاجة مُلحّة إلى خطاب جديد بشأن الخسائر البشرية التي درج جيش الاحتلال على إخفاء معظمها وفق ضوابط الرقابة العسكرية التي تفرض التقييد والإرجاء والتخفيف على المعلومات التي تتعلق بهذا الأمر.. على أن تكون صبغة هذا الخطاب مزيجا بين القومي والديني، ونظرا لأنه موجه للأجيال الجديدة -في المقام الأول- فقد كانت الوجهة، المدارس ووسائل الإعلام التي تحظى باهتمام تلك الفئات.

في ديسمبر2023، أجرى الحاخام يغال لوينشتاين، رئيس مدرسة “عيلي” التحضيرية، مقابلة مع أرئيل سيغال في “القناة 14” قرأ فيها سيغال أسماء 13 من قتلى المدرسة في قطاع غزة حتى ذلك الوقت، وسأل سيغال الحاخام، كيف يتعاملون مع كثرة القتلى؟

قال لوينشتاين في نبرة لا تعرف الحزن: “نرجو للجرحى الشفاء.. لكن هناك أيضا بشارة أُخرى… وهي أن الناس يفهمون عظَمة اللحظة… وأن الدافع إلى القتال والانتصار، ليس فقط لا يتراجع، بل إن الناس يشعرون بأنهم يدخلون مكان الذين فُقدوا لإكمال المهمة” وأضاف الحاجام مدللا على صدق كلامه أنه رأى في ارتفاع معدلات الإقبال على الدراسة في المدرسة، علامة على ذلك النهج.. ما يعنى أن “الثكل” صار دافعا لدى هؤلاء لاستمرار القتال، لا عامل إحجام عنه. عن ذلك يقول الكاتب ياغيل ليفي في هآرتس “…وفي حرب غزة، انتقل خطاب الثكل الديني من تلميح معارض إلى تحدٍّ مباشر. وكانت الظاهرة غير المسبوقة هي إحصاء عدد القتلى من القطاع الديني. وهدفت هذه الإحصاءات إلى الاحتجاج على المكانة التي حظيَ بها “إخوة السلاح”، وعلى الانتقادات الموجهة إلى المستوطنين، وعلى الثمن الذي يدفعه المتدينون نتيجة أخطاء، مثل الانسحاب، وعلى معارضة التضحية بالمختطفين من أجل النصر. وهكذا عبّر خطاب الثكل الحريدي – القومي، ليس فقط عن رؤية لاهوتية، بل أيضا عن معادلة قطاعية. وهذا أيضا هو دور أقوال لوينشتاين، التي أطّرَت الموت في الجيش في أنه قيمة مثالية يجب التربية عليها، وكتحقُّق لـ”عظَمة اللحظة” التاريخية التي منحها السابع من أكتوبر. ومنح تحقُّقها “ختم جودة” للمدرسة وزاد في الإقبال عليها. وهكذا تحوّل الموت إلى مورد تعبوي. لقد ترجم الموت من خسارة غير قابلة للتعويض إلى نقص يمكن تعويضه، وبذلك تزعزع دور الثكل ككابح لاستخدام القوة، لمصلحة آلية تمنح الشرعية لاستمرارها على الرغم من أثمانها.  يسعى التيار الحريدي – القومي لتشكيل خطاب الثكل وصبغه بصبغته، وبذلك يجعله سياسيا. إن تسييس الثكل فضيلة ديمقراطية لأنه يشجع النقاش بشأن ما الذي تقدَّم التضحية من أجله، لكنه يفقد هذه الصفة عندما يسكت النقاش، عبر تطبيع الموت، وعندما يقلّص صوت مجموعات أُخرى، وبهذا يسكتها”.

يبدو أن آلة الحرب الصهيونية تتجه نحو مزيد من الحروب. يبدو أيضا أن خسائرها البشرية في حروبها الأخيرة كانت فادحة، بما يحسن معه تهيئة المجتمع لتقبل ذلك، يبدو أيضا أن هاجس نهاية الدولة وأسطورة العقد الثامن تدفع الكيان نحو مزيد من الحروب والدمار على أمل إطالة أمد البقاء.. وهو أمر صار محل شك كبير في نظر الكثيرين داخل الكيان وخارجه.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى