رؤى

في الذكرى الـ57 لوفاة محمد صديق المنشاوي.. “خَتْمَة” جديدة للشيخ تُذاع لأول مرة

أحسبها جرأة كبيرة.. أن يُقدمَ غير متخصصٍ -وإن كان الدافعُ الحبَ- على الكتابة عن مولانا الشيخ محمد صديق المنشاوي.. لكن عواقب الاجتراء يمكن تجنبها، إذا التُزِمَ الحرصُ.. وهي أخف وطأة من تجاهل الكتابة عن تلك القمة الشمَّاء من جانب كثيرين، في كل مناسبة بدعاوى شتى.. خاصةً وأن المناسبة قد صارت مناسبتين.. ففي مطلع الشهر الحالي أعلنت إذاعة القرآن الكريم في القاهرة بدء بث ختمة مرتلة جديدة، تضم تسجيلات لم تُذع من قبل بصوت الشيخ، الذي اعتبر مدرسة في التلاوة -مستقلة بذاتها- عنوانها الخشوع والإخبات والصوت الرخيم المندّى بدموع الخشية، أما المناسبة الثانية فهي ذكرى رحيل الشيخ في مثل هذا اليوم من عام 1969.

سجّل الشيخ القرآن الكريم كاملا بصوته على 82 شريطا عرضت على لجنة الاستماع الموحد برئاسة الدكتور محمد عبد الله ماضي عام 1965، وضمت اللجنة علماء كبار مثل الشيوخ: عامر السيد عثمان، ومحمود برانق، وإبراهيم علي شحاتة، وسنوسي أحمد يوسف، ومحمد سليمان صالح، وبمشاركة المهندس فاروق عامر.

اعتمدت اللجنة النسخة وأشادت بها، إلا أن الشيخ المنشاوي عندما استمع إليها بنفسه، قرر إعادة تسجيل 32 شريطا منها على نفقته الخاصة؛ طلبا لمزيد من الإتقان والكمال، وهي النسخة المعدلة التي اعتُمدت بعدها عام 1967.

لكن الختمة الأولى “المعتمدة” هي التي كانت تُذاع كاملة، أما الـ32 شريطا الجديدة؛ فلم تخرجها الإذاعة المصرية إلا مطلع الشهر الحالي، “ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تجسيد لمدى إخلاص الشيخ الراحل وتفانيه في خدمة كتاب الله، وسعيه الدائم إلى بلوغ أعلى درجات الجودة والإتقان في التلاوة”.

الشيخ محمد -رحمه الله- سليل شجرة مباركة شرُفت بحمل كتاب الله جيلا بعد جيل؛ فبيت المنشاوي هو بيت القرآن الكريم بامتياز.. فالأب والعم والجد والجد الأكبر والإخوة.. كلهم من القرّاء الحفظة، والوالد الشيخ صدّيق لُقّب بـ”أمين القراءات” في الصعيد، وكان متعاقدا مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ليفتتح إذاعتها العربية في بداياتها.

ولد الشيخ محمد صديق السيد تايب المنشاوي في مدينة (المُنشاة) بمحافظة سوهاج بصعيد مصر في العشرين من يناير سنة 1920.

لازم والده “ملازمة الظل” كما قال عن نفسه، وأتم في السابعة من عمره حفظ رُبع القرآن مع عمه القارئ أحمد السيد المنشاوي، الذي رافقه في القاهرة لمدة عام، كما تتلمذ على يد الشيخ محمد النَّمَكِي، والشيخ محمد أبو العلا والشيخ رشوان أبو مُسلم والشيخ محمد السعودي، عالم القراءات الذي أحبه المنشاوي كثيرا.

عندما كان الشيخ في الثالثة والعشرين من عمره، وكان الشهر رمضان.. طلب منه صديق له القدوم للقاهرة ليعتمد في الإذاعة المصرية قارئا.. رفض المنشاوي الذي كان يحب قضاء الشهر الكريم في مسقط رأسه قرية (أُبّار المِلك) التابعة لمركز إخميم المجاور للمُنشاة بسوهاج، أو مدينة إسنا بقنا.. لتقرر الإذاعة المصرية انتقال فريق منها إلى حيث يوجد الشيخ على بُعد مسافة تبلغ نحوا من 700 كيلومترا في رحلة طويلة استغرقت قرابة الـ 10 ساعات، مرسلة أجهزة التسجيل تحت إشراف المخرج سعيد أبو السعد.

وعادت البعثة الإذاعية لتعرِض ما سجّلته على لجنة متخصصة، ليُعتمد المنشاوي قارئا رسميا بالإذاعة سنة 1953، ضمن الفئة الممتازة التي كانت تقرأ في تلاوة الثامنة مساء.

اختار الشيخ المنشاوي حي القلعة لاستقراره بالقاهرة ثم انتقل إلى حي حدائق القبة الذي بنى به مسجدا أطلق عليه اسم والده.

من القاهرة انطلق الشيخ إلى شتى ربوع العالم الإسلامي، فقرأ القرآن في جاكرتا بإندونسيا في حضور 250 ألف شخص، كما قرأ في مساجد العراق والأردن وليبيا والجزائر.. وزينت تلاوته البيت الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى بالقدس الشريف.. الذي تعلق به قلب الشيخ وزاره مرات ومرات.. فالمنشاوي هو عاشق الأقصى حسب رواية ابنته فادية التي ذكرت أن أباها كان يعتز بسفره إلى المسجد الأقصى و”كان يحبه حبا جما”. وأنه كان شديد الإعجاب بالمسجد الأقصى معمارا ومكانا روحيا، وأنه في كل مرة كان يشرع فيها للذهاب للقدس يكون “في قمة السعادة”، بما انعكس على تلاوته التي اتسمت بـ”جلال رهيب” داخل أروقة الحرم المقدسي بما يختلف عن تلاواته في أي مكان آخر تردد فيه صدى صوته.. وأضافت.. كان الأقصى حب حياته وأنه لم يتوقف عن الذهاب إليه إلا بعد احتلال القدس الشرقية في حرب الأيام الستة 1967.

وفي مثل هذا اليوم من عام 1969، رحل عن عالمنا القارئ الشيخ محمد صديق المنشاوي قبل أن يتم عامه الخمسين بستة أشهر.. بعد رحلة عظيمة في خدمة كتاب الله.. رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وجزاه عن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- خير الجزاء.

 

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى